الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 10، الدرس العاشر : من : (فأين في كتاب الله وسنة رسوله أنه يستحب السفر ... وكان يأتي قباء كل سبت راكباً وماشيا). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الشيخ حكم السفر لزيارة قبور الصالحين، ويبين أنه ليس من شريعة الإسلام. يستدل بالأحاديث النبوية التي تنهى عن اتخاذ القبور مساجد أو السفر إليها إلا إلى المساجد الثلاثة.
يناقش المقطع مذهب الإمام مالك في النهي عن السفر إلى غير المساجد الثلاثة، ويستدل على ذلك بأقوال العلماء والفقهاء المالكية. يوضح أن السفر لغير هذه المساجد لا يعتبر قربة ولا طاعة.
يناقش المقطع حكم شد الرحال لزيارة القبور، ويستدل بحديث "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد" على النهي عن ذلك. يبين أن زيارة القبور قد تكون مشوبة بالشرك أو البدع.
يُشير المقطع إلى توفر الكتب واطلاع الإمام عليها، ويذكر أن العديد من هذه الكتب أصبح مفقودًا اليوم. يُظهر هذا مدى سعة اطلاع الإمام رحمه الله تعالى.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. ولو قدر أنه خالف نصًا لم يبلغه، أو رجح غيره عليه، لم يكن ذلك معاداتًا لهم ولا معاندة، ولكن الجهال وأهل الضلال يظنون أن السفر إلى قبورهم من حقوقهم التي تجب على الخلق، وأنها من الإيمان بهم. أو يظنون أن زيارة قبورهم من باب التعظيم لهم، وتعظيم أقدارهم وجاههم عند الله، وأن الزائر إذا دعاهم وتضرع لهم وسألهم حصل مطلوبه، إما بشفاعتهم له، وإما لمجرد عظم قدرهم عند الله، يعطى سؤله إذا دعاهم. وإما أن يقول: يفيض على الداعي من جهتهم ما يطلب، من غير علم منهم ولا قصد، كشعاع الشمس الذي يظهر في الماء، وبواسطة الماء يظهر في الحائط، وإن كانت الشمس لا تدري بذلك. وهذا قول طائفة من المتفلسفة المنتسبين إلى الملل. وقد ذكره صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها، وغيره. كما بسط الكلام على ذلك في موضع آخر. ومعلوم أن زيارة القبور بهذا القصد، وعلى هذا الوجه، ليست من شريعة الإسلام، بل من دين المشركين والمعطلين. والرسول لم يشرع مثل هذا لأمته، ولا فعله أصحابه، ولا التابعون لهم بإحسان، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين. بل النصوص المستفيضة عن النبي ﷺ تنهى عما قد يفضي إلى هذا، فكيف به؟! فإنه ﷺ لعن الذين يتخذون قبور الأنبياء مساجد، يحذر ما فعلوا. وقال: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبياءهم مصاليهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك». وخص بيته بأن قال: «لا تتخذوا قبري عيدًا». وفي رواية: «بيتي عيدًا». وقال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد». «اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبياء مساجد». فإذا كان قد حرم أن تتخذ مسجدًا يعبد الله فيها؛ لئلا يفضي إلى دعائه، فكيف إذا كان المقصود بالزيارة هو دعاء صاحب القبر؟ وذلك هو المقصود بالسفر إلى قبره. وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. والمشرك يقصد فيما يشرك به أن يشفع له، أو يقرب بعبادته إلى الله، أو يكون قد أحبه كما يحب الله. أو يتقرب بعبادته بالتأسي بعبادته، أو يقرب، أو يتقرب بعبادته إلى الله، أو يكون قد أحبه كما يحب الله. والمشركون بالقبور توجد فيهم الأنواع الثلاثة. قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾. وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ إلى قوله: ﴿مَحْذُورًا﴾. وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. حتى إن الملائكة إذا قضي الأمر صعق، ولا يعلمون ما قضاه -ما قضاه- حتى يفزع عن قلوبهم، أن يزول عنها الفزع، حينئذ يعلمون ما قضاه. وما قال: «فكيف يشفعون؟» عند ابتداء. قال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ ارْتَضَى﴾. الآية. وقال: «وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئًا». الآية. وكذلك من ظن أن السفر إلى قبورهم من حقوقهم التي تجب على القلب، فهذا الظن ليس هو دين أحد من المسلمين. ولم يقل أحد: إن السفر إلى المسجد النبوي أو المسجد الأقصى واجب، مع أن النبي ﷺ قد شرع السفر إليهما. وقال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد هذا». فكيف بما دون ذلك من القبور والآثار؟! لم يقل أحد من علماء المسلمين: إن السفر إلى ذلك واجب، بل ولا عرف عنهم القول بالاستحباب. بل السلف والقدماء على تحريم ذلك، والمتأخرون متنازعون. فأحد القولين: أن ذلك جائز لا فضيلة فيه. والآخر: أنه ينهى عنه. وعلى هذا القول جلت سنة رسول الله ﷺ، وأقوال الصحابة، وسلف الأمة. فإنه ثبت عنه أنه قال: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». وهذه صيغة خبر، معناه النهي. ولكن من قال: ليست نهيًا، بل نفيًا للفضيلة. وهذا الاحتمال وإن كان باطلًا، فإنما يقدح فيه رواية أبي هريرة. والحديث في الصحيحين من رواية أبي هريرة، ومن رواية أبي سعيد الخدري. ورفض حديث أبي سعيد عن قزع، عن أبي سعيد، قال: سمعت منه حديثًا فأعجبني، فقلت له: أنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ؟ قال: «سمعته يقول: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى». وسمعته يقول: «لا تسافر المرأة يومًا من الدهر إلا ومعها زوجها أو ذو محرم منها». ولفظ أبي سعيد، والثابت في الصحاح، صريح في النهي، وهو صريح في أن رسول الله ﷺ نهى عن السفر إلى غير الثلاثة. وتبين بذلك أن من قال: السفر إلى غيرها جائز، أو غير مكروه، فهو مخطئ. والله أعلم. وإذا كان ذلك ليس بواجب ولا مستحب، بل هو منهي عنه، لم يكن من حقوقهم التي أوجبها الله، ولا دعا عباده إليها. فأي معادات وأي معاندة لمن نهى عن شيء ليس من حقوقهم، ولا مما أوجبوه، ولا دعوا إليه؟! بل هو نهاه عما نهوا عنه، آمر بما أمروا به، مطيع لهم، متبع لهم، قصده متابعتهم. فكيف يكون مع متابعتهم قصدًا وقولًا وعملًا معاديًا ومعاندًا؟! لو قدر أنه متأول مقتدي، فكيف إذا كان قد ذكر قولي علماء المسلمين الذين نهوا، والذين أباحوا، وحجة كل قول؟! والسلف على النهي، وكلام علماء المسلمين -مالك وغيره- موجود في كتب كثيرة. فكفى بقاضي مالكي جهلًا وضلالًا أن يقول بكفر من قال بقول إمامه وأصحابه. بل كفى بمن قال ذلك جهلًا وضلالًا، سواء كان مالكيًا أو غير مالكي. ما عظم قدر مالك بإجماع أهل الإسلام، الخاص منهم والعام. بل لم يكن في وقته مثله. وقد روى الترمذي وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم، فلا يجدون أعلم من عالم المدينة». قال غير واحد: كانوا يرونه مالكًا. فلو كان ما قاله وأصحابه مما خالفهم فيه بقية الأئمة، لم يكن ذلك من مسائل التكفير، ولا