الدرس في جواهر البلاغة 125، الدرس الخامس والعشرون بعد المائة:من( المبحث الخامس:في تشبيه التمثيل ... ضدان لما استجمعا حسنا*والضد يظهر حسنه الضد ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح تشبيه التمثيل وأنه أبلغ من غيره لما فيه من التفصيل، وأنواعه باعتبار الأداة ظاهرًا وخفيًا. يتناول المقطع أمثلة على ذلك من القرآن والسنة.
يتناول شرح أدوات التشبيه في اللغة العربية، وهي ألفاظ تدل على المماثلة مثل الكاف وكأن ومثل، ويمكن أن تكون أسماء أو أفعال أو حروف. يقدم أمثلة على استخدامها في التشبيه ودلالتها.
يذكر أمثلة على التشبيهات البلاغية من القرآن الكريم والشعر العربي، مثل تشبيه الحور العين باللؤلؤ المكنون وتشبيه السفن الكبيرة بالأعلام. يشير إلى بيت شعر يصف جمال الوجه والفرع.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال رحمه الله تعالى: المبحث الخامس في تشبيه التمثيل. قال: تشبيه التمثيل أبلغ من غيره؛ لما في وجهه من التفصيل الذي يحتاج إلى معاني فكر وتدقيق نظر، وهو أعظم أثرًا في المعاني، يرفع قدرها ويضاعف قواها بتحريك النفوس لها. فإن كان مدحًا كان أوقع، أو ذمًا كان أوجع، أو برهانًا كان أصوب. ومن ثم يحتاج إلى كد الذهن في فهمه لاستخراج صورة المنتزعة من أمور متعددة، حسية كانت أو غير حسية، لتكون وجه الشبه. وبه نعرف أن التشبيه أعم من التمثيل، فالتمثيل مختص بما وجه الشبه فيه منتزع من متعدد، كما سيأتي معنا إن شاء الله. قال: كقول الشاعر: «ولاحت الشمس تحكي عند مطلعها مرآة تبر مرآة تبر بدت في كف مرتعش». قال: فمثل الشمس حين تطلع حمراء لامعة مضطربة بمرآة من ذهب تضطرب في كف ترتعش، فهذا تشبيه تمثيل، ووجه الشبه فيه منتزع من متعدد. قال: وتشبيه التمثيل نوعان؛ يعني باعتبار الأداة. قال: الأول ما كان ظاهر الأداة، نحو ﴿مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارًا﴾، فالمشبه هم الذين حملوا التوراة ولم يعقلوا ما بها، والمشبه به الحمار الذي يحمل الكتب النافعة دون استفادته منها، والأداة الكاف، ووجه الشبه الهيئة الحاصلة من التعب بحمل النافع دون فائدة. قال: الثاني ما كان خفي الأداة، كقولك للذي يتردد في الشيء بين أن يفعله وأن لا يفعله: «أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى». إذ الأصل: «أراك في ترددك مثل من يقدم رجلًا مرة ثم يؤخرها مرة أخرى»، فالأداة محذوفة، ووجه الشبه هيئة الإقدام والإحجام المتصوبين بالشك. قال: مواقع تشبيه التمثيل. قال: لتشبيه التمثيل موقعان: أن يكون بمفتتح الكلام، فيكون قياسًا موضحًا وبرهانًا مصاحبًا، وهو كثير جدًا في القرآن. وهذا النوع كثيرًا ما يأتي ظاهر الأداة، كما نرى في المثال، وفي نظائره من الأمثلة. قال: نحو ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة﴾، فهنا عندنا مشبه ومشبه به، فالمشبه هم المنفقون في سبيل الله، والمشبه به الحبة التي أنبتت سنابل كثيرة، أو سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة. قال: ثانيًا: ما يجيء بعد تمام المعاني لإيضاحها وتقريرها، فيشبه البرهان الذي ثبتت به دعوى. وهذا كثيرًا ما يأتي في خفي الأداة، ما كان خفي الأداة. قال: نحو: «وما المال والأهلون إلا وداع، ولابد يومًا أن ترد الودائع». فشبهنا المال والأهلون بالودائع الذي لابد أن ترد، وأداة التشبيه محذوفة. قال: ونحو: «لا ينزل المجد إلا في منازلنا، كالنوم ليس له مأوى سوى المقل». «محمد الله» قوله: «لا ينزل المجد إلا في منازلنا، كالنوم ليس له مأوى سوى المقل»، معناه أن المجد نحن المستأثرون به، يمدح نفسه وقومه، كالنوم ليس له مأوى سوى المقل، مقلتا الإنسان موضع النوم، النوم موضع في المقلتين، ليس له مكان آخر. قال: تأثير تشبيه التمثيل في النفس. قال: إذا وقع التمثيل في صدر القول، بعث المعنى إلى النفس بوضوح وجلاء مؤيد بالبرهان ليقنع السامع. وإذا أتى بعد استيفاء المعاني، كان إما دليلًا على إمكانها، كقول المتنبي: «وما أنا منهم بالعيش فيهم، ولكن معدن الذهب الرغام». قال: لما ادعى أنه ليس منهم مع إقامته بينهم، وكان ذلك يكاد يكون