تعليق - الرد على الأخنائي 22

تعليق - الرد على الأخنائي 22

الدرس في تعليق - الرد على الأخنائي 22، الدرس الثاني والعشرون : من :(وهؤلاء ظنوا أن زيارة قبر الميت مطلقاً ... لا حقيقة له في الخارج بخلاف القبر الذي جعله وثناً ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحذير من قياس زيارة قبر النبي على زيارة قبور المؤمنين وتوضيح أحكام الزيارة الخاصة

يناقش الشيخ ابن تيمية خطأ قياس زيارة قبر النبي على زيارة قبور المؤمنين، ويوضح أن زيارة قبر النبي لها أحكام خاصة بها. كما يبين أن تشريع زيارة قبره يخالف السنة والإجماع إذا قصد به التوسل أو غيره من البدع.

التحذير من الغلو في تعظيم النبي وزيارة قبره وبيان البدائل الشرعية

يتناول المقطع التحذير من الغلو في تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، ويبين أن تعظيمه يكون بطاعة أوامره واتباع سنته. كما يحذر من اتباع النصارى في غلوهم في المسيح عيسى عليه السلام.

تعظيم قبر النبي وسد ذرائع الشرك وبيان رحمة الله في حماية التوحيد

يشرح المؤلف كيف أن قبر النبي لم يتخذ وثنًا يعبد من دون الله، ويبين الفرق بين قبره وقبور الصالحين التي قد تتخذ أوثانًا. كما يوضح رحمة الله بأمته في حماية توحيدها.

الرد على المعترضين وتوضيح حقيقة الموحد

يرد الشيخ ابن تيمية على المعترضين، مبينا أنهم جاهلون بالدليل ومقاصد الشريعة. كما يبين حقيقة ما ينبغي أن يكون عليه الموحد من العلم والفهم لمقاصد الشريعة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام رحمه الله في رده على الأقناع: قالوا: هؤلاء ظنوا أن زيارة قبر الميت مطلقًا هو من باب الإكرام والتعظيم له، والرسول أحق بالإكرام والتعظيم من كل أحد، وظنوا أن ترك الزيارة له فيه تنقص لكرامته، فغلوا وخالفوا السنة وإجماع أئمة السلف والخلف. فقول النظير: وخالفوا الكتاب والسنة، وإجماع أئمة السلف والخلف، فقوله: النظير، يعني: تجعل نسقة. قالت: غلط. وخالفوا السنة وإجماع أئمة السلف والخلف، فقوله: النظير، قول من يقول: إذا كانت زيارة القبور يصل الزائر فيها إلى قبر المزور، فإن ذلك أبلغ في الدعاء له، وإن كان مقصوده دعاءه كما يقصده أهل البدع، فهو أبلغ في دعائه، فالرسول أولى أن نصل إلى قبره إذا زرناه. وقد ثبت بالتواتر وإجماع الأمة أن الرسول لا يشرع الوصول إلى قبره، لا للدعاء له ولا لدعائه، ولا لغير ذلك، بل غيره يصلى على قبره عند انقضاء السنة، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة. والصلاة على القبر، والصلاة على الجنازة تشرع مع القرب والمشاهدة، وهو بالإجماع لا يصلى على قبره، سواء كان للصلاة حد محدود أو كان يصلى على القبر مطلقًا. ولم يعرف أن أحدًا من الصحابة الغائبين لما قدم صلى على قبره صلى الله عليه وسلم. وزيارة القبور المشروعة هي مشروعة مع الوصول إلى القبر بمشاهدته، وهذه الزيارة غير مشروعة في حقه بالنص والإجماع، ولا هي أيضًا ممكنة. فتبين غلط هؤلاء الذين قاسوا زيارة قبره على زيارة قبور المؤمنين، وهذا من باب القياس الفاسد. ومن قاس قياس الأولى ولم يعلم ما اختص به كل واحد من المقيس والمقيس به، كان قياسه من جنس قياس