جواهر البلاغة 8

جواهر البلاغة 8

الدرس في جواهر البلاغة 8، الدرس الثامن:من( الثالث: التعقيد اللفظي ... وهم لا يجفخون بها ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

شرح الأبيات الشعرية وتوضيح الغريب

يتناول هذا الفصل شرح أبيات شعرية وتفسير معاني الكلمات الغريبة فيها مثل جحيشًا وعروري. يُظهر أهمية استخدام الكلمات المناسبة في السياق الصحيح.

تحليل ألفاظ وكلمات غريبة في الشعر

يناقش هذا الفصل معاني وأصول كلمات غريبة في الشعر العربي مثل نقاح وينبع وجردحل. يبين آراء اللغويين حول هذه الكلمات.

التعقيد اللفظي وأثره على الفهم

يشرح هذا الفصل مفهوم التعقيد اللفظي وأسبابه وتأثيره على فهم المعنى. يشير إلى أن التعقيد اللفظي يحدث بسبب تقديم أو تأخير أو فصل بين الكلمات.

أهمية السياق في فهم المعنى

يؤكد هذا الفصل على أن المعنى يُفهم من سياق الكلام السابق واللاحق، مما يساعد في تفسير الكلمات بشكل دقيق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. نأخذ شيئًا من المراجعة، ثم نقرأ ما تيسر من الدرس. آخر ما وقفنا عليه من التطبيقات، وقال أبو تمام: قَدْ قُلْتُ لَمَّا طَلَّقَ أَمُّ قَبْلَهُ يَوْمًا عَصَبَ الصُّبْحُ أَهْ أَهْ الْيَوْمَ هَذَا أَوْ يَظَلُّ بِمَوْمَاتٍ طَيِّبَ الْقَوْلِ قول الملف رحمه الله تعالى فيما ذكره من قول تعبط شرًا: يَظَلُّ بِمَوْمَاتٍ وَيُمْسِي بِغَيْرِهَا جَحِيشًا وَيَعْرَوْرِي ظُهُورَ الْمَالِكِ الشاهد من هذين البيتين: جحيشًا ويعروري، فإنه من غريب اللغة. كما أشار رحمه الله في تعليقه، يعني كأنه يقول: لو استبدل كلمات أخرى توفي بالمقصود كان أفصح وأبلغ. لكن كما مر معنا أنه قد يضطر إلى استعمال بعض الكلمات إذا لم يمكن إلا ذلك. فجحيشًا يعني منفردًا، لكن ليس أي انفراد، وإنما انفراد في معنى الوحشة. ويعروري كما ذكر رحمه الله: يركب الفرس عريانًا، لكن المراد به ههنا الابتعاد في العراء. يعني يبقى منفردًا مبتعدًا في العراء. وقوله: فَلَا يُبْرِمُ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ حَلَلٌ وَلَا يَحُلُّ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ يُبْرِمُ الشاهد: حالل، نعم. الأصل: حال، ولكن لضرورة الشعر فعل ذلك. وإلا الأصل هو: حال، ولا يحل بدون يفك الإدغام. وليس هنا سبب صحيح يجيز فك الإدغام. قال: مُقَابِلٌ فِي دُورِ الْأَذْوَاعِ مُنَصَّبَةً عِيصًا فَعِيصًا وَقَدْ مُوسًا فَقَدْ مُوسِيَ الشاهد: كلمات غريبة. وهكذا كذلك حروف متقاربة. ولكن كما قلنا: إذا استعملت في موضعها وفي معناها الذي لا يمكن أن يعبر به إلا به، فإنه لا يخرج عن معنى الفصاحة، خصوصًا إذا كان عند قوم يعرفون معناه. أما عند قوم لا يعرفون معناه، فينبغي أن يعبر لهم بما يعرفون ويدركون معناه. قال: وَقَالَ أَبُو تَمَّامٍ: مَتَاعُ الدُّنْيَا حَبَاكَ بِهِ أَوْ رَعَو لَا جَيْدَرُ وَلَا جَبْسٌ الشاهد: جيدر. مؤلف أنه أراد جيدر فقط. والظاهر: كلها كلمات غريبة: أورع وجيدر وجبس. فكأنه يصف أحد أولاد المخاطب، فيقول: يعني حباك أورع، وهو وصف يطلق للرجل، يعني من قلبه قوي وحديد. أو فؤاده حديد. ويقال: المرأة روعًا. ولا جيدر: يعني ليس بقصير. وربما أطلق على اسم مكان أو سمي به نوع من الخمر. فبه تعرف أن جيدر وصف خاص في القصر. وصف خاص في القصر، لو يرجع هذا إلى الخلف. وصف خاص في القصر، فعلى هذا لا يستغنى عنه بقصر بلفظ القصير؛ لأن لفظ القصير لا يؤدي نفس اللفظ. وقوله: وَلَا جَبْسٌ: يعني ولا جبان. وليس هو أي جبن، ولكن المراد به الجبن عن ضعف. قد يوجد إنسان جبان وهو قوي. وقد يوجد رجل جبان وهو ضعيف. فالمراد أنه ليس من هذا النوع الضعيف الذي به يكون جبانًا. قال: وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: رُبَّ جَفْنَةٍ مِثْعَنْجَرَةٍ وَتَعْنَةٍ مُسْحَنْفَرَةٍ وَخُطْبَةٍ مُسْتَحْضَرَةٍ وَقَصِيدَةٍ مُحَبَّرَةٍ تَبْقَى غَدًا بِأَنْقَرَةَ الشاهد: كلمات غريبة. مثعنجرة: يعني مملوءة، ولكن ليس مملوء أي مملوء، وإنما ملء على وصف خاص. ولهذا يطلق غالبًا على الثريد، على الوعاء المملوء بالثريد. يقال: إنه متعنجر، يعني ممتلئ، ويكاد يخرج منه من امتلائه. وهو يوصف للثريد، ولما كان بمعناه من السائلات. وطعنة مسحنفرة: كذلك، كما قال رحمه الله: يعني طعنة قوية سريعة. وخطبة مستحضرة، وقصيدة محبرة، واضح. تبقى غدًا بأنقرة: يريد أن هذا يطمع به بأن يكون قتال في بلاد الروم. وقيل أن امرؤ القيس قال ذلك عند موته، كما ذكر معنى ذلك في التعليق. قولوا: أَكَلْتُ الْعَرِينَةَ وَشَرِبْتُ الصَّمَادِحَ. هذا: بشير، أنعم. كلمات غريبة، كما ذكر الشارح: أن العرين اللحم، والصمادح الماء الخالص. لكن ليس كل لحم يقال له العرين، فأريد لحم بوصف خاص. لحم بوصف خاص. والصمادح: ليس كل ماء خالص، ولكن المراد به وصف خاص في الماء. قولوا: إِنِّي إِذَا أَنْشَدْتُ لِأَحْبِنْطِي. أحبنطي: يعني انتفخ بطنه، كذا قال. وكأنه يقول: أنه ممكن أن يستغني عنها إلى غيرها مما هو أسهل. وهذا صحيح، إذا قيل فيمن لا يعرف معناه. أو إذا وجد كلمة تغني بأخف وأسهل وأيسر وأشهر. لكن إذا لم يجد إلا ذلك لوصف دقيق، فهي كلمة واحدة تغني عن أوصاف متعددة؛ لأن تعرف بعض الكلمات الغريبة تغني عن عدة أوصاف متتابعات. فهو ليس أي انتفاخ في البطن، ولكن انتفاخ بوصف خاص. قال: نَزَلَ بِزَيْدٍ دَاهِيَةٌ خَنْفِيقٌ وَحَلَّ بِهِ عَنْ قُفَيْرٍ لَمْ يَجِدْ مِنْهَا مُخَلِّصَةً كلمات غريبة. فخنفيق: قال: إنه بمعنى دهياء. وبعضهم قال: صوابه خنفقيق، وهو جمع الداهية، كما ذكره ابن جني في الخصائص، الجزء الأول. وهذا أقرب للقياس. وليس معناه جمع دواهي مطلقًا، ولكن نوع خاص من الدواهي التي فيها شيء من الصعوبة والضيق والتيه. وعن قفير: كذلك داهية من دواهي الزمان. قال: رَأَيْتُ مَاءَ النِّقَاحِ يَنْبَعُ مِنْ سَفْحِ جَبَلٍ شَامِخٍ رأيت ماء النقاح: نعم. وصف للماء. وينبع: كذلك، فهي كلمات غريبة. فإذا وجد ما هو أسهل وأشهر ويصل إلى السامع بسهولة، فهو أفصح. لكن إن كان عند قوم يعرف معناه، وكان مؤدى به الوصف الدقيق لما يراد وصفه، فإذا هو كذلك فصيح. فالنقاح: ليس هو الماء العذب فقط، ولكن نوع خاص من العذوبة. نوع خاص من العذوبة، مثل ما تقول: هذا كوثر. يسألك إنسان: ما هذا الماء؟ هذا مثلًا اشتهر عندنا، هذا كوثر. ماذا تريد به؟ تريد به نوع من الماء مصفى بوصف خاص. صح أن تسميه كوثر، أليس كذلك؟ فليس كل ماء يقال له كوثر. فإذا أردت أن تصف هذا الماء الذي تشربه أو الذي تريد أن تشربه غيرك بوصفه الصحيح السهل عند سامعه، فإنك تحتاج إلى أوصاف متتابعة متعاطفة: هو الماء الذي صفي بكذا وكذا، على الوصف الذي كذا وكذا. لكن كلمة واحدة أغنت عن ذكر هذه الأوصاف المتعاطفة. فكذلك النقاح: وصف خاص من الماء، يستغنى بكلمة واحدة. ولو كانت غريبة عندنا، لكن عندهم ليست غريبة. عند العرب الذين عرفوا هذه اللغة ليست غريبة. وهكذا ينبع: هو يريد أنه ينبع. فكونه مد بالألف هذا غريب، كما أشار المعلق إلى هذا في قوله: ينبع ويسيل. لكن ذكر بعضهم لفته، فقال: ينبع ليس هو من النبع العادي، فهو النبع على وجه الرشح. النبع على وجه الرشح. ففرق بين ينبع وينبع. واستدل بقول عن تره بن شداد: يَنْبَعُ مِنْ ذَفْرٍ مِنْ ذَفْرٍ يَغْضُوبٍ جَسْرَةٍ زِيَافَةٍ مِثْلِ الْقُنَيِّ الْمُقَوَّمِ ويريد أنه يصد الرشح، فيه رائحة طيبة، فينبع: يعني ينبع على وجه الرشح. وهو إذا استمر الرشح. وهو يصف الآن ماء ينزل من سفح الجبل، يعني رشح ينزل من سفح الجبل، أخرج ماء صافيا عذبًا. وبعضهم قال: ينبع: الألف هذه زائدة، وحصل لها مد لعل صرفية. ولكن لعل الأول أقرب، خصوصًا أنه سمع عن العرب. قوله: إخَالُ أَنَّكَ مَصُونٌ وَالْبَعَاقُ مَلَأَ الْجُرْدَحْلَ نعم. الجردحل: أي. عند من. ثامر حد وراك. ولا ما في مصون وجر دحل. فيقول أن مصون مخالفة للقياس. وجه المخالفة: نعم. زيادة الواو. الأصل أنها تنطق بواو واحدة. مصون: هذا اسم المفعول من الأجوف. اسم المفعول من الأجوف هكذا، فنطقه بواوين، وكتابته كذلك خلاف القياس. والبعاق: يقول: المطر الذي يأتي من السحاب. والجردحل: الوادي. والبعاق ملأ الجردحل: جملة مركبة، يعني كلمة صحيحة، لكن تركيبها غير فصيح؛ لأنهم لا يعبرون بأي مطر بأنه بعاق. لأن البعاق هو وصف خاص في المطر، وهو إذا دفع بشدة وقوة. ومنه قولهم: بعقت الإبل، إذا نحرها فخرج دمها بشدة وقوة. وكذلك المطر إذا نزل فجأة بشدة وقوة، يقال له: بعاق. وليس الجردحل كل وادي، وإنما وصف خاص في الوادي، وهو الضخم. ومنه يوصف بعض الإبل بأنها جرحد، أي ضخمة عظيمة. فإن يكُ بعض الناس سيفًا لدولةٍ ففي الناس بُوقَاتٌ لها وطبول الشاهد: بوقات. لأنه جمع على غير القياس. جمع على غير القياس. وبعضهم قال: هو خلاف المشهور، لكنه يجوز. ولهذا ذكر ذكره في المصباح. وهكذا كذلك صاحب المغرب. وبعضهم أنكِره، وقال: هو ليس بصحيح. أنكره بالمرة. وأن الصواب في جمعه: أبواق. يجمع جمع تكسير، وليس