شرح مختصر السيرة 29

شرح مختصر السيرة 29

الدرس في شرح مختصر السيرة 29، الدرس التاسع والعشرون : وفيه : ( الهجرة الأولى إلى الحبشة ... وازدادوا شدة على من أسلم ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أذية المشركين للنبي والهجرة الأولى

تحدث عن أذية المشركين للنبي صلى الله عليه وسلم والهجرة الأولى إلى الحبشة بسبب اشتداد العذاب. وأشار إلى بعض المصادر التي ذكرت هذه الأحداث.

تفاصيل الهجرة الأولى وقصة سجود المشركين

تناول تفاصيل الهجرة الأولى إلى الحبشة وهروب المسلمين من اضطهاد قريش، وقصة سجود المشركين مع النبي صلى الله عليه وسلم عند قراءة سورة النجم.

خلاف أهل العلم حول قصة الغرانيق

ناقش خلاف أهل العلم في صحة قصة الغرانيق واستعرض آراء الفريقين المؤيد والمعارض مع الأدلة والمراسيل المختلفة.

ختام الدرس وتأجيل التفاصيل

اختتم الدرس الحالي مؤكدًا على تأجيل بعض التفاصيل لدرس قادم، وشكر الله على توفيقه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي شيئًا مما ذكره الشيخ الإسلام محمد بن عبد الرحيم، رحمه الله تعالى، في مقتصر السيرة، من استجزاء المشركين بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكان آخر ما وقفنا عليه هو ما وقع من قصة أبي جهل حين أراد أن يؤذي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأراد أن يطأ على رأسه وهو يصلي، فنزل قول الله عز وجل: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾. ومر معنا أنه في صحيح مسلم. وهكذا أيضًا جاء معنا في صحيح البخاري، مقتصرًا عن عبد الله بن عباس. وأصل القصة فيما ذكره المؤلف، رحمه الله، بهذه الطرق عند أحمد والنسائي والبيهقي وابن أبي حاتم بالتفسير، عن ابن عباس. وأشار إلى صحته شيخنا مقبل، رحمه الله، في «الصحيح المسند من أسباب النزول». وهكذا أيضًا من أذية المشركين للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وستهزائهم به، ما وقع ومر معنا من قصة أبي لهب، وهكذا أيضًا امرأته التي كانت تؤذي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كذلك بالسب والشتم. ويذكر فيما روي عنها من شعرها أنها كانت تقول: «مذممًا أبينا ودينه قلينا وأمره عصينا»، تردد ذلك كما رواه الحاكم والبخاري بإسناد حسن. وهكذا أيضًا في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا تعجبون إلى هؤلاء؟ يعني أنهم إذا سبوا النبي عليه الصلاة والسلام لا يسمونه باسمه، بل يقولون مذممًا». قال: «وإني إنما أنا محمد ولست بمذمم»، يعني صرف الله السب عنه عليه الصلاة والسلام بما كان من تسميتهم له بغير اسمه. وهكذا من أذية المشركين للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما رواه ابن أبي شيبة بإسناد حسن، قال عروة بن الزبير: سألت عبد الله بن عمر يعني ابن العاص، فقلت: أخبرني بأشَدِّ ما صنع المشركون بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فذكر عبد الله بن عمر قصة عقبة بن أبي معيط الذي تب على النبي عليه الصلاة والسلام ولوى عليه ثوبه على عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا حتى كاد أن يقتله عليه الصلاة والسلام. فأقبل أبو بكر ودفعه، فقال: «أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله». وهذا كذلك من ذلك ما جاء أن المشركين اجتمعوا كما رواه أحمد والحاكم بإسناد صحيح، كما قال الشيخ أحمد شاكر، رحمه الله: أنهم اجتمعوا وتمالأوا على قتل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الحجر، وعلى أن يقتلوه من قبائل متفرقة حتى يغرق دمه، فلا تستطيع عشيرته أن تأخذ بالثأر. