الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 29، الدرس التاسع والعشرون : من: (قال المعترض المناقض وروى مسلم في صحيحه ... لا من الموافقين له المطيعين له كما بسط في غير هذا الموضع ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح شيخ الإسلام الفرق بين زيارة النبي صلى الله عليه وسلم في حياته وزيارة قبره بعد مماته، موضحا أن زيارته حيا كانت خيرا لما فيها من مشاهدته وسماع كلامه. بينما زيارة القبر لا تعدل زيارته حيا لما قد يحدث عند القبور من منكرات.
يناقش حكم زيارة قبر النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويوضح أن الصلاة في مسجده أفضل من غيره، وأن محبة النبي واجبة في كل مكان وزمان. كما يؤكد أن طاعة النبي واجبة في كل مكان وأنه لا يجب تخصيص قبره بعبادات معينة.
يتناول الرد على المعترض الذي استدل بزيارة القبور على جواز شد الرحال إلى قبر النبي، ويبين أن هذا الاستدلال غير صحيح. يقدم أدلة من الأحاديث النبوية تثبت أن شد الرحال إلى القبور ليس من هدي النبي.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله في رد على الأقناء: فصل. قال المعارض: المناقب وروى مسلم في صحيحه في الذي سافر لزيارة أخ له في الله. ولفظ الحديث: «إن رجلا زار أخا له في قرية أخرى، فأرصد الله على مدرجته ملكا. فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في تلك القرية. قال: هل لك عليه من نعمة تربها؟ قال: لا، إلا أني أحببته في الله. قال: فإني رسول الله إليك، فإن الله أحبك كما أحببته فيه». وفي موطأ مالك عن معاذ بن جبل في حديث ذكر فيه: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله: وجبت محبتي للمتحابين فيه، والمتجالسين فيه، والمتزاورين فيه، والمتباذلين فيه». قال: فقد علمت أيها الأخ، بآداب فضيلة زيارة الإخوان، هو ما أعد الله بها للزائرين من الفضل والإحسان. وكيف بزيارة من هو حي الدارين، وإمام الثقلين، الذي جعل الله حرمته في حال مماته كحرمته في حال حياته، ومن شرفه الحق بما أعطاه من جميل صفاته، ومن هدانا ببركته إلى الصراط المستقيم، وعصمنا به من الشيطان الرجيم، ومن هو آخذ بحجزنا أن نقتحم في نار الجحيم، ومن هو بالمؤمنين رؤوف رحيم. والجواب: أما زيارة الأخ الحي في الله، كما في الحديث، فهذا نظير زيارته في حياته، يكون الإنسان بذلك من أصحابه، وهم خير القرون. وأما جعل زيارة القبر كزيارته حيا، كما قاسه هذا المعترض، هذا قياس ما علمت أحدا من علماء المسلمين قاسه، ولا علمت أحدا منهم احتج في زيارة قبره صلى الله عليه وسلم في القياس على زيارة الحي المحبوب في الله. وهذا من أفسد القياس، فإنه من المعلوم أنه من زار الحي حصل له بمشاهدته وسماع كلامه ومخاطبته وسؤاله وجوابه وغير ذلك، ما لا يحصل لمن لم يشاهده ولم يسمع كلامه. وليس رؤية قبره أو رؤية ظاهر الجدار الذي بنى عليه بيته بمنزلة رؤيته ومشاهدته ومجالسته وسماع كلامه. لو كان هذا مثل هذا، كان كل من زار قبره مثل واحد من أصحابه. ومعلوم أن هذا من أبطل الباطل. وأيضا فالسفر إليه في حياته، إما أن يكون لما كانت الهجرة إليه واجبة السفر قبل الفتح، فيكون المسافر إليه مسافرا للمقام عنده بالمدينة مهاجرا من المهاجرين إليه. وهذا السفر إن قطع بفتح مكة، قال صلى الله عليه وسلم: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية». ولهذا لما جاء صفوان بن أمي مهاجرا، أمره أن يرجع