المشركين الذين كانوا يقيسون الميتة على المذكى، ويقولون للمسلمين: أتأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾. وكذلك لما أخبر الله أن الأصنام التي تعبد هي وعابدها حصب جهنم، قاس ابن الزبعري قبل أن يسلم هو وغيره من المشركين عيسى بها، وقالوا: فيجب أن يعذب عيسى. قال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وبين تعالى الفرق بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾. بين أن من كان صالحًا نبيًا أو غير نبي لم يعذب، لأنه من أشرك به وعبده وهو بريء من إشراكهم به. وأما الأصنام فهي حجارة تجعل حصبًا للنار. وقد قيل: إنها من الحجارة التي قال الله: ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾. وبسط هذا له موضع آخر. والمفصول هنا أن يعرف أن ما بغت به سنته، وكان عليه سلف الأمة وأصحابه وأهل العلم بالمدينة، تركه من زيارة قبره، أتم في القيام بحق الله وحق رسوله، فهو أتم وأفضل وأحسن مما يفعل مع غيره، وهو أعظم في حق الله وتوحيده. أما كونه أتم في حق الله، فلأن حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، كما ثبت ذلك في الصحيحين عن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم. ويدخل في العبادة جميع خصائص الرب، فلا يتقى غيره، ولا يخاف غيره، ولا يتوكل على غيره، ولا يدعى غيره، ولا يصلى لغيره، ولا يصام لغيره، ولا يتصدق إلا له، ولا يحج إلا له، إلا بيته. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾. فجعل الطاعة لله والرسول، وجعل الخشية والتقوى لله وحده. وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾. وجعل الإيتاء لله والرسول، كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. وجعل التوكل والرغبة إلى الله وحده. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾. وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾. وقال تعالى: ﴿فَدَعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾. وقال تعالى: ﴿فَرَدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾. إلى قوله، لمن أذن له. وهذا باب واسع. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله». وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، قال: «هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون». فهم لا يطلبون من غيرهم أن يرقيهم، والرقية دعاء، فكيف بما هو أبلغ من ذلك؟ ومعلوم أنه لو اتخذ قبره عيدًا ومسجدًا ومثابة، وصلى الناس إليه، وتضرعوا إليه، وسألوه، وترنطوا عليه، واستغاثوا، واستجاروا به، وربما سجدوا له وطافوا به، وصاروا يحجون إليه، وهذه كلها من حقوق الله وحده، لا يشرك فيها مخلوق، فكان من حكمة الله أن يرفعه في حجرته، ومنع الناس من مشاهدة قبره، والاعتكاف عليه، وزيارة له، ونحو ذلك، لتحقيق توحيد الله وعبادته وحده، لا شريك له، وإخلاص الدين لله. وأما قبور أهل البقيع ونحوهم من المؤمنين، فلا يجعل ذلك عندها. وإذا قدر أن ذلك فعل عندها، منع من يفعل ذلك، وهجب ما يتقى عليه، كمساجد الضرار، وإن لم تزن الفتنة إلا بتعطيل قبره وتعميته، فعل ذلك كما فعله الصحابة بأمر عمر، كقبر