شرح كتاب الطهارة 41

شرح كتاب الطهارة 41

الدرس في شرح كتاب الطهارة 41، الدرس الحادي والأربعين ( باب الغسل ... ويغتسل بصاع فإن أسبغ بأقل جاز ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

موجبات الغسل في الإسلام

يتناول موجبات الغسل الستة، مع التركيز على خروج المني والتقاء الختانين كسببين رئيسيين للغسل. يشرح الشروط والضوابط المتعلقة بخروج المني ووجوب الغسل، مع الاستدلال بالأحاديث النبوية.

أحكام وموجبات الغسل الشرعية

يشرح موجبات الغسل الشرعية مثل التقاء الختانين، إسلام الكافر، موت غير الشهيد، الحيض والنفاس، وغسل الجمعة. كما يتناول أحكام وضوابط هذه الموجبات.

أحكام الغسل وآثاره على العبادات

يتناول تحريم الصلاة على من لم يغتسل لعدم الطهارة من الحدث الأكبر. كما يناقش آراء العلماء في مس المصحف وقراءة القرآن للجنب والحائض، واستحباب الطهارة لذكر الله تعالى.

صفة الغسل المستحبة كما في السنة

يشرح صفة الغسل المستحبة كما جاءت في الأحاديث النبوية، مشيرًا إلى أهمية المحافظة على صفة العبادة كما وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

يسروا إخوانكم في دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم شرح كتاب الطهارة للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- شرح فضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الحادي والأربعين. السلام عليكم وراءه بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- في كتاب الطهارة: قال: بابه الغسل. ويقال: الغسل، فالغسل الفعل، ويطلق الغسل على الماء المغسول به. وقوله: باب الغسل، أي: هذا مدخل في معرفة إحكام الغسل، فالباب لغة: ما يدخل منه ويخرج. قال -رحمه الله تعالى-: وموجباته ستة. أحدها: خروج المني من مخرجه دفقًا بلدة من الرجل والمرأة، لحديث أم سليم: «هل على المرأة من غسل إن هي احتلمت؟» الحديث متفق عليه. ولا بد أنهما من غير نائم، لحديث علي -يرفعه-: «إذا فضحت الماء فاغتسل، أو إذا فضحت الماء فاغتسل، وإن لم تكن فاضحًا فلا تغتسل» رواه أحمد. وإن أفاق نائم أو نحوه يمكن بلوغه فوجد بللًا، فإن تحقق أنه مني اغتسل له. قال في الاختيارات: وإذا وجب الغسل بانتقال المني فالقياس وجوبه بانتقال الحيض، انتهى. هذا هو الموجب الأول من موجبات الغسل، يعني: ما يجب به الغسل خروج المني. والمني هو ماء الرجل أو المرأة الذي يخرج مصاحبًا للذة وشهوة. وشرط -رحمه الله- أن يكون من مخرجه، فإذا أخرج من غير مخرجه -مثل أن يخرج لأجل الفحوصات الطبية أو غير ذلك- كان يخرج من الصفن، أي: كيس الرجل، أو كذلك من موضع المرأة، فإنه لا يوجب الغسل. أو خرج كذلك على الصحيح بغير تفخيخ، مثل الذي عنده مرض السيلان ونحوه، فمثل هذا لا يوجب الغسل. وهل يوجب الوضوء؟ في هذا خلاف، والصحيح: نعم. وذكر حديث أم سليم في الصحيحين؛ ليستدل به على أن المرأة كذلك لها ماء، كما أن للرجل ماء. فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أجاب بأن على المرأة الغسل إذا هي احتلمت. فلما سئل بهذا السؤال، قال: «نعم، إذا رأت الماء». فالعبرة في خروج الماء، ولو لم يتذكر أنه خرج بلدة؛ لأنه قد يخرج مع النوم، قد يخرج مع النوم. على الصحيح: أنه يثبت به الحكم. وقوله: لا بد، يعني: لا بد أن يكون خرج من