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما جاء حديث ابن عباس: أن فاطمة أتت إليه فأخبرته وهي تبكي. فتوضأ، ودعا بالوضوء، فتوضأ عليه الصلاة والسلام، ثم أتى إليهم وهم على ذات المجلس، فنفث فيهم التراب، فقال: «ألا شهد الوجوه». قال ابن عباس: فما من رجل أصابته من حصباء ذات التراب إلا وقتل يوم بدر. وأثبت ذلك من أذيتهم له وشدة بلائهم عليه ما رواه الحاكم وأحمد كذلك بسند صحيح، عن عبد الله بن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أذيت في الله وما يؤذى أحد»، يعني إلا أن يشاء الله، إلا أن يأذن الله. قال: «ولقد أكِل عليَّ ثلاثون من بين يوم وليلة»، يعني شهر كامل، «وما لي ولا لبلال أدنى كبد إلا شيء يواريه إبط بلال»، يعني ما لنا شيء مما يأكله الإنسان إلا شيء يواريه إبط بلال، ما لعسى أن يواري إبط بلال، ما سيواري شيء يكفي يوم. فكيف وهو صار طعامه عليه الصلاة والسلام وطعام بلال شهرًا كاملًا، مع ما ذكره عليه الصلاة والسلام من الإخافة والأذية مما سبق ذكره، يعلم بعض ذلك. ثم قال المؤلف، رحمه الله تعالى: الهجرة الأولى إلى الحبشة. قالوا: في السنة الخامسة، أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أصحابه بالهجرة إلى الحبشة لما اشتد عليهم العذاب والأذى. وهذا الخبر الذي ذكره، رحمه الله تعالى، ذكر معناه ابن إسحاق في سيرته بإسناد حسن لغيره. وهكذا أيضًا ذكر معناه الطبراني في «الكبير» من مجلد السابع، عند حديث ثمانية آلاف ومائتين وسبعة وثلاثين، من طريق ابن لهيعة. وابن لهيعة فيه ضعف. وهكذا أيضًا شيخه محمد بن عمر بن قيس الحراني في هذا الإسناد. قال الشيخ الألباني، رحمه الله: لم أجد له ترجمة، كما ذكر ذلك في «الصحيحة» في ذكر حديث في سياق ذلكم الحديث وسنده. هذا الرجل محمد بن عمر بن قيس الحراني، قال: لم أجد له ترجمة. ولكن ذكره الذهبي، رحمه الله، في «التاريخ الكبير» مجلد الخامس، وذكر من مشايخه وتلامذته ما يدل أنه من الرواة المعروفين. وقد روى عنه راويان وأكثر، وهو يروي كثيرًا عن شيخه الذي هو أبوه عمر بن قيس الحراني، الذي روى له البخاري، رحمه الله، في «التاريخ». الشاهد أن الحديث في مرتبة الشواهد والمتابعات، فهو بمجموعه التحسين. وأصل القصة مشهورة، جاء معناها في الصحيحين وغيرها، يعني الهجرة الأولى إلى الحبشة. قال، رحمه الله تعالى: لما اشتد عليهم العذاب والأذى. وقال: «إن فيها رجلًا لا يظلم الناس عنده». وهذه الجملة جاءت في سند ابن إسحاق، فقلنا: إسنادها حسن لغيره. قال: وكانت الحبشة متجر قريش، يعني مكان يذهب إليه أهل قريش يتاجرون منها، يأتون بالبضائع. قال: وكان أهل هذه الهجرة الأولى اثني عشر رجلًا وأربع نسوة، هكذا جاء. وجاء إحدى عشر رجلًا، وجاء عشر، فالأمر في هذا لعله بحسب علم بعض الرواة. قال: وكان أول من هاجر إليها عثمان بن عفان، رضي الله عنه. وكما مر معنا عثمان من بني أمية، لأجل أن نعلم كيف أن الإسلام دخل في قبائل متفرقة في العرب. وهكذا أيضًا ممن هاجر عثمان بن مظعون، وهو من جمح. قال: ومعه زوجته خولة بنت حكيم، وستر قوم إسلامهم، يعني خرجوا معهم قوم ممن ستر إسلامه، خصوصًا من المستضعفين الذين استضعفوا في قومهم. قال: وممن خرج الزبير، يعني الزبير بن العوام، وخرج شابًا صغيرًا في أقل من خمس عشرة سنة، وهو من بني أسد. قال: عبد الرحمن بن عوف، وهو من بني زهرة، كما مر معنا. قال: وابن مسعود، وهو من هذيل. قال: وأبو سلمة وامرأته، وأبو سلمة هو ابن عبد الأسد، وامرأته هي أم سلمة، قال: رضي الله عنهم. خرجوا متسللين. وهذا لجماعة آخرين منهم أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وامرأته سهلة بنت سهيل. ومنهم أبو سبرة بن أبي رهم، ومعه أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو. وهكذا منهم سهيل بن بيضاء، ومنهم مصعب بن عمير، أخو بني عبد الدار. ومنهم عامر بن ربيعة، فهؤلاء بعض من خرج في تلك الهجرة الأولى. قال: فوفق الله لهم ساعة وصولهم إلى الساحل سفينتين للتجار، فحملوهم إلى الحبشة. وخرجت قريش في آثارهم، وقد ساروا بالبر إلى جدة. وكان خروجهم