دانيال. وأما كان ذلك أعظم لقدره، وأعلى لدرجته، فلأجل مفصود المشروع بزيارة قبور المؤمنين، كأهل البقيع، وشهداء أحد، فالدعاء لهم كما كان هو يفعل ذلك إذا زارهم، وكما سن لأمته، فلو سن لأمته أن يزوروا قبره للصلاة عليه، والسلام عليه، والدعاء له، كما كان مع أهل المدينة يفعل ذلك أحيانًا. وبين مالك أنه لم يبنوه عن صدر هذه الأمة، ولا عمال العلم بالمدينة، وأنه مكروه. فإنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. لكن لكان بعض الناس يزوره، فإنه لن يزوره إلا أعدائه، أو سيتبين المعنى، فإنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. ثم لتعظيمه في القلوب، وعلم القدر بأنه أفضل الرسل وأعظمهم، وأنه أوجه الشفعاء إلى ربه، يدعو الناس إلى أن يطلبوا منه حاجاتهم وأغراضهم، ويعرضوا عن حقه الذي هو له، من الصلاة والسلام عليه، والدعاء له. فإن الناس مع ربهم كذلك، إلا من أنعم الله عليه بحقيقة الإيمان، إنما يعظمون الله عند ضرورتهم إليه، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾. فنظائر هذا في القرآن متعددة، إذا كانوا إلا من شاء الله، إنما يعظمون ربهم ويخافونه ويذكرونه عند ضرورتهم لأغراضهم، ولا يعرفونه، حتى إذا خلصهم، فلا يحبونه، ولا يعبدونه، ولا يشكرونه، ولا يطيعونه بطاعته. كيف يكونون مع المخلوق؟ فهيجرون بالأمور الصالحين أغراضهم، وذلك مقدم عندهم على حقوق الأنبياء والصالحين. فإذا أرادوا أن في زيارة قبر نبي أو صالح تحصيل أغراضهم بسؤاله ودعائه، وإعانته وشفاعته، أعرضوا عن حقه، واستغلوا بأغراضهم، كما هو الموجود في عامة الذين يحجون إلى القبور المعظمة، ويقصدونها لطلب الحوائج. فلو أذن الرسول لهم في زيارة قبره، ومتنهم من ذلك، لأعرضوا عن حق الله الذي يستحقه من عبادته وحده، وعن حق الرسول الذي يستحقه من الصلاة والسلام عليه، ودعاء له، بل ومن جعله واسطة بينهم وبين الله في تبليغ أمره، وناهيه، وخبره. فكانوا يضمون حق الله وحق الرسول، كما فعلت النصارى. فإنهم غلوا في المسيح، تركوا حق الله من عبادته وحده، وتركوا حق المسيح، فهم لا يقومون بحق رسالته، فينظرون ما أمر به، وما أخبر به، لا يشتغلون بالشرك به، وبغيره، وطلب حوائجهم من من يستشفعون به من الملائكة والأنبياء والصالحين، عما يجب من حقوقهم. وأيضًا: فإن نظرة الصلاة والسلام عليه، والدعاء له عند قبره، أفضل منها في غير تلك البقعة، كما قد يكون الدعاء له عند قبره أفضل. لكانوا يخصون تلك البقعة بزيادة الدعاء له، وإذا غابوا عنها، تنقص صلاتهم وسلامهم ودعاؤهم له. فإن الإنسان لا يشتغل في الدعاء في المكان المفضل، فما يشتغل فيه في المكان الفاضل. وهم قد أمروا أن يقوموا بحق الرسول في كل مكان، وأن لا يكون البعيد عن قبره أنقص إيمانًا، وقيامًا بحقه، بأن يجاور قبره. وقال آخر لهم صلى الله عليه وسلم: «لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا علي حيث كنتم، فإن صلاتكم تبلغني». وقد شرع لهم أن يصلوا عليه، ويسألوا له الوسيلة إذا سمعوا المؤذن، حيث كانوا، وأن يسلموا عليه في كل صلاة، ويسلموا عليه إذا دخلوا المسجد، وإذا خرجوا منه. فهذا الذي أمروا به عام في كل مكان، وهو يجب