تعليق - الرد على الأخنائي 11

تعليق - الرد على الأخنائي 11

الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 11، الدرس الحادي عشر : من : (وأما مايظن أنه زيارة لقبره مثل الوقوف خارج الحجرة ... فإنه قد صرح في هذا الباب بما يبطل قول هذا الجاهل أكثر من تصريح غيره). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

حكم الوقوف عند قبر النبي

يناقش المقطع حكم الوقوف عند قبر النبي للسلام والدعاء، حيث يرى شيخ الإسلام أنه لا يستحب لأهل المدينة بينما استحبه بعض العلماء للغرباء. يبرر هذا التفريق بأن السلف لم يفعلوا ذلك وأهل المدينة يحصلون على مقصودهم بالصلاة في المسجد.

استحباب زيارة قبر النبي للمسافر

يناقش المؤلف آراء العلماء حول استحباب زيارة قبر النبي خاصة للمسافر، ويستدل بفعل ابن عمر وحديث أبي هريرة. يفرق بين استحباب الزيارة للمسافر وغيره.

السفر إلى المدينة وأحكامه

يشرح المقطع أن السفر إلى المدينة للصلاة في مسجد الرسول له فضل، بينما السفر لزيارة القبور أو غيرها لا يشرع. يستدل بأقوال الأئمة وأحكام النذر للسفر إلى المساجد أو القبور.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله في رده على الأقناء: قال، فتبين أن من أتى مسجد الرسول لغير الصلاة أنه ليس بطاعة ولا يلزم بالنذر. قال: وأما ما يظن أنه زيارة لقبره، مثل الوقوف خارج الحجر للسلام والدعاء، فهذا لا يستحب لأهل المدينة، بل ينهون عنه؛ لأن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، الخلافاء الراشدين وغيرهم، كانوا يدخلون إلى مسجده للصلاة الخمس وغير ذلك، والقبر عند جدار المسجد، ولم يكونوا يذهبون إليه ولا يقفون عنده. فإذا كان السفر لما شرع لأهل المدينة في غير المساجد منهيا عنه، فالنهي عن السفر لما ليس بمشروع مما يسمى زيارة لقبره، وليس زيارة أولى وأحرى. وقد ذكر هذا مالك وغيره من العلماء، ذكروا أنه لا يستحب، بل يكره للمقيمين بالمدينة الوقوف عند القبر للسلام أو غيره؛ لأن السلف من الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك إذا دخلوا المسجد للصلاة الخمس وغيرها على عهد الخلافاء الراشدين: أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم. فإنهم كانوا يصلون بالناس في المسجد: أبو بكر وعمر فصليا بالناس إلى حين مات، وعثمان إلى أن حصر، وعلي صلى فيه مدة مقامه بالمدينة إلى أن خرج إلى العراق. وكان الناس يقدمون عليهم من الأمصار يصلون معهم، ومعلوم أنه لو كان مستحبا لهم أن يقفوا حذاء القبر ويسلموا أو يدعوا أو يفعلوا غير ذلك لفعلوا ذلك، ولو فعلوه لكثر واشتهر. لكن مالك وغيره خصوا ذلك عند السفر. لما نقل عن ابن عمر، قال القاضي عياض: قال مالك في المبسوط: «ليس يلزم من دخل المسجد وخرج منه من أهل المدينة الوقوف للقبر، وإنما ذلك للغرباء». وقال فيه أيضا: «ولا بأس لمن قدم من سفر أو خرج إلى سفر أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي عليه ويدعو له ولأبي بكر وعمر». قيل له: فإن ناسا من أهل المدينة لا يقدمون من سفر ولا يريدونه يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر، وربما وقفوا في الجمعة أو في الأيام مرة أو مرتين أو أكثر من ذلك عند القبر يسلمون ويدعون ساعة. فقال: «لم يبلغني هذا عن أهل الفقه ببلدنا، وتركه واسع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك، ويكره إلا لمن جاء من سفر أو أراده». وإنما