من مكة. قال: وخرجت قريش في آثارهم حتى جاءوا البحر، فلم يدركوا منهم أحدًا، يعني لم يدركوا أحدًا من هؤلاء الذين خرجوا. قال: وكان خروجهم في رجب، هكذا ذكر أكثره للسير، وهو في إسناد ابن إسحاق. قال: فأقاموا بالحبشة شعبان ورمضان، ثم رجعوا إلى مكة في شوال، لما بلغهم أن قريشًا صافوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكفوا عنه. ومعنى صافوا: يعني حصل بينهم الصفاء، وانتهت الأذية والابتلاء. قال: وكان سبب ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قرأ سورة النجم، فلما بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾. قال: ألقى الشيطان على لسانه: «تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهم لترتجى». فقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم. ولقد علمنا أن الله يخلق ويرزق ويحيي ويميت، ولكن آلهتنا تشفع عنده. ولما بلغ السجدة سجد، وسجد معه المسلمون والمشركون كلهم، إلا شيخًا من قريش رفع إلى جبته كفًا من حصى، فسجد عليه، يعني كان متكبرًا. قال: وقال: يكفيني هذا. فحزن النبي صلى الله عليه وسلم حزنًا شديدًا، وخاف من الله خوفًا عظيمًا. فأنزل الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾. قال: ولما استمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، طيب أولًا هذه القصة، أصلها صحيح، لكن بدون هذه الزيادة، وهي: «تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهم لترتجى»، هذا هو الصحيح. فقد روى قصة سجود المسلمين والمشركين والجن والإنس، الترمذي بإسناد صحيح، وصححه شيخنا العلامة الألباني، رحمه الله، بصحيح الترمذي، حديث رقم خمسمائة وخمسة وسبعين، عن ابن عباس، قال: سجد النبي صلى الله عليه وسلم، يعني لما قرأ سورة النجم. قال: «والمسلمون والمشركون والإنس والجن». وهذا يحمل أن سجود المشركين كان لتأثرهم بهذا القرآن، فسورة النجم سورة مؤثرة، أثرت عليهم. فلما بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ الآيات، فهي آيات تأخذ بالقلوب، كما قال أحد أولئك المشركين حين سمع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقرأ بها في صلاة المغرب، قال: «كاد قلبي أن يطير»، يعني أخذت بمآخذ قلبه هذه الآيات التي سمعها من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلا مانع أن يكون سجود المشركين مع النبي عليه الصلاة والسلام والمسلمين، كان بسبب تأثرهم بهذه السورة، وشد انتباه لما فيها من معاني أخذت بمجامع القلوب. وأما هذه الزيادة، فقد اختلف أهل العلم بصحتها. المؤلف كما نرى يرى صحتها، صحة هذه الزيادة. والناس في هذه الزيادة على ثلاثة مذاهب. <فقرة جديدة> المذهب الأول: من ذهب إلى صحة هذه القصة. ومن هؤلاء الحافظ ابن حجر، وابن بطال، وجماعة. ومنهم المؤلف، رحمه الله تعالى. وأن الشيطان ألقى على لسان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فتلفظ النبي عليه الصلاة والسلام بهذه الكلمات: «تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهم لترتجى». واستدلوا على ذلك بمراسيل جاءت عن سعيد بن جبير، وأبي العالية، وأبي بكر بن عبد الرحمن. وجاء كذلك من حديث عبد الله بن عباس، فيما رواه ابن مردويه، وهكذا أيضًا غيره. ولكن هذه المراسيل بين ضعيف وبين صحيح، لا يصح الاحتجاج به، لوجود هذا المعنى الفاسد. وكذلك ما جاء عن ابن عباس، هو ضعيف؛ لأنه من طريق التليث عن أبي صالح، عن ابن عباس، وهذا إسناد ضعيف، كما مر معنا وتكرر من أضعف الأسانيد للتفسير، عن ابن عباس. فهؤلاء الذين صححوا هذه القصة، وبهذا اللفظ، أن الشيطان ألقى على لسان النبي عليه الصلاة والسلام هذه الكلمات، ذهبوا يتأولون هذه اللفظة الشنيعة التي ظاهرها الإقرار للشرك. أن اللفظ كان لفظ الشرك؛ لأن الغرانيق المراد فيها الأصنام. وأصل الغرانيق هو الشيء اللين