من القيام بحقه، ورفع درجته، وإعلاء منزلته، ما لا يحصل لو جعل ذلك عند قبره أفضل، ولا إذا سوى بين قبره وقبر غيره. بل إن ما يحصل تمال حقه مع حق ربه، بفعل ما شرعه لما شرعه، وسمع لأمته من واجب ومستحب. وهو أن يقوموا بحق الله، ثم بحق رسوله، حيث كانوا، بالمحبة والموالاة، والطاعة، وغير ذلك من الصلاة والسلام والدعاء، وغير ذلك. وما قصدوا تخصيص القبر لما يفضي إليه ذلك من ترك حق الله وحق رسوله. فهذا وغيره مما يبين أن مانه عنه الناس، ومنعوا منه، وكان السلف ما يفعلونه من زيارة قبره، وإن كانت زيارة قبره غير مستحبة، فهو أعظم لقدره، وأرفع لعبادته، وأعلى في منزلته، وإن ذلك أقوم بحق الله، وأتم وأكمل في عبادته وحده، لا شريك له، وإخلاص الدين له. وفي ذلك تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله. وإن هذا البدع الذين فعلوا ما لم يشرعه، بل ما نهى عنه، وخالفوا الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فاستحبوا ما كان أولئك يكرهونه ويمنعون منه، هم مضاهؤون للنصارى. وإنهم نقصوا من تحقيق الإيمان بالله وبرسوله، والقيام بحق الله وحق رسوله، بقدر ما دخلوا فيه من البدع التي ظاهروا بها النصارى. هذا والله أعلم. وأنه إذا أطيع أمره، واتبع سنته، كان له من الأجر مثل أجر من أطاع واتبع سنته، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا». وقوله: «من سن سنة حسنة، كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة». وأما البدع التي لم يشرعها، بل نهى عنها، وإن كانت متضمنة للغلو فيه، والشرك به، والإطراء له، كما فعلت النصارى، فإنه لا يحصل بها أجر لمن عمل بها، فلا يكون للرسول فيها منفعة، بل صاحبها إن عجز كان ظالمًا، لا أجر له فيها، وإن قامت عليه الحجة استحق العذاب. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله». فإن قال: يا أولئك الذين قاسوا زيارة قبله على زيارة سائر القبور، إن الناس منعوا من الوصول إليه، تعظيمًا لقدره، وجعل سلامهم وخطابهم له من الحجرة، لأن ذلك أبلغ في الأدب والتعظيم. قيل: فهذا يجب الفرق. فإن الزيارة المشروعة، إن كان مفصولها الدعاء له، فكون ذلك قريبًا من الحجرة أفضل منه في سائر المساجد والبقاع، فالذي يدعو له داخل الحجرة أقرب، وإن كان القرب مستحبًا، وكلما كان أقرب كان أفضل، كسائر القبور. وإن كان مفصولها ما يقوله أهل الشرك والضلال، من دعائه ودعوته، فالقرب منه أولى، فينبغي أن يكون من داخل الحجرة أولى. ولما ثبت بالنص والإجماع أن هذا القرب من القبر ممنوع منه، وهو أيضًا غير مقدور عليه، علم أن القرب من ذلك ليس بمستحب، بخلاف زيارة قبر غيره، والصلاة على قبره. فإن القرب منه مستحب، إذا لم يفض إلى مفسدة من شرك أو بدعة أو نياحة. فإن أفضل إلى ذلك منع من ذلك. ومن يذبح هذا أن الشخص الذي يقصد أتباعه زيارة قبره، يجعلون قبره بحيث يمكن زيارته، فيكون له باب يدخل منه إلى القبر، ويجعل عند القبر مكان للزهر، بحيث يتمكن من يزوره من القعود فيه. ومن اتخذه مسجدًا، جعل عنده محرابًا، أو قريبًا منه. وإذا كان الباب مغلقًا، جعل له شباك على الطريق، ليراه الناس فيدعونه. وقبر النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف هذا كله، لم يجعل للزوار طريق إليه بوجه من الوجوه، ولا جعل القبر في مكان كبير يسع الزوار، ولا جعل للمكان شباك يرى منه القبر. بل منع الناس من الوصول إليه، والمشاهدة. ومن أعظم ما من الله به على رسوله، وعلى أمته، واستجاب فيه دعاءه، أن دفن في بيته بجانب مسجده، فلا يقدر أحد أن يصلي إلا إلى المسجد، والعبادة المشروعة في المسجد معروفة. بخلاف ما لو كان قبره منفردًا عن المسجد، والمسافر إليه إنما يسافر إلى المسجد. وإذا سمي هذا زيارة لقبره، فهو اسم لا مسمى له، إنما هو إتيان إلى مسجده. ولهذا لم يطلق السلف هذا اللفظ، ولا عند قبره قناديل معلقة، ولا سُتور مسبلة. بل إنما تعلق القناديل في المسجد المؤسس على التقوى، ولا يقدر أحد أن يلصق نفس قبره بزعفران، أو غيره من الخلطات، ولا ينذر له زيتًا، ولا شمعًا، ولا سترًا، ولا غير ذلك مما ينذر بقبر غيره. وإن كان فعل شيء من ذلك في ظاهر الحجرة، أو كان في بعض الأحوال، فستر بعض الناس الحجرة، أو خلطها بعضهم بزعفران، فهذا إنما هو للحائط الذي يلي المسجد، لا من باطن الحجرة والقبر، كما يفعل بقبر غيره. فعلم أن الله سبحانه استجاب دعاءه، حيث قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا». وإن كان كثير من الناس يريدون أن يجعلوه وطنًا، ويعتقدون أن ذلك تعظيم له، كما يريدون ذلك، ويعتقدونه في قبر غيره، فهم لا يتمكنون بذلك. بل هذا القصد والاعتقاد صيال في أنفسهم، لا حقيقة له في الخارج، بخلاف القبر الذي جعل وثنًا. وهذا كلام أن المؤلف رحمه الله تعالى، اجتمع فيه معانٍ سبق ذكرها بالجملة، ولكنه رحمه الله تعالى يؤكدها تأكيدًا لبيان خطأ المعترض من جهة الدليل، ومن جهة التعليل، ومن جهة الأخذ بمنهج وفهم السلف الصالح. وكذلك الغاية العظيمة التي جعلت في هذه الشريعة، وهي من سد ذرائع الشرك المفضية إلى عبادة غير الله سبحانه وتعالى. وقد تضمن ذلك أمورًا كلها ظاهرة، أولها ما أشار إليه من أنه قد ثبت بالتواتر والإجماع أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يشرع الوصول إلى قبره، يعني لعين القبر، لا للدعاء له، ولا للدعاء منه. فهذا هو فهم السلف إذا تابعت عليه الأمة. فإذا كان كذلك، انتقل إلى الأمر الثاني، وهو أن هذا ما كان إلا حماية لحمى التوحيد، وصيانة أن يقع الغلو في قبره عليه الصلاة والسلام، كما وقع في اليهود والنصارى. ثم انتقل بعد ذلك إلى معنى الفرق بين قبره وسائر قبور الناس، وأن قبور الناس ليست كقبره، بل تعظيمه عليه الصلاة والسلام بالقيام بالعبودية لله، وكمال المتابعة لرسوله، ومن ذلك أن يجنب قبره عليه الصلاة والسلام ما يفعل بسائر القبور. فهذا هو تمام التعظيم له، أولًا من جهة الانقياد للأدلة، وفهم سلف الأمة وإجماعها، وثانيًا سدًا لذريعة الشرك، وثالثًا ما في ذلك من عدم إنقاص حقه عليه الصلاة والسلام، فإن حقه يجب أن يكون واحدًا ثابتًا عند القرب منه، وعند البعد منه. وهذا لا يمكن إلا بهذا المعنى الذي أشار إليه رحمه الله. فإذا لم يكن كذلك، فإن ذلك معنى أنه يقع في قلوب الزائرين المقتربين من زيادة القيام بحقه وحبه، ما لا يكون عند البعد عنه، والمطلوب هو استواء ذلك