اشتهر هذا عن ابن عمر: أنه كان إذا قدم من سفر أتى القبر، فقال: «السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتي». ومما رواه القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: «أنه كان إذا قدم من سفر أتى المسجد، ثم أتى القبر، فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه». فإن قيل: مالك وغيره استحبوا للغرباء كلما دخلوا المسجد أن يأتوا القبر، وهذا يناقض ما ذكر عنهم من النهي عن السفر لأجل القبر؛ فإنهم خصوا الغرباء المسافرين بقصد القبر، فيكون لهم في المسألة روايتان. قيل: ليس الأمر كذلك، بل هم استحبوا للغرباء الذين قدموا لأجل الصلاة في المسجد أن يقفوا بالقبر ويسلموا، كما استحبوا لهم أن يأتوا مسجد قباء وأن يزوروا أهل البقيع وشهداء أحد. وهم لو قصدوا السفر لأجل أهل البقيع والشهداء أو لموضع غير مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، كان ذلك منهيا عنه عندهم. لكن إذا سافروا لأجل المسجد والصلاة فيه، أتوا القبر وزاروا قبور الشهداء وأهل البقيع ومسجد قباء ضمنا وتبعا؛ كما أن الرجل ينهى أن يسافر إلى غير المساجد الثلاثة، فلو سافر إلى بلد لتجارة أو طلب علم أو نحو ذلك، كان يأتي مسجده ويزور قبره، وإن كان لم يسافر لأجل ذلك. وإنما الرخصة في هذا للغرباء دون أهل المدينة. فأهل المدينة يفعلون ذلك عند السفر، فيحصل مقصودهم، والغرباء إنما يقيمون بالمدينة أياما، وصار هذا مثل صلاة التطوع في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد الحرام؛ فإنهم يستحبون للغرباء أن يتطوعوا فيه. وأما أهل البلد، فتطوعهم في البيوت أفضل. قال مالك: «التنفل فيه للغرباء أحب إلي من التنفل في البيوت». وحجتهم في ذلك أن الصلاة فيه بألف صلاة في غيره من المساجد. وأهل البلد يصلون فيه دائما الفرض، فيحصل مقصودهم بذلك، وتطوعهم في البيوت أفضل؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أيها الناس، أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة». وقال صلى الله عليه وسلم في النساء: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وبيوتهن خير لهن». وأما الغرباء، فلا يمكنهم أن يصلوا الفرض فيه دائما؛ لأن الفرائض لها أوقات محدودة، فيستكثروا من التنفل فيه. وكذلك المسجد الحرام، ولهذا استحبوا في المسجد الحرام الطواف للغرباء، وفضلوه على الصلاة. قال أبن القاسم: «الطواف بالبيت للغرباء أحب إلي من الصلاة»؛ وذلك لأن الغرباء لا يمكنهم الطواف كل وقت، بخلاف أهل البلد؛ فإنه يمكنهم ذلك في جميع الأوقات. وإذا خرجوا من البلد ثم رجعوا اعتمروا، ولهذا قال ابن عباس: «يا أهل مكة، لا عمرة عليكم، إنما عمرتكم الطواف بالبيت». وقد نص أحمد على مثل ما قال ابن عباس، مع قوله بوجوب العمرة على غيرهم في المشهور عنه. ومن أصحابه من جعل الفرق رواية ثالثة، ومنهم من تأولها. ولكن المنصوص عنه الفرق، كقول ابن عباس. ولكن الأثر المنقول عن ابن عمر ليس فيه أنه كان يفعل ذلك إلا إذا قدم من سفر، ليس فيه أنه كان يفعل ذلك عند إرادة السفر. وقد يستحب للقادم من السفر ما لا يستحب لغيره؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد وصلى فيه ركعتين، ولم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يودعه. وكذلك طواف القدوم الذي يطوفه القادم إلى مكة يستحب فيه الرمل أولا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فعلوا ذلك في