إلى مكة. وكذلك سائر الطلقاء كانوا بمكة لم يهاجروا. إما أن يكون المسافر إليه وافدا إليه ليسلم عليه ويتعلم منه ما يبلغه قومه، كالوفود الذين كانوا يفدون إليه، لا سيما سنة عشر، سنة الوفود. وقد أوصى في مرضه قبل أن يموت بثلاث، وقال: «أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفود بنحو ما كنت أجيزهم». ومن الوفود وفد عبد القيس، لما قدموا عليه ورجعوا إلى قومهم بالبحرين. لكن هؤلاء أسلموا قديما قبل فتح مكة. وقالوا: لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر حرام، لأن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وهم أهل نجد، كأسد غطفان وتميم وغيرهم، فإنهم لم يكونوا قد أسلموا بعد. وكان السفر إليه في حياته لتعلم الإسلام والدين، ولمشاهدته وسماع كلامه. وكان خيرا محظى، لم يكن أحد من الأنبياء والصالحين يعبد الله في حياته بحضرته، فإنه كان ينهى من يفعل ما هو دون ذلك من المعاصي، فكيف بالشر؟ كما نهى الذين سجدوا له، والذين صلوا خلفه قياما، وقال: «إن كنتم أن تفعلوا فعل فارس ورُوم، فلا تفعلوا». رواه مسلم. وفي المسند، بإسناد صحيح، عن أنس، قال: «لم يكن شخص أحب إليه من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له، لما يعلمون من كراهته ذلك». وفي الصحيح: أن جارية قالت عنده: «وفينا نبي يعلم ما في غد». وقال: «دعي هذا، وقولي الذي كنت تقولين». ومثل هذا كثير، من نهيه عن المنكر بحضرته. فكل من رآه في حياته، لم يتمكن أن يفعل بحضرته منكرا يقر عليه. وأما الذين يزورون القبور، فيفعلون عندها من أنواع المنكرات ما لا يضبط، كما يفعل المشركون والنصارى وأهل البدع عند قبر من يعظمونه، من أنواع الشرك والغلو. وبحسبك أنه صلى الله عليه وسلم لعن اليهود والنصارى، لأجل اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد. فإذا اتخذ القبر مسجدا، فقد لعن صاحبه. ومعلوم أنه لو كان حيا في المسجد، لكان قصده في المسجد من أفضل العبادات. وقصد القبر الذي اتخذ مسجدا، مما نهى عنه، ولعن أهل الكتاب على فعله. وأيضا فليس عند قبره مصلحة من مصالح الدين، وقربة إلى رب العالمين، إلا وهي مشروعة في جميع البقاع. فلا ينبغي أن يكون صاحبها غير معظم للرسول، التعظيم التام، والمحبة التامة، إلا عند قبره. بل هو مأمور بهذا في كل مكان. فكانت زيارته في حياته مصلحة راجحة، لا مصلحة فيها. والسفر إلى القبر لمجرده، بالعكس مفسدة راجحة، لا مصلحة فيها. بخلاف السفر إلى مسجده، فإنه مصلحة راجحة. وهناك يفعل من حقوقه ما يشرع، كما في سائر المساجد. وهذا مما يبين به كذب الحديث الذي فيه: «من زارني بعد مماتي، فكأنما زارني في حياتي». وهذا الحديث معروف من رواية حفص بن سليمان الغاضري، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حج فزار قبري بعد موتي، كان كمن زارني في حياتي». وقد رواه عنه غير واحد، وهو عندهم معروف من طريقه، وهو عندهم ضعيف في الحديث إلى الغاية. قال يحيى بن معين: حفص ليس بثقة. وقال الجوزجاني: قد كذب منه منذ دهر. وقال البخاري: تركوه. وقال مسلم بن الحجاج: متروك. وقال علي بن المديني: ضعيف الحديث، وتركته على عمل. وقال النسائي: ليس بثقة، ولا يكتب حديثه. وقال مرة: متروك. وقال صالح بن محمد: لا يكتب حديثه، وأحاديثه كلها مناكير. وقال زكريا الساجي: يحدث عن سماك وغيره، أحاديثه بواطيل. وقال أبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال أبو