من معادات الأنبياء ومعاندتهم. فكيف والذي قاله مالك -من أنس- هو قول سائر الأئمة، كما يدل عليه كلامهم وأصحابهم ومسائلهم؟! والذين خالفوه غايتهم أنهم قالوا: إن السفر جائز. ولو قدر أن بعضهم قالوا: هو مستحب، فليس فيهم من يجعل أصحاب ذلك القول ممن تنقص الأنبياء، أو عاداهم، أو عاندهم. بل قائل هذا من أجل الناس، وهو في هذه المقالة بالنصارى أشبه منه بالمسلمين. وقد ذكر إسماعيل بن إسحاق -وهو من أجل علماء المسلمين، ومن أجل من قلد قضاء القضاء، حتى كان المتولي لذلك وحده في جميع بلاد بن العباس في خلافة المعتضد- ذكر في كتابه المبسوط ما تقدم ذكره في باب إتيان مسجد قباء والصلاة فيه. لما ذكر محمد بن مسلمة: أن من نذر أن يأتي مسجد قباء، فعليه أن يأتيه. قال: «إنما هذا فيمن كان من أهل المدينة وقربها، ممن لا يعمل المطي إلى مسجد قباء؛ لأن إعمال المطي اسم للسفر، ولا يسافر إلا إلى المساجد الثلاثة، على ما جاء عن النبي ﷺ في نذر، ولا غيره». قال: وقد روى عن مالك أنه سئل عن من نذر أن يأتي قبر رسول الله ﷺ؟ فقال: «إن كان أراد المسجد، فليأتيه وليصل فيه، وإن كان إنما أراد القبر، فلا يفعل؛ للحديث الذي جاء: لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». الحديث. وذكر فيه عن مالك أنه قال: فيمن نذر أن يمشي إلى مسجد من المساجد ليصلي فيه. قال: «فإني أكره له ذلك؛ لقوله ﷺ: لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا». وتقدم أن في المدونة وسائر الكتب ما يوافق ذلك. قال في المدونة: ومن قال: «لله علي أن آتي المدينة وبيت المقدس»، أو «المشي إلى المدينة أو بيت المقدس»، فلا يأتيهما أصلا، إلا أن ينوي الصلاة في مسجديهما، أو، يسميهما، فيقول: «إلى مسجد الرسول»، أو «مسجد إيليا». وإن لم ينو الصلاة، فليأتيهما راكبًا، ولا هدي عليه. وكأنه لما سماهما قال: «لله علي أن أصلي فيهما». ولو نذر الصلاة في غيرهما من مساجد الأمصار، صلى في موضعه، ولم يأتِه. فقد تبين أنه إنما الصلاة في المسجدين. وكذلك إن سمى المسجدين، فإن المسجد إنما يؤتى للصلاة. وأما إذا نذر إتيان نفس البلد، فليس عليه أن يتيهه. وهذا يتناول إتيانه لزيارة قبر النبي ﷺ، وقبور الشهداء وأهل البقيع، وإتيان مسجد قباء، كما يتناول النهي عن السفر إلى بيت المقدس لزيارة القبور والآثار التي هناك من آثار الأنبياء. وإتيان المسجد لغير الصلاة -كالتمسح بالصخرة وتقبيلها- أو إتيانه للوقوف عشية عرفة، والطواف بالصخرة، أو لغير ذلك مما يظنه بعض الناس عبادة وليس بعبادة، ومما هو عبادة للقريب، ولا يسافر لأجله -كزيارة قبور المسلمين- ولا يسافر لأجله -كزيارة قبور المسلمين- للدعاء لهم والاستغفار. فإن هذا مستحب لمن خرج إلى المقبرة من البلد، ولمن اجتاز به، ولا يشرع السفر لذلك. فمالك وغيره نهوا عن السفر إلى المدينة أو إلى بيت المقدس لغير العبادة المشروعة في المسجدين، سواء كان المسافر يسافر لأمر غير مشروع بحال، أو لما هو مشروع للقريب، ولا يشرع السفر لأجله. وكذلك مذهب مالك: أنه لا يسافر إلى المدينة لشيء من ذلك. بل هذا السفر منهي عنه. والسفر المنهي عنه عنده لا تقصر فيه الصلاة. لكن بعض أصحابه -وهو محمد بن مسلم- استثنى مسجد قباء. وابن عبد البر جعل السفر مباحًا إلى غير الثلاثة المساجد، ولا يلزم بالنذر؛ لأنه ليس بقربة، كما يقول بعض أصحاب الشافعي