الدرس في شرح مختصر السيرة 114، الدرس الرابع عشر بعد المائة:من( مسير خالد إلى اليمامة ... فقال عمر:ما عزاني أحد عن أخي بمثل تعزيته ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول هذا الفصل مسير خالد بن الوليد إلى اليمامة بعد فراغه من قتال بزاخة وبني عامر، وتردد الأنصار في البداية ثم انضمامهم له فيما بعد. يشرح أيضاً بداية الأحداث المتعلقة بارتداد بعض القبائل.
يصف هذا الفصل ارتداد بني حنظلة وبني يربوع، حيث رفض مالك بن نويرة أداء الزكاة وتحريضه لقومه، بينما بقي قعنب بن سيد بني يربوع على الإسلام وحث قومه على أداء الزكاة. يبين الفصل مواقف مختلفة داخل القبائل.
يروي هذا الفصل قصة مقتل مالك بن نويرة على يد خالد بن الوليد بأمر أبي بكر بسبب امتناعهم عن أداء الزكاة، ويبين اختلاف الصحابة في حكمهم على مالك. كما يشمل رثاء متمم بن نويرة لأخيه مالك بن نويرة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم»: مسير خالد إلى اليمامة، يعني خالد بن الوليد. وهذا في سياق ذكره، كما تقدم، لبعث أبي بكر رضي الله عنه خالد بن الوليد ومن معه من المهاجرين والأنصار في قتال أهل الردة. قال: فلما فرغ خالد من بزاخة وبني عامر، أظهر أن أبا بكر عهد إليه. ومعنى أظهر: أي أنه أخفى عليهم ذلك في أول الأمر؛ لأجل أن لا يثقل عليهم الأمر، فلما فرغوا وانتهوا، أخبرهم بما كان قد أسره به أبو بكر رضي الله عنه. قال: أظهر أن أبا بكر عهد إليه أن يسير إلى أرض بني تميم وإلى اليمامة. وأرض بني تميم هي نجد عموما، واليمامة موضع خاص من نجد، وهو المسمى اليوم بالرياض. فمدينة الرياض اليوم، فيها قديما اليمامة، فاليمامة بعض مدينة الرياض اليوم، ولا يزال آثار موجودة إلى يومنا هذا تدل على حدود موضع اليمامة. قال: فقال ثابت بن قيس -وهو على الأنصار، وخالد على جماعة المسلمين- يعني: ثابت بن قيس له إمرة خاصة بالأنصار. قال: ما عهد إلينا ذلك، وليس بنا قوة. يعني: لم يسمعوا هذا من أبي بكر رضي الله عنه، وقد فرغت قوتهم في قتال من سبق قتالهم من بزاخة وبني عامر. قال: وقد كلا المسلمون، أي: تعبوا، وعجف كراعهم -وهي كناية عن التعب، والكراع كما مر معنا في دروس سابقة- عدة المقاتل. قال: فقال خالد: لا أستكره أحدا، يعني: لا أمر أمر إكراه، من أحب أن يخرج فليخرج، ومن أحب أن يرجع فليرجع. قال: وسار بمن تبعه، وأقامت الأنصار يوما أو يومين -يعني يرتاحون في المكان الذي نزلوا فيه بعد الفراغ من القتال- قال: ثم تلاومت فيما بينها، أي: طوائف الأنصار، وقالت: والله ما صنعنا شيئا، والله لئن أصيب القوم ليقولن خذلتموهم، وإنها لما سبت عارها باق إلى آخر الدهر، ولو أصابوا فتحا، إنه لخير منعتموه. فابعثوا إلى خالد يقيم حتى تلحقوه. فبعثوا إليه، فأقام حتى لحقوه. ومعنى أن ينتظرهم، فاستقبلهم في كثرة من المسلمين حتى نزلوا -يعني معناه لحقا الأنصار بمن سبق من المسلمين، وفيهم المهاجرون- قال: وساروا جميعا حتى انتهوا إلى البطاح من أرض بني تميم، وهي علامة يُعلم بها قرب أرض بني تميم؛ لأنها أرض تكتر فيها البطاح، وهي الصحاري. قال: فلم يجد بها جمعا، ففرغ خالد السرايا في نواحيها، فأتت سرية منهم بني حنظلة، وسيدهم مالك بن نويرة. وكان قد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم مصدقا على قومه -يعني يجمع الصدقات- فجمع صدقاتهم، فلما بلغته وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، جفل إبل الصدقة -أي ردها إلى أهلها- فلذلك سمي الجفول، وجمع قومه. فقال: إن هذا الرجل قد هلك -يريد النبي عليه الصلاة والسلام- قال: فإن قام قائم بعده، رضي منكم أن تدخلوا في أمره؟ الحمد لله. قال: ولم يطلب ما مضى، ولم تكونوا أعطيتم الناس أموالكم، فتسارع إليه جمهورهم، وأكثر الناس رعاء، هم أتباع كل ناعق. قال: فقام فيهم قعنب سيد بني يربوع، فقال: يا بني تميم -لأن بني تميم فخذا، فمنهم بنو حنظلة كما تقدم، ومنهم بنو يربوع وغيرهم- فقال: يا بني تميم، لا ترجعوا في صدقاتكم، فيرجع الله في نعمه عليكم، ولا تتجردوا للبلاء، وقد ألبسكم الله العافية، ولا تستشعروا خوف الكفر، وأنتم في أمن الإسلام. ومعناه: يحثهم على البقاء على ما هم عليه من خير نعمة الدنيا، ونعمة الأمان، ونعمة دفع البلاء، ونعمة كذلك الإسلام، وغير ذلك. قال: إنكم أعطيتم قليلا من كثير. ومعناه: لا تبخلوا بهذا القليل، والقليل يذهب في موضعه، والكثير ما زال في أيديكم؛ فالزكاة لا تؤخذ إلا من الأغنياء، وترد في الفقراء. قال: والله مذهب الكثير بالقليل -يعني إذا لم تؤدوا القليل أذهب الله عنكم الكثير- قال: ومسلط على أموالكم غدا من يأخذها على غير الرضا -يعني إذا لم تؤدوا الزكاة، وإن منعتموها قتلتم- فأطيعوا الله، وعصوا مالكا. فقام مالك -يعني ابن نويرة الذي هو سيد بني حنظلة- فقال: يا بني تميم، إنما رددت عليكم أموالكم إكراما لكم، وإنه لا يزال يقوم منكم قائم يخطئني، والله ما أنا بأحرصكم على المال، ولا بأجزعكم من الموت، ولا بأخفاكم شخصا إن أقمت، ولا بأخفاكم راحلة إن هربت. فترضوه عند ذلك، وأسندوا أمرهم إليه. وهكذا شعارات الجاهلية تثير وتهيج، ويظل الناس بمثل هذه الشبه. قال: وَأَبَى اللَّهِ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ أَمْرَهُ فِيهِمْ -يعني بغلبة الصحابة عليهم- فقال مالك في ذلك -يعني في الخصام الذي وقع بين بني تميم في هذا الأمر- قال: وقال رجال: سدد اليوم مالك. وقال رجال: مالك لم يسدد. فقلت: دعوني لا أبى لأبيكم، فلم أخطئ رأيا في المعادي ولا البدي. يعني: أنه يمدح نفسه أنه لم يؤثر عنه شيء من الخطأ لا سابقا ولا لاحقا. قال: فدونكموها، إنها صدقاتكم مصررة أخلافها لم تجردي. سأجعل نفسي دون ما تحذرونه، فأرهنكم يوما بما قلت يدي. فإن قام بالأمر المجرد قائم، أطعنا وقلنا: الدين دين محمدي. قال: ولما برغ ذلك أبا بكر والمسلمين حنقوا عليه -يعني لأجل أنه أثار بني تميم وهيجهم على العصيان، ونزع يد الطاعة، وعدم أداء الزكاة- قال: وعاهد الله خالد لإن أخذه ليجعل النهامة -أثفية للقدر- يعني: حجرة من الحجارة التي يتكىء أو يتكى عليها القدر، أي رأسه. فلما وصلته السرية -أي وصلت تلك القبائل- ومثل هذا الله أعلم بصحته، قد حاولت أن ننظر هل ورد فيه شيء صحيح صريح، فلم أجد فيه إسناد صحيح، لكنه شيء حكاه أهل الأخبار. قال: فلما وصلته السرية مع طلوع الشمس، فزعوا إلى السلاح، وقالوا: من أنتم؟ قالوا: نحن عباد الله المسلمون. قالوا: ونحن عباد الله المسلمون. قالوا: فضعوا السلاح، ففعلوا، فأخذوهم، وجاءوا بهم إلى خالد. فقال له أبو قتالة -وهو مع السرية-: أقتل أنت هؤلاء؟ قال: نعم. قال: إنهم اتقوا بالإسلام أذنوا، فأذنوا، وصلينا، فصلوا. وكان عهد أبي بكر: أيما دار غشيتموها، فسمعتم الأذان فيها بالصلاة، فأمسكوا عن أهليها حتى تسألوهم ماذا نقموا، وماذا يبغون؟ وإن لم تسمعوا الأذان، فشنوا عليها الغارة، فاقتلوا وحرقوا. فأمر بهم خالد فقتلوا، وأمر برأس مالك فجعل في أثفية للقدر. ومعناه: أن أبا قتالة أراد أن يتأنى خالد في قتل هؤلاء بعد إذا أظهروا الإسلام، وصلوا، وأذنوا -وهي الشبهة التي كان بسببها تأخر بعض الصحابة في قتال المرتدين في أول الأمر- لكن تبين لهم أن من جحد الزكاة فإنه يقاتل، وأنه مرتد، ومن منع الزكاة فإنه يقاتل، وإن لم يكن مرتد يقاتل لأجل بخله. فقتال أو قتل خالد رضي الله عنه لهؤلاء لأجل جحود الزكاة، ونزع يد الطاعة. وسيأتي معنا إن شاء الله كذلك زيادة التفصيل في الفصل الذي بعده. قال: ورثاه أخوه متمم بقصائد كثيرة -يعني رثاء مالك بن نويرة- قال: وروي أن عمر قال له: لوددت أني رثيت أخي زيدا بمثل ما رثيت به أخاك مالكا. فقال متمم: لو علمت أن أخي صار حيث صار أخوك، ما رثيته. ومعناه: أنه فرق بين من مات على الإسلام، ومن مات على الردة. فقال عمر: ما عزاني أحد عن أخي بمثل تعزيته -يعني أن فيه إكرام لعمر رضي الله عنه في تعزية أخيه-.