عمرتهم وفي حجة الوداع، ولا يستحب ذلك لأهل مكة؛ لأنه لا قدوم عليهم. وكذلك للطواف يستحب فيه عند الجمهور: أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وقال مالك: «ليس بسنة». فما نقل عن ابن عمر من تخصيصه الوقوف عند القبر والسلام بما إذا قدم من سفر، هو - والله أعلم - لكون ذلك تحية مجيئه إذا قدم من السفر؛ كما أن طواف القدوم يسمى طواف التحية، وفيه الرمل للطواف، وليس ذلك مشروعا لأهل مكة. وكذلك طواف الوداع لا يشرع لأهل مكة؛ إذ لا وداع في حقهم. فتفريقهم بين الغرباء وبين المقيمين له نظير في الشرع. لكن أصل استحبابهم ما استحبوه من فعل ابن عمر، وقد احتج أحمد وغيره مع ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام». قواه أبو داود وغيره، وهو على شرط مسلم. وفي رواته أبو صخر حميد بن زياد، وهو مختلف فيه، وعفه ابن معين، ووافقه النسائي، ومرة وثقه، ووافقه أحمد. فمالك وأحمد وغيرهما احتجوا بفعل ابن عمر. وقد احتج أحمد وأبو داود وابن حبيب وغيرهم بحديث أبي هريرة هذا. وفي هذا نزاع مذكور في غير هذا الموضع. المقصود أن المؤلف رحمه الله تعالى الآن يريد أن يبطل قول من يقول بوجوب أو استحباب تكرار زيارة القبر ولو كان لغير المسافر، يعني لمن هو في البلد. وليس كلامه رحمه الله تعالى يدل على أن المواظبين على ذلك مستحبة، كما سيُلمح إلى ذلك في كلام آتي إن شاء الله. كما ذكروا في غير هذا الكتاب: عندنا الآن ثلاثة مسائل. المسألة الأولى: مسألة شد الرحل، وقد انتهى منها، وأن الصحيح أنه لا يشد الرحل - يعني بالسفر - لزيارة قبر النبي عليه الصلاة والسلام، ولا غير من القبور الأخرى؛ لما سبق من الأدلة الشرعية، ومن كذلك المعاني التي دلت عليها عموم الأدلة من سد الذريعة المغضية إلى الافتتان بالقبور، وقبور الأنبياء والصالحين على وجه الخصوص. والمسألة الثانية: مسألة تكرار الزيارة للقبر والتسليم عليه لغير المسافر، وأن هذا كذلك لم يثبت عن أحد من الصحابة، ولا ثبت كذلك حتى عن أحد من الأئمة، بل أنكروا ذلك. ومر معنا أثر الحسن بن الحسن، وكذلك علي بن حسين، في الرجل الذي كان يأتي إلى الحجرة. ومر معنا كذلك أن ابن عمر كان يفعله، ولم يفعل أحد من الصحابة كما مر معنا في سؤال معمر لعبيد الله بن عمر، وأنه قال: «لم يفعل ذلك إلا ابن عمر». والمسألة الثالثة: هي مسألة إذا جاء من السفر، وهل يستحب؟ وهو أشار الآن قبل قليل بأنه يجوز، بأنه يجوز. قال رحمه الله: «ويشرع». مر معنا في بعض الألفاظ: قال «ويجوز» أو «ويشرع». وبعض أهل العلم قال: «يستحب للغرباء». وهذا اقتداء بفعل ابن عمر رضي الله عنه. مع أننا لو تأملنا فعل الصحابة، ما أحد من الصحابة كان يفعل هذا. لم يثبت عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم أرضاهم أنهم كانوا يفعلون هذا - يعني يجعلون هذا من مستحبات أن يؤتى إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام - فجعل ذلك يعني حكم شرعي يحتاج إلى دليل. فالاستحباب حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل، كما قرر ذلك عند أهل العلم. ولكن المؤلف رحمه الله الآن في سياق رد بدعة أشد، وهو شد الرحل، فلهذا ينقل هذه النقولات عن أهل العلم في هذا الموضع. وأما وجه الاستدلال بحديث زيد في البخاري: «أيها الناس، صلوا في بيوتكم؛ فإن الصلاة في بيته أفضل الصلاة، صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة». وكذلك الحديث الآخر: حديث