وأحمد. وأما جمهور أصحاب مالك فعلى قوله: في أن السفر لغير المساجد الثلاثة محرم، لا يجوز أن يفعل، ولو نذره. فلا يستحب عند أحد منهم. وقال القاضي عياض: لا يباح السفر لغير المساجد الثلاثة، لا لناذر ولا لمتطوع. وقال أبو الوليد الباجي قبله: في السفر إلى مسجد قباء إنه منهي عنه. قال القاضي عبد الوهاب البغدادي المالكي في الفروق: فرق بين مسألتين: يلزم نذر المشي إلى البيت الحرام، ولا يلزم ذلك إلى المدينة ولا بيت المقدس. والكل مواضع يتقرب بإتيانها إلى الله. قال: والفرق بينهما: أن المشي إلى بيت الله طاعة تلزمه، والمدينة وبيت المقدس الصلاة في مسجدهما فقط، فلم يلزم نذر المشي لأنه لا طاعة فيه. ألا ترى أن من نذر الصلاة في مسجدهما لزمه ذلك، ولو نذر أن يأتي المسجد غير صلاة لم يلزمه أن يأتي؟! فقد صرح بأن المدينة وبيت المقدس لا طاعة في المشي إليهما، إنما الطاعة الصلاة في مسجدهما فقط، وأنه لو نذر أن يأتي المسجد غير صلاة لم يلزمه ذلك؛ بنا على أنه ليس بطاعة. هذا الذي ذكره -رحمه الله تعالى- ظاهر. وأشار -رحمه الله تعالى- في هذا الكلام إلى مجموعة من المسائل، من أهمها ما أشار من المقاصد الباطلة عند زوار القبور، ومن يشد الرحل إليها. فالكثير منهم -من العامة وغيرهم، إلا من رحم الله- لهم مقاصد تخالف الشريعة، إما شيء من الشرك، أو البدع. وأشار إلى قول من يقول بمسألة الفيض، وهو قول بعض الباطنية والفلاسفة. وكذلك استغاثات المشركين من عباد القبور وغيرهم. وأنه لا يخلو حال هؤلاء المفتونين بالقبور من أحد خصال ثلاث. ولهذا قال: «توجد فيهم الأنواع الثلاثة»، يعني التي ذكرت في الآية: من أن يطلب الشفاعة -وهي لا تطلب إلا من الله- وهم يطلبونها من أهل القبور. أو يتقرب بعبادته لأهل القبور إلى الله، وهو من الشرك؛ فالعبادة لا تكون إلا لله. أو كذلك أن يحبه حبًا كحب الله. يظهر ذلك في الأقوال والأفعال. وهذا كله موجود عند المفتونين بالقبور. فكيف يقرر الناس بعد ذلك على السفر إلى القبور؟! وأشار إلى مجموعة من الأحاديث سبقت جميعًا، ولفظ: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». لعله عندكم ذكر لفظ مسلم: الحديث 2383. وأما ما ذكر: «لا تسافر المرأة يومًا من الدهر». إنما هو لفظ مسلم: «يومين». «لا تسافر المرأة يومين من الدهر إلا ومعها زوجها أو ذو محرم منها». وجه الدلالة بهذا الحديث استدلاله على النهي، وهو مقرون بحديث أبي سعيد نفسه الذي فيه: «لا تشد الرحال»، «لا تشد الرحال» بالنهي. وذلك كذلك متضمن لمعنى النهي: «لا تشد الرحال». وأما ما أشار إليه من حديث: «أعلم من عالم المدينة»، «فلا يجدون أعلم من عالم المدينة»، الذي رواه الترمذي، فهو ضعيف. كما أشار. عندكم ذكروا شيخ الباني -رحمه الله- في الضعيفة في المجلد الخامس. ثم ما نقله -رحمه الله- عن الأئمة يبين عنهم أنهم كانوا يفرقون بين خلاف أهل العلم في قول من يقول: جائز. وبين من يقول: إنه يستحب أو يجب. وكما قال -رحمه الله-: قول أهل العلم من المتقدمين من الأئمة: المنع من السفر. وأن بعض المتأخرين أجاز السفر. لكن ما أحد قال -لا ممن تقدم ولا ممن تأخر- بأنه يستحب أو يجب السفر إلى قبور الأنبياء. حتى يزعم أن المؤلف -رحمه الله- معادي للأنبياء. وهنا كذلك لفتة من الشيخ -رحمه الله- في قوله: «والآثار التي هناك من آثار الأنبياء» إلى آخره. تنبيه: أن هذا