مستحيلًا في مجرى العادة، ضرب لذلك مثلًا بالذهب، فإن مقامه في التراب، وهو أشرف منه، يعني يوجد في التراب. قال: ثانيًا: وإما تأييدًا للمعنى الثابت، نحو: «ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها، إن السفينة لا تجري على اليبس». وهذا قول أبي العتاهية المشهور، وهو كما نرى من القسم الثاني، وهو ما يجيء بعد تمام المعنى لإيضاحه وتقريره. قال: وبعد، فالتمثيل يكسب القول قوة، فإن كان في المدح كان أوقع العطف، وأنبل في النفس، وإن كان في الذم كان وقعه أشد، وإن كان وعظًا كان أشفى للصدر، وأبلغ في التنبيه والزجر، وإن كان افتخارًا كان شأوه أبعد. قال: المبحث السادس في أدوات التشبيه. قال: أدوات التشبيه ألفاظ تدل على المماثلة، كالكاف، وكأن، ومثل، وشبه، وغيرها مما يؤدي معنى التشبيه، كيحكي، ويضاهي، ويضارع، ويماثل، ويساوي، ويشابه، وكذا يخال، ونحوها من الأفعال التي تأتي فيها معاني التمثيل والتشبيه. قال: وكذا أسماء فاعلها. قال: فأدوات التشبيه بعضها اسم، وبعضها فعل، وبعضها حرف، كما رأينا: الكاف حرف، ويحكي فعل، وأسماء الفاعل كما تقول: مماثل، أو ماثلة، أو نعم أمثلة، ونحوه من تصاريف يصلح أن يحصل التشبيه بها. قال: وهي إما ملفوظة ملحوظة، نحو: «جمال كالبدر»، و«أخلاقه في الرقة كالنسيم»، ونحو: «إن دفع الجيش اندفاع السيل»، أي كاندفاعه. قال: الأصل في الكاف، ومثل، وشبه من الأسماء المضافة لما بعدها يليها المشبه به لفظًا أو تقديرًا. قال: وقد يليها غير المشبه به إذا كانت تشبيهًا مركبًا، أي هيئة منتزعة من متعدد، وذكر بعد الكاف بعض ما ننتزع منه تلك الهيئة، كقوله تعالى: ﴿واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيمًا تذروه الرياح﴾. قال: فالمراد تشبيه حال الدنيا في حسن رونقها وبهجة روائعها في المبدأ، وذهاب حسنها وتلاشي رونقها شيئًا فشيئًا في الغاية، بحال النبات الذي يحسن من الماء، فتزداد خضرته، ثم ييبس شيئًا فشيئًا، ثم يتحطم، فتطير الرياح فتطيره، فيصير كأن لم يكن شيئًا مذكورًا، بجامع الهيئة الحاصلة في كل من حسن وإعجاب، ومنفعة يعقبها التلف والعدم، والمعنى: عدم الاغترار بالدنيا. قال: والأصل في «كأن» و«شابه» و«ماثل» عندي - وما أرى صوابه - «وماثل» وما يرادفه: أن يليها المشبه، مثل قوله: «كأن الثرية راحة تشبر الدجا لتنظر طال الليل أم قد تعرض». «كأن الثرية راحة» يعني كف تشبر الدجا، يعني تقيس بالشبر، لتنظر طال الليل أم قد تعرض. قال: «وكأن» تفيد التشبيه إذا كان خبرها جامدًا، نحو: «كأن البحر مرآة صافية». وقد تفيد الشك إذا كان خبرها مشتقًا، نحو: «كأنك فاهم». ومثل قوله: «كأنك من كل النفوس مركب، فأنتهي لكل النفوس حبيب». قال: وقد يغني عن أداة التشبيه فعل يدل على حال التشبيه، ولا يعتبر أداة. فإن كان الفعل لليقين أفاد قرب المشابهة؛ لما في فعل اليقين من الدلالة على تيقن الاتحاد وتحققه. قال: نحو: «فلما رأوه عارضًا مستقبل أوليتهم قالوا هذا عارض ممطرنا». أين وجه الآن الفعل هذا الذي قرب المشابهة؟ فعل أغنى عن أداة التشبيه؟ «قالوا هذا عارض ممطرنا». قال: ونحو: «رأيت الدنيا سرابًا غرارًا». «رأيت الدنيا سرابًا غرارًا»، فهنا الرؤية، فهي ليست فيها معنى التشبيه، لكن بهذا السياق أفادت وأغنت عن أداة التشبيه، وليست هي من أدوات التشبيه ولا أفعالها. قال: وإن كان الفعل للشك أفاد بعدها؛ لما في فعل الرجحان من الإشعار بعدم التحقق، وهذا يفيد التشبيه ضعفًا، نحو: ﴿وإذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤًا منثورًا﴾. قال: وكقوله: «قوم إذا لبسوا الدروع حسبتها سحبًا مزردة على أقمار». والشاهد في «فعل حسبتها». قال: ونحو قوله تعالى: ﴿حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون﴾، ونحو قوله تعالى: ﴿وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام﴾، وكقول الشاعر: «والوجه مثل الصبح مبيض، والفرع مثل الليل مسود، ضداني لما استجمع حسنا، والضد يظهر حسنه ضده»، «ضد كأنه محذوف أو تعاقب أو تعاقب الأضداد يزيد في الحسن والجمال». والشاهد: «والوجه مثل الصبح مبيض، والفرع مثل الليل مسود».