بن عمر في الصحيحين: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله». والاستدلال بهما هو بيان أن أهل العلم قاسوا على هذه الأحاديث مسألة استحباب صلاة وتنفل المتنفل المسافر في المسجد. ما أن بعض أهل العلم قال: إن صلاة المسافر، إذا كان سيستقر فترة لا يقصر معها، فراتبته في البيت أفضل من راتبته في المسجد. وأما التنفل المطلق، فنعم؛ لأنه ربما تيسر له تنفل مطلق؛ كما قال: «صلاة الفرائض محدودة». والله تعالى أعلم. وأما وجه الاستدلال بإمام الرجل يسلم عليه، حديث أبي هريرة، وتصحيح الشيخ للباني رحمه الله في «الصحيحة»، فهو أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يبلغ السلام، لا يسمعه مباشرة، يبلغ السلام. ولهذا صح - كما سبق - أن من بعد ومن قرب سواء؛ لأن كل واحد منهما يبلغ السلام. فإذا كان كذلك، فلا حاجة للإتيان إلى القبر، تخصيص الإتيان إلى القبر في كل دخول وخروج، هذا المراد. ورحمه الله تعالى، والله تعالى أعلم. أه، أيش أيها؟ صح، صح أنها المكة، ليس عليهم عمرة. ولهذا جاء في الرواية: «إنه قال: فإن أبيتم فاخرجوا إلى أدنى الحل». إذا أبيتم من العمرة، فالعمرة ما تكون من مكة، تخرجون إلى خارج مكة. أظنوا بن نبي شيبة أو برواق. ما تقول؟ أي شابة؟ همم. أثار ابن عباس. قال: والمقصود هنا بيان قول مالك وغيره من أهل العلم، وأنهم لم يتناقضوا؛ حيث منعوا من السفر إلى غير المساجد الثلاثة، وأنه لا يسافر إلى المدينة إلا إلى مسجدها، لا للقبر وغيره. وأن السفر إلى غير الثلاثة منهي عنه، وإن كان قد نذره. فإن قوله: «لا تشد الرحال إلا إلى المساجد الثلاثة»، إذا كان متناولا بالإجماع السفر إلى سائر المساجد، مع أن أحب البقاع إلى الله، فالسفر إلى المقابر أولى بالنهي أو بعدم الفضيلة. وقد اتفق الأئمة، وقد اتفق الأئمة على أنه لو نذر أن يأتي المدينة لزيارة قبور أهل البقيع أو الشهداء أو غيرهم لم يوفي بنذره. وقال مالك والأكثرون: «قالوا: لا يجوز أن يوفي بنذره؛ فإنه معصية». ولو نذر السفر إلى نفس المسجد للصلاة فيه، لم يحرم عليه الوفاء بالإجماع، بل يستحب الوفاء. وقيل: «يجب» على قولين للشافعي. والوجوب مذهب مالك وأحمد، ونفي الوجوب مذهب أبي حنيفة. فظهر أن أقوال أئمة المسلمين موافقة لما دلت عليه السنة من الفرق بين السفر إلى المدينة لأجل مسجد الرسول والصلاة فيه، والسفر إليها لغير مسجده، كالسفر لأجل مسجد قباء أو لزيارة القبور التي فيها: قبر الرسول صلى الله عليه وسلم، وقبور من فيها من السابقين الأولين وغيرهم، رضوان الله عليهم أجمعين. وظهر أنه إذا نهي عن السفر إلى ما يستحب لأهل المدينة إتيانه بلا سفر، كزيارة مسجد قباء وشهداء أحد والبقيع، فالنهي عما يكره لأهل المدينة إتيانه أولى وأحرى. والله سبحانه خص رسوله بما خصه به تفضيلا له وتكريما لما يجب من حقه على كل مسلم في كل موضع. فإن الله أوجب الإيمان به ومحبته وموالاته ونصره وطاعته واتباعه على كل أحد في كل مكان، وأمر من الصلاة عليه والسلام عليه في كل مكان، ومن سؤال الوسيلة له عند كل أذان، ومن ذكر فضائله ومناقبه وما يعرف به قدر نعمة الله به على أهل الأرض. وأن الله لم ينعم على أهل الأرض نعمة أعظم من إرسال محمد صلى الله عليه وسلم إليهم، وأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأنه لا يؤمن العبد حتى يكون أحب إليه من ولده وماله والناس أجمعين، بل حتى يكون أحب إليه من نفسه. إلى غير ذلك من حقوقه