حاتم: لا يكتب حديثه، وهو ضعيف، لا يصدق، متروك الحديث. وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث. وقال الدارقطني: ضعيف. وقال ابن عدي: عامة أحاديثه عن من يروي عنه غير محفوظة. وقد رواه الطبراني في المعجم، من حديث الليث، من طريق ابن بنت ليث، من أبي سليل، عن زوجة جده عائشة، عن ليث. وهذا الليث، وزوجة جده مجهولان، لأن ليثا غير معروف بضبط ولا عدالة، مع غرابة متنه. ونفس المثل باطل، فإن الأعمال التي فرضها الله ورسوله، لا يكون الرجل بها مثل الواحد من الصحابة. بل في الصحيحين عنه، أنه قال: «لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا، ما بلغ مد أحدهم، ولا نصيفه». فالجهاد والحج ونحوهما، أفضل من زيارة قبله بانتفاق المسلمين. ولا يكون الرجل بما كمن سافر إليه في حياته ورآه، كيف وذاك؟ إما أن يكون مهاجرا إليه، كما كانت الهجرة قبل الفتح. أو من الوفود الذين كانوا يفدون إليه، يتعلمون الإسلام ويبلغونه عنه إلى قومهم. وهذا عمل لا يمكن أحدا بعدهم أن يفعل مثله. ومن شبه من زار قبر شخص، بمن كان يزوره في حياته، فهو مصاب في عقله ودينه. والزيارة الشرعية لقبر الميت، مقصودها الدعاء له، والاستفادة، كالصلاة على جنازته، والدعاء المشروع المأمور به بحق نبينا، كالصلاة عليه والسلام عليه، وطلب الوصيلة له، مشروع في جميع الأمكنة، لا يفتقر بقبره. فليس عند قبره عمل صالح تمتاز به تلك البقعة، بل كل عمل صالح يمكن فعله هناك، يمكن فعله في سائر البقاع. لكن مسجده أفضل من غيره، للعبادة فيه، فضيلة بكونها في مسجده، كما قال: «صلاة في مسجدي هذا، خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام». والعبادات المشروعة فيه بعد دفنه، مشروعة فيه قبل أن يدفن النبي صلى الله عليه وسلم، وقبل أن تدخل حجرته في المسجد. ولم يتجدد بعد ذلك فيه عبادة غير العبادات التي كانت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ما شرعه لأمته، ورغبهم فيه، ودعاهم إليه. وما يشرع للزائر من صلاة وسلام ودعاء له، وثناء عليه، كل ذلك مشروع في مسجده، وفي حياته، وهي مشروعة في سائر المساجد، بل وفي سائر البقع التي تجوز فيها الصلاة. وهو صلى الله عليه وسلم قد جعلت له ولأمته الأرض مسجدا، وطهورا. فحيثما أدركت أحدا الصلاة، فليصل، فإنه مسجد. كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم. ومن ظن زيارة القبر تختص بجنس من العبادة، لم تكن مشروعة في المسجد، وإنما شرعت لأجل القبر، فقد أخطأ. لم يقل هذا أحد من الصحابة والتابعين. وإنما غلط في بعض هذا بعض المتأخرين. وغاية ما نُقل عن بعض الصحابة، من عمر، أنه كان إذا قدم من سفر، يقف عند القبر ويسلم. وجنس السلام عليه مشروع في المسجد وغير المسجد، قبل السفر وبعده. وأما كونه عند القبر، فهذا كان يفعله ابن عمر إذا قدم من سفر. وكذلك الذين استحبوه من العلماء، استحبوه للصادر والوارد من المدينة وإليها، من أهلها، أو الوارد والصادر من المسجد، من الغرباء. مع أن أكثر الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك. ولا فرق أكثر السلف بين الصادر والوارد. بل كلهم ينهون عما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال أبو الوليد الباجي: إنما فرق بين أهل المدينة وغيرها، لأن الغرباء قصدوا لذلك، وأهل المدينة يقيمون بها، لم يقصدوها من أجل القبر والتسليم. وقال صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد. اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». وقال: «لا تتخذوا قبري عيدا». وهذا الذي ذكره، من أوله إلى آخره، سواء في النهي. فإن قوله: «لا تتخذوا بيتي عيدا»، نهي لكل أمته، أهل المدينة والقادمين إليها. وكذلك نهيه عن اتخاذ القبور مساجد، وخبره بأن غضب الله استدعى على من فعل ذلك، هو متناول للجميع. وكذلك دعاؤه بأن يتخذ قبره وثنا، عام. وما ذكره من أن الغرباء قصدوا لذلك، تعليقا للعلة، ضد مقتضاها. فإن القصد لذلك منهي عنه، كما صرح به مالك وجمهور أصحابه. وكما نهى عنه وليس بقربه. وإذا كان منهيا عنه، لم يشرع الإعانة عليه. وكذلك إذا لم يكن بقربه. وابن عمر رضي الله عنهما، لم يكن يسافر إلى المدينة لأجل القبر، بل المدينة وطنه، وكان يخرج عنها لبعض الأمور، ثم يرجع إلى وطنه، فيأتي المسجد فيصلي فيه ويسلم. فأما السفر لأجل القبور، فلم يعرف عن أحد من الصحابة. بل ابن عمر كان يقدم إلى بيت المقدس، فلا يزور قبر الخليل. وكذلك أبوه عمر، ومن معه من المهاجرين والأنصار، قدموا إلى بيت المقدس، ولم يذهبوا إلى قبر الخليل. وسائر الصحابة الذين كانوا ببيت المقدس، لم يعرف أن أحدا منهم سافر إلى قبر الخليل، ولا غيره. كما لم يكونوا يسافرون إلى المدينة لأجل القبر، كما تقدم. وما كان قربة للغرباء، فهو قربة لأهل المدينة، كأتيان قبور الشهداء وآل البقيع. وما لم يكن قربة لأهل المدينة، لم يكن لغيرهم، كاتخاذ بيته عيدا، واتخاذ قبره وقبر غيره مسجدا، والصلاة إلى الحجرة، والتمسح بها، وإنساق البطن بها، والطواف بها، وغير ذلك مما يفعله جهال القادمين. فإن هذا بإجماع المسلمين، ينهى عنه الغرباء، كما نهى عنه أهل المدينة، ينهون عنه صادرين وواردين، باتفاق المسلمين. وبالجملة، فجنس الصلاة والسلام عليه، والثناء عليه، ونحو ذلك، مما استحبه بعض العلماء عند القبر، للواردين أو الصادرين، هو مشروع في مسجده، وسائر المساجد. وأما ما كان سؤالا له، فهذا لم يستحبه أحد من السلف، لا الأئمة الأربعة، ولا غيرهم. ثم بعض من يستحب هذا من المتأخرين، يدعونه مع الغيب، فلا يختص هذا عندهم بالقبر. وأما نفس الدخول إلى بيته عند قبره، فلا يمكن أحدا الوصول إلى هناك. ولم يشرع هناك عمل يكون هناك أفضل منه في غيره. ولو شرع لفتح باب الحجرة للأمة. بل قد قال: «لا تتخذوا بيتي عيدا». «وصلوا علي حيث ما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني». وقد تقدم ما رواه سعيد بن منصور في سننه، عن عبد العزيز الدراوردي، عن سهيل بن أبي صالح، قال: «رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ناداني، فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم. فقال: إذا دخلت المسجد، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم. ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا بيتي عيدا، ولا بيوتكم قبورا. لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وصلوا علي حيث ما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني». ما أنتم ومن بالأندلس منه إلا سواء. وكذلك سائر الصحابة الذين كانوا ببيت المقدس، وغيرها من الشام، مثل معاذ بن جبل، وأبي عبادة بن الجراح، وعبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وغيرهم، لم يعرف عن أحد منهم أنه سافر لقبر من القبور التي بالشام، لا قبر الخليل، ولا غيره. كما لم يكونوا يسافرون إلى المدينة لأجل القبر. وكذلك الصحابة الذين