مخرجه وبلدة من الرجل، المراد به: شهوة. وهذا إذا كان في غير النوم، ولهذا قال: وأنهما من غير نائم. أما النائم -كما ذكر في التعليق- يكتفى في حقه بالوجود، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في سؤال أم عطية: «هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟» والاحتلام يكون في النوم، والاحتلام في الرجال كثير، وفي النساء قليل. فإذا أفتى النبي -صلى الله عليه وسلم- النساء إذا رأت الماء أنها تغتسل، فكذلك الرجال من باب أولى. وأما في حال النوم، فيكتفى فيه بالوجود؛ لهذا الحديث، حديث أم سليم، قال: «نعم، إذا رأت الماء». بخلاف في حال الصحو؛ فإنه لا بد أن يكون بتدفق وبلدة؛ لماذا؟ لأنه قد يخرج لمرض، مثل أن يخرج سيلان، سواء شعر من خرج منه أو لم يشعر. ما دام أنه ليس بلدة ولا بتدفق؛ لأنه ليس له سبب ظاهر، فهو مرض، والصحيح: أنه لا يوجب الغسل. قال -رحمه الله-: لحديث علي -يرفعه-: «إذا فضحت الماء فاغتسل، وإن لم تكن فاضحًا فلا تغتسل». والحديث فيه ضعف، وفي رواية: «فحدفت». والمقصود: حصل بذلك القذف والتدفق، معناه صحيح، وفي إسناده ضعف. وقوله: إن أفاق نائم أو نحوه يمكن بلوغه فوجد بللًا. وقوله: يمكن بلوغه، يعني: سنه سن البلوغ؛ لأنه قد يحصل للإنسان أول مرة -مثل من يبلغ أول مرة- قد يعرف البلوغ بوجود البلل مع النوم، فيعلم أن هذا البلل هو الاحتلام، وأنه يجب عليه أن يغتسل؛ لأنه قد تكون الرطوبة لغير مني -مثل: مثل وقت الحر- أو كذلك قد يكون نام وهو حشران، فنزل شيء من البول أو نحو ذلك. فلابد أن يتأكد من أن هذا البلل هو المني المعروف بصفاته. وذكر العلماء للمني صفات -سواء الرجل أو المرأة- فمن صفاته: أنه له رائحة معروفة، يعرفها الرجل وتعرفها المرأة، أشبه ما يكون ماء الرجل برائحة طلح النخل، وطلح النخل هو اللقاح الذي يلقح به إناث زهر إناث النخل من ذكور إناث النخل، فهذا الطلح له رائحة معروفة. وكذلك ماء الرجل، وماء المرأة غالبًا لا تكون له هذه الرائحة، ولكن له رائحة تعرفه النساء، وقد يكون بغير رائحة؛ لأنه يكون أخف وأقل. ومن صفاته الأخرى: تختلف من إنسان إلى آخر، من ذلك: للرجل غلظه وتدفقه، وكونه ينزل بلدة أو شهوة. والمرأة عندها بعض هذه الصفات، إلا أن صفات اللون والغلظ يختلف بحسب النساء. وقوله: فإن تحقق أنه مني اغتسل؛ لما تقدم. قال في الاختيارات -يعني: شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: وإذا وجب الغسل بانتقال المني فالقياس وجوبه بانتقال الحيض، انتهى. والمعنى: أنه لا يصح القول بوجوب الغسل بانتقال المني، يعني: أن المني يتحرك من مكانه إلى طرف قلم الرجل، فيشعر الرجل أن شيئًا يجري في بضعه، ولكنه لم يخرج، ولكنه لم يخرج، فهل هذا الانتقال والتحرك يوجب الغسل؟ الصحيح: لا؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- علق الحكم بإيش؟ بالوجود. علق الحكم بالوجود، هذا من جهة الدليل، ومن جهة التعليل: أن الإسلام كذلك علق حكم حيض المرأة بالوجود، وليس بالانتقال. ففي حديث أبي سعيد -ومعناه جاء عن غيره-: «أليس إذا رأت الدم لم تصلي؟». علق حكم الحيض برؤية الدم، لا بانتقال وتحرك الدم. المرأة قد تشعر بتحرك الدم وانتقال، تحس في شيء، فإذا فتشت ما وجدت شيئًا، فهنا تبقى على أصلها تصلي. فالانتقال في حق الحائض لا يثبت به حكم الحيض، وكذلك على الصحيح في الإنزال للمني لا يثبت بالتحرك والانتقال، ولكن بالخروج والوجود. والشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع، ويلحق المتناظرات والمتشابهات بعضها ببعض. فإذا من جهة الدليل والتعليل والقياس الصحيح: أنه لا يثبت الحكم بالانتقال ما لم يخرج، فيكون موجودًا. قال -رحمه الله-: الثاني: التقاء الختانين، وهو تغييب الحشفة في الفرج، وإن عرى من الإنزال؛ لحديث: «إذا جلس بين شعابها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل» رواه مسلم. هذا له مسلم، وله ألفاظ، بعضها في الصحيحين. والمراد بالمس والالتقاء -كما جاء في بعض الروايات الأخرى- هو تغييب رأس القلم، أي: الحشفة بالنسبة للرجل، أن يغيب في بضع المرأة. فإذا مس من الخارج دون أي شيء من الإيلاج، فالصحيح: أن هذا لا يثبت به الغسل، لا يثبت به الغسل. ولهذا قال -عليه الصلاة والسلام- مؤكدًا ذلك: «إذا جلس بين شعابها الأربع» ومعناه: حصل الإيلاج. فإذا من شرط وجوب الغسل في التقاء الختانين هو حصول الإيلاج، وليس من شرطه كاملًا، ولكن فقط تغييب المقدمة، وليس من شرطه الإنزال؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يشترط الإنزال. وهذا الغسل في هذين الموضعين له معنى تعبدي لله -عز وجل- وهو تحصل به الطهارة الكبرى. وله معنى حسي: وهو ما ينتفع به المغتسل من النشاط، وكذلك الأمور الجسدية والنفسية التي تتغير بالاغتسال. فإن الإنسان إذا فعل هذا الفعل يحتاج إلى الغسل؛ لإزالة آثار هذا الفعل، سواء أكان من جهده وما يبدله، فإنه قد يصاحب شيء من العرق أو الروائح أو غير ذلك، فيحتاج أن يغتسل. وكذلك من الناحية النفسية؛ فإن الغسل يكون سببًا في إراحته وإصلاح حاله. ولهذا سيأتي معنا في مواضع الاستحباب: أنه يستحب لمن أراد أن يعاود أن يغتسل؛ ليكون أدعى لتنشيطه وإصلاح حاله. قال -رحمه الله-: الثالث: إسلام الكافر، أصليًا كان أو مرتدًا؛ لحديث قيس بن عاصم، رواه أحمد والترمذي، وهو حديث حسن، حسنه جماعة من أهل العلم، أمره النبي -صلى الله عليه وسلم- حين أسلم أن يغتسل. وجاء معناه عن عدد من الصحابة موقوفًا صحيحًا، ومرفوعًا فيه ضعف، يحسنه بعض أهل العلم. فالحكم ثابت. وتقدم معنى الكلام على هذا: أن من معاني الطهارة معاني معنوية. فالكافر يغتسل لأمور حسية ومعنوية، الحسية: بقايا الجنابة والنجاسة التي تبقى في الغالب على الكافر، فيطهرها بالغسل. والمعنوية: بقايا الكفر، فإنها تزيلها هذه الطهارة بالغسل. قال -رحمه الله-: الرابع: موت غير شهيد في المعركة. موت غير شهيد، يعني: الميت يغسل، لكن الشهيد لا يغسل إذا مات في المعركة. يريد أن يفرق بين الشهيد الذي سمي في الشرع شهيدًا -كالمهدوم والغريق والمبطون- ومن كان بمعنى: فهذا له حكم الشهادة في الآخرة -إن شاء الله- وليس له حكم الشهادة في الدنيا. ففي الدنيا يغسل ويصلى عليه. أما الشهيد في المعركة -الذي قاتل لتكون كلمة الله هي العليا- فهذا على الصحيح لا يغسل. واختلف في الصلاة، وسيأتي الكلام عليه في موضعه -إن شاء الله-. وأما غير الشهيد في المعركة؛ فإنه يصلى عليه كما تقدم، ويغسل. فالكلام الآن على الغسل. وقد ثبت ذلك في حديث أم عطية، لما مات ابنتها -رضي الله عنها وعرضاها- قال: «اغسلنها، اغسلنها ثلاثًا أو أربعًا، وثرًا، واجعلوا