من مقاصد زوار تلك القبور. فمقاصدهم هو التبرك بتلك الآثار، وهذا من البدع. وليس هذا من الشيخ -رحمه الله- إقرار لوجود قبور الأنبياء. فإنه قد أثبت في كتبه الأخرى أنه لا يعلم قبر نبي من الأنبياء إلا ما ثبت من قبر نبينا ﷺ. وقبور الأنبياء جميعًا مجهولة، ليس هناك دليل صحيح صريح يدل على أن أحدًا من الأنبياء معلوم قبره. لكن هذا من باب ما يعتقده العامة: أن العامة يظنون أن تلك البقاع فيها قبور أنبياء، فلأجل هذا هم يشدون الرحل لهذا المعنى الذي فيه شرك أو بدعة. فإذا كان الأمر على مثل هذه الحال، فالواجب التشديد. وهذا الذي جاء في الشرع، وهو من الحكمة التي لأجلها نهى النبي ﷺ عن السفر، كما في حديث أبي سعيد، وحديث أبي هريرة، وحديث أبي بصرة -من أبي بصرة- الذي أشار إليه -رحمه الله-. قال: فتبين أن من أتى مسجد الرسول لغير الصلاة، أنه ليس بطاعة، ولا يلزم بالنذر. وتبين أن السفر إليه وإتيانه لأجل القبر، ليس بطاعة، كما ذكر ذلك مالك وسائر أصحابه. ولا يرد على هذا الاعتكاف؛ فإن المعتكف عنده لا بد أن يصلي. وكذلك من دخله لتعلم العلم أو تعليمه، فإنه يصلي فيه أولًا. والمقصود أن هذه المسائل مذكورة في المختصرات. كره أبو القاسم ابن الجلاب في التفريع. قال: ومن قال: «علي المشي إلى المدينة أو بيت المقدس»، فإن أراد الصلاة في مسجديهما، لزمه إتيانهما راكبًا، والصلاة فيهما. وإن لم ينو ذلك، فلا شيء عليه. ولو قال: «لله علي المشي إلى مسجد المدينة أو مسجد بيت المقدس»، لزمه إتيانهما راكبًا، والصلاة فيهما. وإن نذر السفر إلى مسجد سوى المسجد الحرام، أو مسجد المدينة، أو مسجد بيت المقدس، فإن كان قريبًا لا يحتاج إلى راحلة، مضى إليه وصلى فيه. وإن كان بعيدًا لا ينال إلا براحلة، صلى في مكانه، ولا شيء عليه. وهذا الفرق الذي ذكره ابن الجلاب في سائر المسارد من القريب والبعيد، ذكره قبله محمد بن المواز في الموازية، وغيره. قال: أما السفر إلى المدينتين -مدينة الرسول ﷺ وبيت المقدس- لغير الصلاة في المسجدين، فإنه لا يستحب عند أحد منهم. بل جمهورهم نهوا عنه، وحرموه؛ موافقة لمالك لنهي النبي ﷺ: «أن تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». وقد ذكر ذلك ابن بشير في التنبيه، والقيرواني في تقريبه، وغيرهما من أصحاب مالك. فهذا نص مالك الإمام وأصحابه: على أن من نذر إتيان المدينة لغير الصلاة في مسجدها، ولو أنه لزيارة أهل البقيع، وشهداء أحد، وزيارة قبر النبي ﷺ، فإنه لا يأتيها، ولا يوفي بنذره. بل السفر لذلك منهي عنه؛ لقوله: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد». بل السفر إلى ما يظن أنه زيارة لقبر النبي ﷺ، وليس بزيارة لقبره، أولى بالنهي عن السفر لزيارة قبور أهل البقيع، وشهداء أحد، ومسجد قباء. وهذه الأماكن يستحب لأهل المدينة إتيانها، وإن لم يقدموا من سفر، اقتداء بالنبي ﷺ؛ حيث كان يخرج إلى القبور يدعو لهم، وكان يأتي قباء كل سبت راكبًا وماشيًا. وهذا كذلك ظاهر، وهو يؤكد ما سبق بهذه النقولات عن الإمة، ويدل كذلك على القوة العلمية التي كانت في زمانهم -رحمهم الله- على شدة الحال، وصعوبة النسخ، وغير ذلك. ومع ذلك مثل هذه الكتب كانت متوفرة متيسرة. ويدلك على سعة اطلاع هذا الإمام -رحمه الله تعالى- وأكثر هذه الكتب اليوم في عداد المفقود. وباقي الكلام ظاهر. الله تعالى لن نتفي بهذا. اشتركا.