الجميل. ومنه نبات ناعم جميل مستطيل رقيق، يقال له غرنوق. ومنه الطائر طائر الماء الأبيض الصغير. ومنه كذلك يطلق على الغزل الناعم. ومنه يطلق على الشاب الصغير الأبيض الناعم، ونحو ذلك. فالمراد بالغرانيق الأصنام الجميلة الناعمة، هكذا فسرها، كما فسره ابن الأثير وغيره. فهذه الكلمات فيها إقرار الشرك، وهذا مما لا يجوز، وهذا مما لا يخفى. فلذلك تأول هؤلاء هذه الألفاظ، كما ذكر الحافظ ابن حجر، إلى معاني أخرى، يعني يريدون أن يقولوا: أن هذا اللفظ ليس على ظاهره، معناه كذا وكذا من المعنى الصحيح، وهو متكلف. <فقرة جديدة> والقول الثاني: الذين قالوا: أن هذه القصة صحيحة، لكن ليست بهذا اللفظ، وإنما ألقى الشيطان على أسماع المشركين، ولم يتلفظ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بهذه الألفاظ. وإنما ألقي على أسماع المشركين. واستدلوا على ذلك، وممن ذهب إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، في عدد من كتبه، منها ما في «مجموع الفتاوى»، وفي «الفتاوى المصرية» كذلك. واستدل بما جاء ببعض تلك الآثار الصحيحة، منها مرسل أبي العالية. ففيه: أنه يقول: «وسمع ذلك المشركون، ولم يسمعه المسلمون». ألقى الشيطان على أسماعهم، يعني أسماع المشركين، هذه الكلمات، فسمعها المشركون، ولم يسمعها المسلمون. فسجدوا مع المسلمين، حتى تعجب المسلمون من سجود المشركين. تعجب المسلمون من سجود المشركين. ورجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، استنادًا لما جاء في بعض تلك المراسيل الصحيحة، كما قلنا. وتصحيح المراسيل بعضها ببعض، مما ذهب إليه بعض أهل العلم. والآثار المروية والمراسيل كثيرة في هذه القصة. وذهب قوم آخرون إلى أن هذه القصة لا تصح البتة، لا أنها من لسان النبي عليه الصلاة والسلام، ولا أنها كذلك مما ألقي في أسماع المشركين. وذلك لِبطْلان هذا المعنى التي في هذه الألفاظ، وأن الشيطان لو تمكن من ذلك، لكان هذا من المعارضة للقرآن، وهذا مما لا يعرف له نظير بالشرع. ثم ضعفوا تلك الآثار المروية. وممن ذهب إلى ذلك أبو بكر بن العربي، والقاضي عياض، وابن خزيمة، وجماعة. وألف الشيخ العلامة الألباني، رحمه الله تعالى، رسالة سماها: «نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق»، وهي رسالة على صغر حجمها، نافعة مفيدة، فيها الرواية والدراية في هذه القصة، وبيان ضعفها من جهة السند، ومن جهة المتن. وبه نعرف أن أحوط هذه الأقوال هو القول الثالث، وهو القول الثالث. وإن كان القول الثاني محتملًا؛ لأن بعض هذه الآثار المروية من المراسيل الصحيحة، لكن هذه المراسيل، ولو كانت إسنادها صحيح، ويمكن أن تصحح على المعنى الثاني الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله، إلا أنها موهمة لمعنى فاسد. ومما استقر عند أهل الحديث: أن الحديث لا يضعف فقط بالسند، بل يضعف بالمتن كذلك، يضعف كذلك بالمتن إذا عارض النصوص الصحيحة، وما هو مستقر في عمومات الشريعة. ولهذا جاءت فتوى اللجنة الدائمة عن هذه القصة، فأثبتت بأن هذه القصة لم تصح. ونقلوا كلام العلماء الذين ضعفوا هذه القصة، منهم ابن كثير، وأنه قال: «كلها مراسيل ومنقطعات». ومنهم ابن خزيمة، وأنه قال: «هذه القصة من وضع الزنادقة». ومنهم ابن العربي، والقاضي عياض، وما ذكروا من المعاني الباطلة، كما هو مقرر عندكم كذلك في التعليق. فالخلاصة: أن هذه القصة الأحوط والأصح أنها لم تصح بهذه الزيادة، ولكنها صحيحة، أي سجود المسلمين والمشركين بدون هذه الزيادة، كما رواه الترمذي بإسناد صحيح، عن عبد الله بن عباس. ثم قال: ولما استمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على سب آلهتهم، ومر معنى أن معنى سب: أي ذم الشرك التي فيها. قال: عاد إلى شر ما كان عليه، وازداد شدة على من أسلم. وسأتي إن شاء الله ذكر بعض ذلك في درس لاحق. وإلى هنا، والحمد لله رب العالمين.