آخرهن بكافور أو شيء من كافور». يعني: الغسل الأخيرة تكون معها رائحة طيبة. وهكذا قال في حق المحرم: أمر بتغسيله، وأن يكفن بإحرامه، غير أنه لا يغطى وجهه ولا يخمر. فدل على أن الميت يغسل، وهذا الواجب على من يقوم على هذا الميت، فهو من فروض الكفايات. قال -رحمه الله-: الخامس: الحيض. الحيض من موجبات الغسل، فالمرأة إذا طهرت من الحيض اغتسلت، ويجب عليها أن تفعل هذا الغسل حتى تحصل الطهارة. والمراد بالحيض: الحيض الشرعي، بوصفه الذي جاء في أدلة الشرع. ويعرف دم الحيض بعدة صفات، من هذه الصفات: أن له رائحة تعرفه النساء. ومن هذه الصفات: أن لونه يكون أسودًا أحمر يميل إلى السواد. ومن هذه الصفات: أنه يكون ثخيلًا غير رقيق، بخلاف دم الجسد أو دم الاستحاضة. ومن هذه الصفات: أنه يتأخر في التخثر، بخلاف دم الجسد أو دم الاستحاضة. ومن هذه الصفات: أن المرأة تشعر به يخرج من الجوف، وهي هذه الحركة التي سبق الكلام عليها. فالمرأة تشعر أنه يخرج من جوفها، بخلاف الاستحاضة؛ فإنه يخرج من الطرف. فهذه بعض الصفات التي ذكرها أهل العلم للتمييز بين دم الحيض ودم الاستحاضة. قال -رحمه الله-: السادس: النفاس، ولا اختلاف في وجوب الغسل منهما. قاله في المغني، يعني: نقل فيه الاتفاق، وبعضهم نقل الإجماع. قال الشيخ تقي الدين -يعني: ابن تيمية -رحمه الله-: ويجب غسل الجمعة على من به عرق يتأذى به الناس. يعني: السابع: غسل الجمعة لمن به عرق يتأذى به الناس. أما النفاس؛ فلما تقدم في الحيض يلحق به على التفاصيل المعروفة في أحكام النفاس. وأما غسل الجمعة؛ ففيه خلاف بين أهل العلم، والصحيح من أقوال أهل العلم: أن من حضر الجمعة فليغتسل. ويتأكد هذا الغسل وجوبًا إذا كان صاحبه عنده رائحة تؤذي المصلين؛ لما جاء في الصحيحين من حديث عائشة -رضي الله عنها-: أن رجلين جاءا من قباء -وفي الرواية: من أطراف المدينة- من المزرعة؛ ليدركا الجمعة مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فبقيت فيهما رائحة العمل والعرق مما بقي من أثر عملهما في المزرعة. فلما رآهما النبي -صلى الله عليه وسلم- أمرهما بالغسل. فقالت عائشة -معنى كلامها-: أنه من أجل ما وجد من حالهما. فاستدل العلماء بهذا الحديث والنظائر: أنه يتأكد هذا الوجوب -كما ذكر شيخ الإسلام ها هنا- في حق من به رائحة تؤذي الناس. ولهذا قال جمهور أهل العلم: أنه يستحب لمن حضر الجمعة أن يغتسل؛ لأجل أن يتأكد الحكم: أن من حضر لا يؤذي الناس بأي روائح. من باب التأكيد. ومن علم من نفسه أنه به رائحة؛ فيتأكد عليه أن يغتسل؛ لأجل أن لا يؤذي المصلين. وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بن آدم». فمن أكل ثومًا أو بصلا فلا يقربن مصلانا. قاس عليه العلماء كل رائحة كريهة تؤذي المصلين -سواء أكان بسبب العرق- أو كان بسبب أكل شيء من الأكل الذي فيه رائحة -كالثوم أو البصل أو نحوه- أو كان كذلك بسبب شيء في ثيابه أو جسده أو خلقته. طيب إذا كان في خلقته يعالج نفسه، أو يفعل شيء يخفف الرائحة -مثل الأبخر- صاحب رائحة البخر التي تخرج من الفم أو من المعدة. فعليه أن يعالج ذلك، ولو بتخفيف الرائحة -مثلا: يتغرغر بالماء والملح- فمن أسباب البخر -كما ذكر أهل العلم وأهل الطب كذلك- ما يعلق في الحلق من أوساخ. فإن من الناس من عنده نتوءات وفراغات في حلقه