جمع ألف وتاء. قوله: نَقِيٌّ تَقِيٌّ لَمْ يُكْثِرْ غَنِيمَةً بِنَكْهَةِ ذِي الْقُرْبَةِ وَلَا بِحَقِّ الَّذِي الشاهد: نكهة. نسب هذا البيت لزهير. ونسب البيت كذلك لغيره. وقيل: إنه لأوس. وقيل: لزهير. فصاحب المحيط نسبه إلى أوس. وصاحب المغني اللبيب نسبه إلى زهير. وقد يكون سمع عن هذا وهذا، وأخذه أحدهما عن الآخر، لا مانع من ذلك. فهي كلمة غريبة: نكهة. لكن إذا استعملت في وصفها الذي يحتاج إليه عند من يعرفها، فليست بمنافية للفصيح. ومعناها: سيء الخلق، الذي فيه شيء من البخل. قوله: إِنَّ بَنِيَّ لِلآمِ زَهَدَةٌ أَوْ زُهْدَةٌ إِنَّ بَنِيَّ لِلآمِ زَهَدَةٌ مَالِي فِي صُدُورِهِمْ مِنْ مَوَدَّةٍ الشاهد: مودة. العَضَل: مودة، ففكه لضرورة الشعر. فالقياس: مودة. وهذا كما قلنا: فيه خلاف. بعضهم يقول: يجوز لضرورة الشعر. وبعضهم يقول: ولو كان لضرورة الشعر، فإنه لا يجوز. قال: رَمَتْنِي مَيٌّ بِالْهَوَاءِ رَمْيَ مُنْضَعٍ عِنْدَنَا مُنْضَغٌ وَصَوَابُهُ مُنْضَعٌ هكذا روي البيت بالعين. قد ذكره صاحب لسان العرب وغيره عن ثعلب بالعين. والمنضع: يعني مأخوذ من سحب الماء، فحصل فيه جفاف. رمتني مي بالهواء رمي منضع مِنَ الْوَحْشِ لَوْطٍ لَمْ تَعْقِهُ الْأَوَالِسُ نعم. منضع: كذلك. والأوالس: وروي الأوالس بدل اللام نون: الأوالس. وهو كما قال: النياق. ولكن ليس هو النياق مطلقًا، وإنما وصف خاص في النوق. بعينين نجلاوين لم يجر فيهما ضمان وجيد حل الدر شامس والدر شامس: قال: نوع من القلائد. وأصل شامس: مشمس. لغة في مشمس. يقال فيه: شامس. والمراد به: وصف خاص في نوع من الحلي. في نوع من الحلي. وما معنى الجيد؟ عنق. نعم. تجيد: معطوف على عينين. بعينين نجلاوين. وما معنى نجلا؟ نجلا: كبيرة وصافية. ظهر. هكذا يعني: نجلا، وصف في العين. علمي لعلمك كالقرارة في المتعنجري متعنجر: مرت معنا قبل. متعنجر: ما معناها؟ في قول امرئ القيس. هو هنا ذكر أن معناها: البحر المليء. والشاهد من هذا: لأجل تعرف أن الكلمة لها وصف. بعض الكلمات أوصاف. فالمتعنجر: كلمة غريبة صحيح. وهكذا القرارة. ويريد أن علمي لعلمك كالغدير الصغير، وهي القرارة، للمكان القليل من الماء في مكان معين. كالقرارة في المتعنجري: يعني في الماء الكثير الذي يطفح، يكاد يطفح. مثل ما قلنا في الثريد. كما قال امرؤ القيس: وهو يتمنى يرجع لأهله، وقد رأى الموت أو أدرك الموت: رُبَّ جَفْنَةٍ مُتَعَنْجِرَةٍ. يعني مليئة بالثريد، حتى يكاد يطفح منها. قولوا: إن بعضًا من القريض غراء ليس بشيء، وبعضه أحكام والقريض: كذلك. يعني يريد المدح. وهذا كذلك يقال فيه بما سبق: إذا وضع في موضعه فليس بغريب. وما قال ابن جني رحمه الله في الخصائص: قال: اعلم أن الشيء إذا اضطرد في الاستعمال وشد عن القياس، فلابد من اتباع السمع الوارد. يعني يريد أن أحيانًا أشياء ظاهرها الشذوذ، لكن علم ذلك بالسماع، وثبت في اللغة، فاستخدامه على وصفه الكامل في اللغة صحيح. على وصفه الكامل. ونريد بالكامل: من حيث صحة الكلمة، ومن حيث صحة وضعها في الجملة. يعني في جملة مناسبة لمثلها. قولوا: فيه ما يجلب البراعة والفهم وفيه ما يجلب البرسام البرسام: نعم. وهكذا يجلب: تكرر. والبرسام: كما قال رحمه الله: يعني التهاب الصدر. وقيل: داء في الرأس. وبعضهم قال: إنه فارس يعرب. وبعضهم قال: بلسام. وبعضهم قال: برشام. ظهر أنها كلمات مختلفة المراد هنا: البرسام خاصة. أما البرسام: كلمة أخرى. والبرشام: كلمة أخرى كذلك. قولوا: ومن الناس من تجوز عليهم شعراء كأنها الخازباز الشاهد: الخازباز. نعم. الخازباز: فهو يطلق به صوت الدباب إذا راحت وأقبلت. وانظروا على شدة في الوصف للشعراء. يعني بعض الشعراء ما هم إلا مثل صوت الدباب: يذهب ويرجع. نقف هنا إن شاء الله. بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثالث: التعقيد. قال: التعقيد اللفظي، وهو كون الكلام خفي الدلالة على المعنى المراد به، بحيث تكون الألفاظ غير مرتبة على وفق ترتيب المعاني. وينشأ ذلك التعقيد من تقديم أو تأخير، أو فصل باجنبي بين الكلمات التي يجب أن تتجاور ويتصل بعضها ببعض، مثل وصف صفته، ومضاف ومضاف إليه، ونحو ذلك، كما سيأتي. قال: وهو مذموم؛ لأنه يوجب اختلال المعنى واضطرابه. ولو لم يختل أوجب كذلك إشكال في المعنى. أوجب إشكال في المعنى. قال: من وضع ألفاظه في غير المواضع اللائق بها، كقول المتنبي. وهذا كثير في قول الشعراء المولدين، فهو يكثر في قول المتنبي والفرزدق ونحوهم. قال: جَفَخْتُ وَهَمْ لَا يَجْفَخُونَ بِهَا بِهِمْ شِيَامٌ عَلَى الْحَسَبِ الْأَغَرِ دَلَائِلُ قال: أصله: جفخت بهم شيام دلائل على الحسب الأغر. وهم لا يجفخون بها. يعني جملة: لا يجفخون بها، متأخرة، فدخولها ههنا فيه شيء من التعقيد اللفظي، مع ما فيه كذلك من تعاطف الضمائر: بها، بهم، وجفخت لا يجفخون. وبعضهم يجعل هذا التعقيد ينقسم إلى اسمين: تعقيد لفظي، وتعقيد معنوي. فيجعلونه نوع واحد منه لفظي، ومنهم معنوي. وفصل المؤلف بينهما؛ لعله لأجل أن يكون أتقن وأحفظ. وهذا اللفظ قسمه بعضهم إلى قسمين: منهما هو شديد، ومنهما هو خفيف. فمثل لقول المتنبي هذا بالتعقيد الخفيف. ومنهما هو تعقيد شديد. أمثل له بقول الفرزدق: فَأَصْبَحَتْ بَعْدَ خَطٍّ بِهَجَتِهَا كَأن قَفِيرًا رَسُومُهَا قَلَمُ يقولون: فصل بين بعد الذي هو المضاف، وبين المضاف إليه، وهو بهجتها، بعد بهجتها. وهذا شديد؛ لأنه فصل بين شيئين متلازمين. وهكذا مثل له بأمثلة أخرى من ذلك. وما مثله في الناس إلا مملوكًا أَبُو أُمِّهِ حَيٌّ أَبُوهُ فقوله: إِلَّا مَمْلُوكًا أَبُو أُمِّهِ حَيٌّ: كذلك فصل بين حي ومثله. وَمَا مِثْلُهُ حَيٌّ. هكذا أصله. أو: وَمَا حَيٌّ مِثْلُهُ. يعني موصوف وصفته، ففصل بينهما بقوله: فِي النَّاسِ إِلَّا مَمْلُوكًا أَبُو أُمِّهِ. وهذا من التعقيد الشديد. يعني أنه يضيع المعنى بشدة، حتى لا يكاد يهتدي القارئ إلى المعنى. لكن بسياق الكلام ما قبله وما بعده يفهم المعنى المراد. شديد. هكذا.