كانوا بالحجاز، والعراق، وسائر البلاد، كما قد بسط في غير هذا الموضع. وروى سعيد بن منصور في سننه، أن رجلا كان ينتاب قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب: «يا هذا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي حيث ما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني». فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء. فإن قيل: الزائر في الحياة، إنما أحبه الله لكوني أحبه في الله، والمؤمنون يحبون الرسول أعظم. وكذلك يحبون سائر الأنبياء والصالحين. فإذا زاروهم، ثوابوا على هذه المحبة. قيل: حب الرسول من أعظم واجبات الدين. بالصحيحين، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «ثلاث من كن فيه، وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يلقى في النار». وفي الحديث الصحيح، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولدي ووالدي والناس أجمعين». وفي البزار، عن عبد الله بن مسعود، قال: «كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو آخذ بيد عمر، فقال: يا رسول الله، لأنت أحب إلي من كل شيء، إلا من نفسي. قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، حتى أكون أحب إليك من نفسك. فقال له عمر: إنه الآن، والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال: الآن يا عمر». وتصديق هذا في القرآن، في قوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:6]، وفي قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة:24]. وقال: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة:22]. وبصحيح البخاري وغيره، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة. اقرءوا إن شئتم: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب:6]. وأما من مات وترك مالا، فليرثه عصبتُه من كانوا. ومن ترك دينا أو ضياعا، فليأتني، فأنا مولاه». وبحديث آخر: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به». لكن حبه وطاعته، وتعزيره وتوقيره، وسائر ما أمر الله به من حقوقه، مأمور به في كل مكان، لا يختص بمكان دون مكان. وليس من كان في المسجد عند القبر، بأولى بهذه الحقوق، ووجوبها عليه، ممن كان في موضع آخر. ومعلوم أن زيارة قبره، كزيارة المعروفة للقبور، غير مشروعة، ولا ممكنة. ولو كان في زيارة قبره عبادة زائدة للأمة، لفتح باب الحجرة، ومكِّنوا من فعل تلك العبادة عند قبره. وهم لم يمكنوا إلا من الدخول إلى مسجده. والذي يشرع في مسجده، يشرع في سائر المساجد. لكن مسجده أفضل من سائرها، غير المسجد الحرام، على نزاع في ذلك. وما يجده المسلم في قلبه من محبته، والشوق إليه، والأنس بذكره وذكر أحواله، فهو مشروع له في كل مكان. وليس في مجرد زيارة ظاهر الحجرة، ما يوجب عبادة لا تفعل بدون ذلك. بل نهى عن أن يتخذ ذلك المكان عيدا، وأن يصلى عليه حيث كان العبد، ويسلم عليه. فلا يخص بيته وقبره، لا بصلاة عليه، ولا بسلام عليه. فكيف بما ليس كذلك؟ وإذا خص قبره بذلك، صار ذلك في سائر الأمكنة دون ما هو عند قبره، ينقص حبه وتعظيمه وتعزيره ومهابته والثناء عليه، عند غير قبره، كما يفعل عند قبره. كما يجده الناس في قلوبهم، إذا رأوا من يحبونه ويعظمونه، يجدون في قلوبهم عند قبره مودة له ورحمة ومحبة، أعظم مما يكونون بخلاف ذلك. والرسول والأمر بينه وبين الله، في كل مكان وزمان. فلا يؤمرون بما يوجب نقص محبتهم وإيمانهم، في عامة البقاع والأزمنة. مع أن ذلك لو شرع لهم، لأشغلوا بحقوقهم عن حقه، واشتغلوا بطلب الحوائج من غيره، كما هو الواقع. فيدخلون في الشرك في الخالق، وفي ترك حق المخلوق، فينقض تحقيق شهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وأنه محمد رسول الله. وأما ما شرعه لهم من الصلاة والسلام عليه، في كل مكان، وأن لا يتخذوا بيته عيدا، ولا مسجدا، ومنعهم من أن يدخلوا إليه، ويزوروه كما تزار القبور، فهذا يوجب كمال توحيدهم بالرب، وكمال إيمانهم بالرسول، ومحبته وتعظيمه، حيث كانوا. واهتمامهم بما أمروا به من طاعته. فإن طاعته هي مدار السعادة، وهي الفارقة بين أولياء الله وأعدائه، وأهل الجنة وأهل النار. لأهل طاعتهم: أولياء الله المتقون، وجنده المفلحون، وحزبه الغالبون. وأهل مخالفته ومعصيته، بخلاف ذلك. والذين يقصدون الحج إلى قبره، وقبر غيره، ويدعونهم، يتخذونهم أندادا، هم من أهل معصيته ومخالفته، لا من أهل طاعته وموافقته. فهم بهذا الفعل، من جنس أعدائه، لا من جنس أوليائه. وإن ظنوا أن هذا من موالاته ومحبته، كما يظن النصارى أن ما هم عليه من الغلو في المسيح، وشرك به، من جنس محبته وموالاته. وكذلك دعاء من يدعو من الأنبياء والموتى، كإبراهيم وموسى وغيرهما، ويظنون أن هذا من محبتهم وموالاتهم. وإنما هو من جنس معاداتهم. ولهذا يتبرؤون منهم يوم القيامة. وكذلك الرسول يتبرأ ممن عصاه، وإن كان قصده تعظيمه، هو الغلو فيه. قال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ يَقْتَرِفْ عَلَيْكَ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [الشعراء:214-217]، إلى قوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾. فقد أمر الله المؤمنين أن يتبرأوا من كل معبود غير الله، ومن كل من عبده. قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة:4]. وكذلك سائر الموتى، ليس في مجرد رؤية قبورهم، ما يوجب لهم زيادة المحبة، إلا لمن عرف أحوالهم بدون ذلك، فيتذكر أحوالا ويحبهم. والرسول يذكر المسلمون أحواله ومحاسنه وفضائله، وما من الله به عليه، ومن به على أمته. فبذلك يزداد حبهم له وتعظيمهم له، لا بنفس رؤية القبر. ولهذا تجد العاكفين على قبور الأنبياء والصالحين، من أبعد الناس عن سيرتهم ومتابعتهم. وإنما قصد جمهورهم التكسب والترأس بهم، فيذكرون فضائلهم ليحصل لهم بذلك رياسة أو مأكلة، لا ليزدادوا لهم حبا وخيرا. وفي مسند الإمام أحمد، وصحيح أبي حاتم، عن ابن مسعود، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن من شرار الناس، من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد». وما ذكره هذا من فضائله، فبعض ما يستحقه صلى الله عليه وسلم. والأمر فوق ما ذكره، أضعافا مضاعفة. لكن هذا يوجب إيماننا به وطاعتنا له، واتباع سنته، والتأسي به، والاقتداء، ومحبتنا له وتعظيمنا له، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، ومتابعة سنته. فإذا هذا هو طريق النجاة والسعادة، وهو سبيل الخلق ووسيلتهم إلى الله تعالى. ليس في هذا ما يوجب معصيته ومخالفة أمره، والشرك بالله، واتباع غير سبيل المؤمنين السابقين الأولين، والتابعين لهم بإحسان. وهو قد قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». وقال: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا». وقال: «لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي حيث ما كنتم، فإن صلاتكم تبلغني». وقال: «خير الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة». رواه مسلم. وقال: «إنه من يعش منكم بعدي، فسيرى اختلافا كثيرا. فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، من بعدي. تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة». رواه أهل السنن. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. إلى غير ذلك من أدلة التي تبين أن الحجاج إلى قبورهم، من المخالفين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، الخارجين عن شريعته وسنته، لا من الموافقين له، المطيعين له. كما بسط في غير هذا الموضع. هذا الفصل، جعله المؤلف رحمه الله تعالى، للرد على هذا المعترض المناقض، كما قال رحمه الله: لأنه يذكر ما يعلم أنه ليس فيه حجة، وما يعلم كذلك، ليس فقط بالأدلة الشرعية، بل بواقع ما يعرفه ويعلمه ويراه ويسمعه، أن ما ينادي به، ليس فيه المصلحة البتة، بل فيه فتح ذريعة الشرك والبدعة والمعصية. ثم أبان بهذا الفصل، وهو كما سمعنا، كلام طويل، تناول مباحث متعددة. لكن أهمها نقض الدليل الذي استدل به، الصحيح، وأنه من القياس الفاسد، فلا يقاس زيارة الأخ في الله على زيارة الميت، أو لا يقاس زيارة الميت على زيارة الحي من الأخ. وأعظم من ذلك، أن يجعل هذا لقبره عليه الصلاة والسلام، ولشد الرحل إليه. فصح ما قال رحمه الله: أنه لا يقول بذلك إلا من في عقله ودينه نقص. فالعقلاء لا يستدلون بمثل هذا الدليل، ولا يقيسون بمثل هذا القياس. وهذا لو صح أنه قياس، وهو من القياس الضعيف، الذي هو من أنواع القياس الضعيف. ثم ذكر الحديث الضعيف الذي استدل به، وهو: «من زار قبري بعد موتي، فكأنما زارني في حياتي». وأشار إلى ضعف بعض رواته، وهو حفص، وذكر كلام العلماء فيه. بل قال ابن خراش عنه: كان يضع الحديث. يعني حفصا. وقال الذهبي: هذا الحديث من منكراته. وهذا يدل على جهل المعترض، حتى أنه لم يجد أن يستدل إلا بالأحاديث الضعيفة، شديدة الضعف. ثم ذكر مجموعة من الأدلة التي يرد بها على المعترض. أولا: بالمعنى المذكور. وثانيا: بالتحذير من الفتنة بقبره عليه الصلاة والسلام، المفضية إلى ذلك. وهكذا كذلك مباحث أخرى متفرقة، المقصود منها هو بيان هذين المعنيين: أنه لا يصح الاستدلال بأي وجه من الوجوه، على جواز تخصيص زيارة قبره عليه الصلاة والسلام، بشد الرحل إليه، بسفر أو كذلك تخصيص قبره بشيء من العبادة. وأبين كما قد سبق، قد أبان أن فعل ابن عمر، وتخصيصه بالسلام، انفرد به، ولم يكن على ذلك سائر الصحابة. بل مر معنا أن بعض التابعين أنكر عليه ذلك. وأن الصحابة لم يكونوا على هذا. فالخلاصة أن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، والسنة سنته، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين. ينبغي لكل منصف أن يأخذ بهذا المعنى. وباقي الكلام، إن شاء الله، ظاهر وواضح. أما الأحاديث التي ذكرها، فكلها أحاديث، أكثرها مرفوع، وهي صحيحة. وبعضها فيها ضعف، لكن معناها صحيح. ولا تخرج أن يكون بعض أهل العلم حسنها، مثل: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به». وما كان بمعناه. والله تعالى أعلم. كيف حسنه النووي، وحسنه سليمان الهلالي؟ معناه حسن، ولو كان هو ضعيفا. «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به»، ليس معناه حسن. نعم، هذا هو. ومع ذلك، هو لم يذكر شيئا لم يحسنه أحد. حسنه بعض أهل العلم. وإن كان الصحيح أنه فيه ضعف.