تتجمع فيه بعض الأوساخ، فيحتاج أن يتغرغر، ويكرر ذلك بالماء والملح والخل؛ حتى تزول هذه الأوساخ التي اجتمعت في هذه الفراغات. أو كذلك به مرض يعالج هذا المرض، أو من معدته فيأكل شيئًا يمضغه أو يشربه يزيل هذه الرائحة -مثل أن يمضغ اللبان- أو يمضغ كذلك القرنفل أو الهيل أو ما كان بمعناه مما له رائحة طيبة؛ حتى تزول الرائحة الكريهة أو تغطي على الرائحة الكريهة. قال -رحمه الله تعالى-: فصل. فصل: ومن يلزمه الغسل حرم عليه الصلاة والطواف ومس المصحف وقراءة القرآن آية فصاعدًا. قال في الاختيارات: ويكره الذكر للجنب وللحائض، ويعبر المسجد؛ لقوله سبحانه: «ولا جنبا إلا عابري سبيل». ولا يجوز أن يلبث فيه بغير وضوء، فإن توضأ جاز له اللبث فيه. قوله: فصل، الفصل مأخوذ من لفظه كالفاصل بين الشيء والشيء. فلما كان الباب في أحكام الغسل، وكانت هذه الجمل الآتية التي قرأت تختلف عما قبلها، جعل لها فصل خاص لتخصها أو يخصها حكم. فالآن هنا الكلام على ما يترتب على من لم يغتسل. فمما ذكر العلماء: أن من لم يغتسل تحرم عليه الصلاة؛ لأن الصلاة لابد لها من طهارة من الحدث الأكبر والحدث الأصغر. لما تقدم حديث بن عمر، وحديث أبي هريرة: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». هذا بالنسبة الحدث الأصغر. وفي حديث بن عمر: «ولا يقبل الله صلاة بغير طهور». وهذا عام يشمل الحدث الأصغر والحدث الأكبر. وكما أمر الله -عز وجل- بالاغتسال في موضعه: «وإن كنتم جنبا فاطهروا». فأمر الجنب بالاغتسال والتطهور. فهكذا جاءت مفسرة لما أمر الله -عز وجل-. وقوله: والطواف، تقدم الخلاف في الطواف. وقوله: مس المصحف، تقدم الكلام والخلاف في مس المصحف. وما قيل في الوضوء يقال كذلك في الغسل على القول الصحيح. وقراءة القرآن كذلك تقدم، وهو أخف، وعلى الصحيح: أنه يستحب ولا يجب. وقوله: آية فصاعدًا، كذلك الصحيح: يستحب ولا يجب. وقوله: قال في الاختيارات: ويكره الذكر للجنب وللحائض. نعم: يفضل ويستحب أن يكون على طهارة. ودليله: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يرد السلام على الرجل إلا بعد أن تيمم. وذلك على الاستحباب: أن يذكر الله على طهارة، ولو بالتيمم. وقوله: وللحائض، أي: كذلك هذه الأحكام. والصحيح: أن الحائض كذلك بالنسبة لها لم يرد شيء صحيح صريح يمنعها من مس المصحف وقراءة القرآن. والأفضل والأكمل والأحوط: أن تكون على طهارة، فلا تمس القرآن إلا بحائل، هذا هو الأحوط. وعبور المسجد؛ لقوله: «ولا جنبا إلا عابري سبيل». يعني: يجوز العبور، ولا يجوز المكث، ولا يجوز المكث. والصحيح: أن الآية في حق السفر، فالكلام على الصلاة، وليس على عين المسجد. والمعنى: أن المصلي لا يصلي إلا وهو على طهارة من حدث أكبر وأصغر. فينبغي لمن به حدث أكبر أو أصغر أن يتطهر بالماء، فإن كان في سفر وهو عابر السبيل ولم يجد الماء؛ فينتقل إلى ماذا؟ التيمم؛ كما جاء في آية التيمم. وهذا أحد تفاسير الآية؛ جمعًا بين مع الأدلة الأخرى. وقوله: ولا يجوز أن يلبث فيه بغير وضوء، يعني: في المسجد. والصحيح: أنه يجوز، وقد صح عن الصحابة -رضي الله عنهم أرضاهم- كأهل الصفة. وروي هذا عن ابن عمر وغيره: أنهم ما كان لهم مسكن إلا المسجد، مسجد النبي -صلى الله عليه وسلم- يسكنون فيه. فكان إذا أحدث أحدهم ولم يستطع الطهارة اكتفى بالتيمم. وجاء في بعض ذلك الآثار: أنهم كانوا يجلسون من غير وضوء ولا طهارة؛ فهو سكنهم وبيتهم. وهذا هو الصحيح؛ لعدم وجود حديث ودليل صحيح صريح يمنع من ذلك. لكن لا شك أن الأفضل والأكمل: أن يكون على طهارة. وقوله: فإن توضأ جاز له اللبث فيه؛ لأن هذا ثبت عن بعض الصحابة: أنه كان يكتفي بالوضوء عن الغسل. لكن ليس للصلاة، وإنما لذكر الله -عز وجل- يعني: لتخفيف الطهارة. وجاء في تخفيف الطهارة هذا المعنى في مواضع، منها: الحديث المتقدم: النبي -صلى الله عليه وسلم- رد السلام بعد أن تيمم. فالتيمم يغني مع وجود الماء في غير الصلاة؛ إذا كان فيه مشقة في الوضوء، وضيق وقت. فإذا كونك تتيمم وتقرأ القرآن أفضل من أنك تقرأ القرآن بغير وضوء ولا تيمم. واضح، يعني: إن استطعت أن تتوضأ فهذا أفضل، فإن كان عليك غسل فالأفضل أنك تغتسل ثم تقرأ القرآن. فإن كان فيه مشقة أو ضيق وقت أو لسبب أردت أن تؤخر الغسل؛ فتنتقل إلى الوضوء. فإن كان فيه مشقة انتقلت إلى ماذا؟ إلى التيمم. وهذا أفضل من أنك تقرأ بدون أي واحد من هذه الثلاثة. قال: وقال في الاختيارات: وظاهر كلام أحمد وجوب الوضوء للجنب إذا أراد النوم؛ لأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك. والصحيح: أن أمره أمر استحباب، أمره أمر استحباب؛ لأنه من الآداب. والسياق والسباق يدلان أنه ليس للوجوب، وإنما المراد تخفيف الطهارة. يعني: كونك تنام وأنت على وضوء أفضل من أن تنام بغير وضوء، ولو كان الواجب عليك الغسل، ولو كان الواجب عليك الغسل. قال -رحمه الله-: وظاهر كلام أبي العباس -يعني: ابن تيمية -رحمه الله-: يعيده إذا أحدث ليبيت على طهارة. وظاهر كلام أصحابنا: لا يعيده، انتهى. والصحيح: التفصيل، إن كان فيه مشقة فلا يعيده، وإن لم يكن فيه مشقة فالأفضل أن يعيده؛ لأن الأفضل لمن أراد أن ينام أن ينام على طهارة، الأفضل، ولكن ليس واجب. فإن استطاع فهذا أفضل، فإن لم يستطع فلا حرج عليه. ثم هل هذا معناه أنه إذا تطهر وأحدث أثناء انتظاره للنوم هل يعيد الوضوء؟ الصحيح: كما ذكر: لا يعيده؛ لأن فيه مشقة على الإنسان، فيه مشقة على الإنسان. والمشقة تجلب التيسير. فإن لم يكن فيه مشقة أعاد. قال -رحمه الله-: من غسل ميتًا سن له الوضوء؛ لأمر أبي هريرة -رضي الله عنه- بذلك، رواه أحمد وغيره. وكما تقدم معنا: جاء حديث يحسنه بعضهم. والصحيح: أن فيه ضعف. من غسل ميتًا فليغتسل، فهذا الحديث: الصحيح أنه لم يصح. وأما الأمر بالوضوء؛ فكذلك لم يصح على الصحيح. وجاء موقوفًا، ولكن الصحيح: أنه يؤمر بالوضوء إذا فعل ما يوجب الوضوء -مثل أن يمس فرج الميت بغير حائل- إذا مس فرج الميت بغير حائل؛ فإنه عليه أن يتوضأ؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: فيمن مس فرجه أن يتوضأ. ففرج غيره من باب أولى. وهذا كما مر معنا في نواقض الوضوء على التفصيل الذي سبق: وأن الصحيح أن فيه معنى تعبدي وحكمي. قال -رحمه الله-: فصل. وصفة الغسل الكامل: أن ينوي ثم يسمي؛ لأن الأعمال بالنيات كما جاء في الحديث الصحيح. ثم يسمي، يعني: يقول: بسم الله. وصح أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا وضوء لمن لم يسم، ولم يذكر بسم الله. وإذا نسي -الصحيح من أقوال أهل العلم-: أنه يعفى عن ذلك، أو متى ما تذكر، قاله ولو في وسط الوضوء. قال: ويغسل يديه ثلاثًا، ويغسل