المبسوطة في غير هذا الموضع. وكل هذه مشروعة في جميع البقاع، ليس منها شيء يختص بالقبر، ولا بما هو قريب من القبر. ولا شرع للناس أن يكون قيامهم بهذه الحقوق عند القبر أفضل من قيامهم بها في بلادهم. بل المشروع أن يقوموا بها في كل مكان. ومن قام بها عند القبر، وفتر عن القيام بها في بلده - كما يوجد في بعض الناس - يوجد من محبته وتعظيمه وثنائه ودعائه للرسول عند قبره أعظم مما يوجد في بلده وطريقه - وهذه حالة منقوصة غير محمودة، وصاحبها منحوس الحظ، ناقص النصيب، وهو ناقص الدين والإيمان. إما بترك واجب يأثم بتركه، وإما بترك مستحب تنقص درجته بتركه. بخلاف من من الله عليه فجعل محبته وثنائه وتعظيمه ودعائه للرسول في بلده مثل ما إذا كان بالمدينة عند قبره أو أعظم. فهذه هي الحالة المحمودة المشروعة، وهي حال الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم القيامة. ولا يغرب عن أحد منهم أنه كان يزيد حبه وتعظيمه ودعاءه وثناؤه عند القبر. ولهذا لم يكونوا يأتونه؛ لأن قيامهم بما يجب من حقوق الرسول في جميع الأمكنة سواء. وقد نهي عن تخصيص القبر بذلك، وأن يتخذوه عيدا ومسجدا؛ لأنه مظنة أن يتخذ وثنا ويفضي إلى الشرك، ومظنة أن ينقص قيامهم بحقه في سائر البقاع إذا خصوا تلك البقعة بمزيد القيام. كما أن المشاعر لما خصت بالعبادات، فالمؤمن تجد إيمانه فيها أعظم من إيمانه في غيرها. والرسول صلى الله عليه وسلم حقه في جميع البقاع سواء، ولكن تتنوع حقوقه بحسب الأحوال. ولهذا إذا اعتبرت أحوال الناس، كان من يعظم الميت عند قبره مقصرا في حقوقه التي أمر بها في سائر البقاع بحسب ما زاد عند القبر. وهذا أمر مضطرد معروف من جميع أحوال الناس. ولما كان السابقون الأولون أقوم بحقوقه في جميع المواضع، كانوا أبعد الناس عن تخصيص القبر بشيء. والخلفاء الراشدون ونحوهم لما كانوا أقوم بحقوقه من غيرهم، لم يفعلوا ما فعله ابن عمر ونحوه. فأبوه عمر كان أقوم بحقه صلى الله عليه وسلم منه، وكان ينهى أن يقصد الصلاة في موضع صلى فيه، خلاف ما فعله ابنه عبد الله - مع فضله ودينه - رضي الله عنهم أجمعين. وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود هنا أن قول القائل: «من حرم السفر إلى زيارة قبره وسائر القبور، فقد جاهر الأنبياء بالعداوة وأظهر لهم العناد»، يستلزم أن يكون كذلك إمامه مالك، بل وإمام غيرهم من المسلمين. فإنه من أجل أئمة المسلمين، وهو أحد أئمتنا الكبار. فإن جميع أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة أئمة لنا، رضي الله عنهم أجمعين. فإنه قد صرح في هذا الباب بما يبطل قول هذا الجائل، أكثر من تصريح غيره. مر عندكم: «وصاحبها منحوس الحظ». عندي: «مبخوس الحظ». وصوابه: «هذا مبخوس الحظ». فهي عبارة أحسن. فعبارة «منحوس» فيها ما فيها من دم القدر. وفي هذا إشارة من المؤلف رحمه الله، يقول بقوله: «والخلفاء الراشدون ونحوهم» إلى أن ذكر: «وأبوه عمر كان أقوم بحقه صلى الله عليه وسلم، كان ينهى أن يقصد الصلاة في موضع صلى فيه». إشارة من الشيخ رحمه الله تعالى إلى أن ما ثبت عن ابن عمر هو ممن فرد به، لم يثبت عن الخلفاء الراشدين الأربعة، وهم الذين أمروا أو أمرنا بالابتداء بهم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي». زيادة بيان لذلك. والله أعلم. نسخة: «وهو الصواب». نسخة: «وهو الصواب». مفخوص: «وهو الصواب». ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.