عند البعد والقرب. وهذا هو فقه الشريعة. ولهذا أشار رحمه الله إلى حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «وصلوا علي حيث كنتم، فإن صلاتكم تبلغني». وهذا معناه أن المنزل والحق إن بغن يكون واحدًا. وأشار بضمن ذلك إلى قصة قبر دانيال، وهو الذي روي عن أبي العالية أنه قال: لما فتحنا تستر، وجدنا بيت الهرمزان، وجدنا في بيت الهرمزان سريرًا عليه رجل من العرب ميت، عند رأسه مصحف، فأخذنا المصحف، فحملناه إلى عمر. قصة وهي قصة صحيحة، صححها غير واحد من الحفاظ، منهم ابن كثير رحمه الله تعالى، بالبداية والنهاية، وهكذا في كتابه قصص الأنبياء. وأشار الشيخ العلامة الألباني رحمه الله إلى صحة هذه القصة في رسالته فضائل الشام ودمشق. والمراد من ذلك بيان أن فهم السلف لسد ذريعة الشرك والافتتان بالصالحين، كان غاية في الامتثال والتطبيق للنصوص الشرعية. فكيف لا يفعل مثل ذلك مع النبي عليه الصلاة والسلام، مع العلم أن أكثر الذين يشدون الرحل، هم إنما يقصدون بذلك التعظيم الذي هو غلو، ليس التعظيم الشرعي. إذا كان كذلك، كان من فقه الفتوى أن يمنع من أراد مثل هذه الزيارة، ولو كان مشروعًا، فضلًا إذا كان غير مشروع. فإنه من باب أولى أنه ينبغي أن يمنع ذلك. ثم أبان رحمه الله تعالى أن هذا الباب الناس فيه على طريقين، إما أن يكون ممن سن سنة حسنة، بالانقياد للأدلة، والاستجابة لإجماع الأمة، والعمل بمقصد الشريعة. وإما أن يكون ممن سن سنة سيئة، بما كان من مخالفة الأدلة، وعدم المبالاة بالإجماع، وعدم النظر إلى مقاصد الشريعة، فيقع في باب الغلو في الصالحين، وأعظم من ذلك في الأنبياء، وفي النبي الكريم عليه الصلاة والسلام. وأشار إلى حديث أبي هريرة الذي رواه مسلم: «من دعا إلى هدى، ومن سن سنة حسنة». وحديث عمر: «لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح». ثم أخيرًا بين رحمه الله تعالى أن من رحمة الله عز وجل بعباده، ومن عظيم منته أن الله عز وجل استجاب دعاء نبيه عليه الصلاة والسلام. فما من مسلم إلا ويرى الفرق بين قبره عليه الصلاة والسلام، وقبور سائر الصالحين، أو الكثير من الصالحين. وإن قبره لم يتخذ وثنًا يعبد من دون الله، كما ذاك الرحمة الله. وأبان في الفروق بين قبور الصالحين، بينما قبور كثير من الصالحين اتخذت أوثانًا تعبد من دون الله. ففي ميزان أهل العلم والمعرفة، أن الكمال والتعظيم للنبي عليه الصلاة والسلام، هو ما اختاره الله له قدرًا، وما أراده رسول الله صلى الله عليه وسلم شرعًا، ألا يتخذ قبره وثنًا. وأما في ميزان أهل الجهل والشرك والغلو، فهم يرون أن التعظيم وقع في تلك القبور التي تعبد من دون الله، بالستور المرفوعة، والعطور المنتورة، والزيت والشمع الموقود، وغير ذلك من مظاهر الغلو. وكذلك العبادة لتلك القبور التي صارت أوثانًا، فهم لهذا يرون أن قبر النبي عليه الصلاة والسلام ما أعطي حقه، إذ يرون التعظيم في عبادته من دون الله سبحانه وتعالى. والأمر ليس كذلك. فأبان رحمه الله تعالى أن المعترض في الحقيقة جاهل بالدليل والتعليل، وإجماع العلماء، ومقاصد الشريعة، وفقه الفتوى، وحقيقة ما ينبغي أن يكون عليه الموحد الذي عرف طريق التوحيد، وسبيل السنة.