ما لوثه. وإن كان قد استنجأ؛ فيغسل أثر الاستنجاء. وإن لم يكن استنجأ ولا يحتاج؛ فيكفي أن يغسل يديه ثلاثًا خارج الإناء. والحكمة من ذلك أولًا: أن لا يلوث الإناء بيديه التي قد يكون بهما قدر حسي أو معنوي. وثانيًا: لأجل أن يغسل يديه؛ فيطهرهما؛ لأنه سيباشر بهما جسده والماء. وقوله: ويغسل ما لوثه، يعني: إن كان فيه شيء من القدر. قال: ويتوضأ، ويحثي الماء على رأسه ثلاثًا. يعني: يتوضأ وضوءه للصلاة، هذا هو المستحب والأفضل، يتوضأ قبل الغسل. قال: ويحثي الماء على رأسه ثلاثًا، يرويه ويعم بدنه غسلًا ثلاثًا، ويدلكه، ويتيامن. ويغسل قدميه مكانًا آخر؛ لحديث ميمون وعائشة متفق عليهما. جاء في حديث ميمون وعائشة -رضي الله عنهما- في الصحيحين في صفة غسل النبي -صلى الله عليه وسلم-: هذا الذي ذكره. أنه جاء في بعض طرقه: استنجى أولًا، ثم ضرب بيده الحائط أو الأرض بالتراب، ثم غسل يديه. ثم أدخل يده في الإناء بعد أن غسل يديه ثلاثًا، ثم توضأ وضوءه للصلاة. ثم حثى ثلاث حثيات -يعني: غرفات من الماء- على رأسه؛ حتى إذا ظن أنه أروى بشرته -كما جاء في حديث عائشة- يعني: أنه عمم الماء للرأس كاملًا، وما تحت الشعر. وإن كان له لحية؛ فيخلل لحيته. ثم يتوضأ وضوءه للصلاة. والسبب في تقديم الرأس: أنه في الوضوء لن يحتاج أن يتأخر في الرأس؛ بل سيكتفي بالمسح المعروف في الوضوء. وفي هذا دليل على أن من أراد أن يتوضأ واحتاج أن يغسل مكانًا لوجود ما يحتاج لغسله؛ فعليه أن يغسله قبل الوضوء؛ حتى لا يدخل في الوضوء ما ليس منه. مثلا: عنده أثر قدر في يديه، يعلم أن هذا القدر أو الأثر -مثلا: الطلاء- أو أثر قشر السمك أو نحوه ما سيزيله الوضوء بثلاث غسلات. فماذا يصنع؟ يغسله أولًا قبل الوضوء، ثم بعد ذلك إذا أزاله يبدأ يتوضأ. لماذا؟ لأجل لا يقف عند هذا العضو فيغسله أكثر من عدد غسلات الوضوء؛ لنهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الزيادة عن الثلاث كما تقدم معنا في الوضوء؛ حتى لا يكون في هذا الموضع فتتغير صفة العبادة. وإذا تغيرت نسيت واندثرت أحكام العبادة. لابد أن نحافظ على صفة العبادة. الوضوء له صفة مخصوصة جاءت في أدلة الكتاب والسنة، لابد أن نحافظ عليها. وقد جاء بثلاث كيفيات: إما أن يتوضأ مرة مرة، أو مرتين مرتين، أو ثلاثًا ثلاثًا؛ كما جاء في حديث بن عباس وغيره. أو يجوز بعض الأعضاء مرتين؛ كما جاء في حديث عبد الله بن الزيد وغيره. الشاهد: أنه ينبغي أن يراعى صفة الوضوء ألا تتغير. بعض العامة لكثرة عدم الحرص على المحافظة على صفة الوضوء يتكرر معه -مثلا: صياد كل يوم يخرج من الظهر من البحر عليه آثار السمك والعمل- يتوضأ. فإذا توضأ ووصل إلى المكان الذي فيه بقايا العمل؛ يبدأ يغسل خمسة عشر، خمس عشر. أولًا: قد ينسى أين وصل في الوضوء. وثانيًا: تتغير صفة الوضوء، فما يدري: هو وضوء ألا غسل؟ لكن اغسل هذا القدر ونظف وانتهى، ثم بعد ذلك توضأ. ونستفيد هذا من قوله في الحديث: في حديث عائشة وغيره: «حتى على رأسه حتى يظن أنه أروى بشرته». بعد ذلك انتقل إلى الوضوء. قال: ويعمم بدنه غسلًا ثلاثًا، ويبدأ بالأيمن ثم الأيسر؛ لفعله -صلى الله عليه وسلم- ولحديث عائشة: «كان يعجبه التيمن في أمره كله وفي شأنه كله». ويدلكه، يعني: لا يصب الماء صبًا دون أن يمسح بيده أو يفرق برجله إذا غسلت رجليك وأنت قائم افرق رجليك برجليك، أحدهما بالآخر، أو امسح بيديك. وما يفعله بعض الناس من صب الماء صبًا هذا تقصير وخطأ. وبعض أهل العلم يشترط المسح والدلك، والصحيح: أنه لا يشترط، ولكنه أفضل وأكمل. فإذا عمم الماء -مثل الإنسان إذا غمس في الماء- وتعمم الماء في كل الجسد؛ فالصحيح: أنه يحصل حكم الغسل. قال: فأما صفة الإجزاء -الآن الصفة الأولى- الصفة المستحبة التي كان يفعلها النبي -صلى الله عليه وسلم- ونقلت في الأحاديث الكثيرة عنه -عليه الصلاة والسلام-. قال: أما صفة الإجزاء؛ فهو أن ينوي ويعم بدنه بالغسل، ويتمضمض ويستنشر؛ لأن ذلك هو المأمور به في قوله: «وإن كنتم جنوبًا فاتطهروا». وقلنا: «فاتطهروا» أي: اغتسلوا، هكذا جاء عن ابن مسعود وغيره في تفسير التطهر ها هنا. فالمقصود: أنه يجزئ، ولكن من شرطه أن يكون فيه مضمضة واستنشاق، من شرطه أن يكون فيه ماذا؟ مضمضة واستنشاق. فلابد من وجود المضمضة والاستنشاق؛ لأنه من الجزء المخفي. فإذا انغمس في الماء أجزأه ذلك، إذا مضمضة واستنشاق، ولو لم يتوضأ. ولهذا يقول العلماء: الغسل يغني عن الوضوء بشرط أن يعمم الجسد، ويكون معه مضمضة واستنشاق. وروي هذا عن معاذ وجماعة من الصحابة -رضي الله عنهم وأرضاهم-. قال -رحمه الله-: وتسن التسمية، وأن يدلك بدنه بيديه؛ ليصل الماء إلى جميع بدنه، ولا يجب نقض الشعر، لكن يجب غسله، نقض يعني: فك. فالمرأة التي رأسها وشعرها مظهور بضفائر؛ يكفي أن تعمم الماء فيدخل بين الضفائر. أما فك الضفائر لا يلزم ولا يجب. قال: وتروية أصوله، يعني: أصول الشعر، خصوصًا مكان الضفيرة بالنسبة لمن عنده ضفيرة أو شعر كثير؛ لأن في ذاك المكان قد يكون شد الشعر سببًا لمنع وصول الماء. فينبغي أن يروي ذاك المكان، ويعتني به خاصة؛ كما أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالاعتناء بالأعقاب؛ لأن الأعقاب فيها انخفاضات قد لا يصل إليها الماء. فلذلك أمر بزيادة الاعتناء به. وهذا يقع، قد جاء في الصحيح: أنه رأى لمعة في عقب أحد الصحابة في غزوة من الغزوات، فقال: «ويل للعقاب من النار». «ويل العقاب من النار» كررها ثلاثًا؛ كما جاء في حديث عائشة، وفي أبي هريرة، وعبد الله بن عمر، وجماعة من الصحابة -رضي الله عنهم- بالصحيحين. قال -رحمه الله تعالى-: وتسن التسمية، يعني: استحب، وأن يدلك بدنه بيديه؛ ليصل الماء إلى جميع بدنه. واختلف في التسمية، والأحوط ألا يتركها. وقد قال الجمهور بالاستحباب، وقال بعض أهل العلم بالوجوب. وقوله: ولا يجب نقض الشعر، لكن يجب غسله، تقدم. وتروية أصوله تقدم. قال: ويتوضأ بمد، ويغتسل بصاع، هذا هو الأفضل، وهو فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-. المد: قيل: أنه مد الرجل المعتدل، مد الرجل المعتدل، يعني: تقريبًا ما يساوي علبة السمن اليوم، هذا يكفي للوضوء. فإذا احتاج أكثر لسبب أو لآخر لا بأس، لكن كلما اقتصد كان أفضل. ويغتسل بالصاع، والصاع أربعة أمداد. ويحاول أن لا يزيد، ولذلك إذا اغتسل من الماء مباشرة بالدش أو نحوه؛ فإنه يحاول يخفف الماء؛ حتى لا يسرف فيه. قال: فإن أسبغ بأقل جاز. وقد صح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ بأقل من مد، حتى أنه تقاطر -أو لم يتقاطر شك الراوي- الماء، يعني: من قلة الماء. كأنه مسح الماء مسحًا على أعضاء الوضوء. وهذا عند قلة