شرح حائية ابن أبي داود 6

شرح حائية ابن أبي داود 6

الدرس في شرح حائية ابن أبي داود 6، الدرس السادس : وفيه الثلاثة الأبيات (وقل يتجلى الله للخلق جهرة ... بمصداق ما قلنا حديث مصرح ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في شرح أبيات حول رؤية الله جل وعلا

يبدأ الشيخ بشرح أبيات من كتاب حول رؤية الله جل وعلا، موضحًا معنى تجلي الله وتشبيه رؤيته برؤية البدر مع نفي التشابه بين الله وخلقه.

الرد على المعطلة والمشبهة في مسألة الرؤية

يرد الشيخ على المعطلة والمشبهة والممثلة، مؤكدًا أن رؤية الله لا تعني المماثلة مع المخلوقات، وأن الله منزه عن الشبيه والمماثل.

إثبات رؤية الله يوم القيامة والرد على المعترضين

يثبت الشيخ رؤية الله يوم القيامة مستندًا للأحاديث النبوية، ويرد على المعترضين مثل الجهمية مستدلًا على أن "لن" لا تفيد التأبيد.

تفصيل رؤية الله في الدنيا والآخرة وفقًا لأهل السنة

يشرح المقطع اعتقاد أهل السنة والجماعة بأن الله لا يُرى في الدنيا لكن يُرى في الآخرة، ويستدل على ذلك بقصة موسى عليه السلام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. وقل يتجلى الله للخلق جهرة كما البدر لا يقفى، وربك أوضح، وليس بمولود وليس لوالد، وليس له شبه تعالى المسبح. هذا خطأ، الصواب بالباء: أشهد عندكم بالباء، لحد مع الكتاب، طيب. قالوا: غدًا ينكر الجهمي هذا، وعندنا بمصدق ما قلنا، حديث مصرح، رواه جريل عن مقال محمد. فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجح. مر معنا في الدرس الماضي أن المؤلف رحمه الله انتقل من مبحث القرآن إلى مبحث الرؤية، وأن أهل السنة والجماعة كذلك يؤمنون بما أثبتته أدلة الكتاب والسنة، ومن ذلك رؤية الله جل وعلا. وبهذا قال رحمه الله: قل يتجلى الله للخلق جهرة، فمر معنا أن جهرة أراد بها حقيقة، أي رؤية حقيقية لا تنافي جلال الله جل وعلا وعظمته. وأنه قال: كما البدر لا يخفى، وربك أوضح. هذا تشبيه دل عليه كذلك الدليل، لم يأت به المؤلف رحمه الله من رأسه، وإنما جاء ذلك في حديث رواه جرير بن عبد الله البجلي، وجاء عن غيره. والمراد من هذا التشبيه هو تشبيه الرؤية بالرؤية، ليس المرئي بالمرئي، وإنما كيفية الرؤية بكيفية الرؤية، هذا المراد. ثم قال رحمه الله: وليس بمولود وليس لوالد وليس له شبه تعالى المسبح. وأراد بهذا البيت دفع إيهام التشبيه الذي بسببه عطل من عطل من المعطلة ما دلت عليه الأدلة الشرعية، فإنهم ظنوا أن اعتقاد ثبوت الرؤية يقتضي المشابهة والمماثلة. فلهذا قال: وليس بمولود وليس لوالد، أي أن الله جل وعلا لا هو بمولود ولا بوالد، لأنه لم يكن له كفوا أحد، كما قال سبحانه: ﴿قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد﴾. وهذا كالتعليل، يعني إذا كان الله جل وعلا أحد، فرد صمد، وأنه لم يلد ولم يولد، فإن ذلك يستلزم أنه ليس كمثله شيء سبحانه. ولهذا قال بآخره: وليس له شبه تعالى المسبح. وهذا هو المراد، المراد نفي المشابهة لله جل وعلا، فلا يشبه شيء من خلقه ولا يشبه شيئًا من خلقه، سبحانه: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾. وكما قال سبحانه هنا: لم يقل له كفوًا أحد. وكما قال جل وعلا: «فلا تجعل لله أندادًا»، وأنتم تعلمون: «فلن تضرب لله الأمثال»، ونحوها من الآيات. هل تعلم له سميا؟ ليس لله جل وعلا نظير ولا سمي ولا مثل ولا ند، فهو سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فأراد بهذا كما قلنا أولًا أن ينفي شبهة التمثيل والتشبيه التي لأجلها وقع من وقع من المعطلة، فإن من نفى هذه الصفة وغيرها من الصفات إنما كان ذلك بسبب ظن التشبيه التمثيل. والثاني أراد بهذا كذلك الرد على طائفة أخرى من الممثلين ومن المشبهة الذين ظنوا أن ذلك يقتضي رؤية تكون فيها معنى المماثلة والمشابهة. والله جل وعلا أمر عظيم ليس كمثله شيء سبحانه. ولهذا قال: وليس له شبه تعالى المسبح، أي تنزه جل وعلا، المسبح أي الذي يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض، وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم. فهو المسبح جل وعلا، وهذا يقتضي عدم مشابهته سبحانه لخلقه وعدم مشابهة خلقه له جل وعلا. فهذا به رد على المعطلة، ورد كذلك للمشبهة والممثلة. وعلاقة هذا الرد بهاتين الطائفتين لأن هذا المبحث وغيره من المباحث الأخرى كان للناس فيه ضلال من هذا الجانب، من التعطيل الذي سببه التمثيل والتشبيه، ومن جانب اعتقاد الظاهر الذي يظنون أن معنى المشابهة والمماثلة، وهذا ليس بصحيح. فإن الظاهر لا يدل على ذلك، كون أن الله جل وعلا يرى رؤية حقيقية، ليس معناه أنه يرى على هيئة كهيئة المخلوقات. وهكذا كذلك الأمر الثالث، أنه ناسب أن يذكر هذا هنا، لأن المقام مقام تصور، قد يقول قائل: إذا كان الله جل وعلا يرى، فعلى أي شيء سيرى؟ والجواب أنه ينبغي أن يكون في قلب كل مؤمن ومسلم، والخطاب كما قلنا هنا للسلف السلفي، أنه ليس كمثل الله جل وعلا شيء، حتى تتصور أن لله رؤية بمعنى من المعاني الموجودة التي تعهد وتعرفها، لا، بل الله جل وعلا عظيم وشأن الله ليس كشأن خلقه، ولا شأن الخلق شأن الله. فإذا كان كذلك، فلا تجعل في نفسك تصورًا، لا تصور على مثال عهدته، ولا تصور كذلك على شيء مما يتصوره الذهن، فكل ذلك لا يمكن أن يكون لله جل وعلا، فهو محال، لأنه سبحانه ليس كمثله شيء. واذكر أن العلماء قالوا: بأن الشيء يتصور بأحد شيئين: برؤية سابقة له، أو برؤية مماثلة ونظيره، وما لم يكن كذلك فلا يمكن أن يتصور. وهذه حقيقة، لأننا لم نعرف، لم نعرف مماثل لله عز وجل، الله سبحانه يقول: ﴿ليس كمثله شيء﴾، ولا كذلك مكافئ أو شيء مقارب. فإذا كان الأمر كذلك، وجب التوقف في التصورات. وهذا مراد المؤلف رحمه الله للسلف، ففيه إذن رد على ثلاث طوائف: المعطلة والمشبهة والسلف أن يتوقف في أي تصور، لا يقع في أي تصور من التصورات، بل يؤمن بذلك إيمانًا ثبوتًا، ويمرره كما جاء من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكيف ولا تمثيل. لا يحرف ولا يعطل ولا يكيف ولا يمثل، لا يجعل كيفية معينة ولا مثال معين، بل يمرره كما جاء، كما كان السلف رحمه الله وتعالى يقولون. قال رحمه الله: «قد ينكر الجهمي هذا، وعندنا بمصدق ما قلنا، حديث مصرح، رواه جريل عن مقال محمد». وهو جريل بن عبد الله البجلي، قال عن مقال محمد، أي نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا أهل السنة، كل علم عندهم مسند. فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجح، إذن إذا ثبت هذا عن النبي عليه الصلاة والسلام، فالواجب علينا أن نثبته كما ثبت. فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجح. قوله عليه الصلاة والسلام: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر، لا تضامون في رؤيته». وفي رواية: «لا تضامون في رؤيته»، أي لا تزدحمون في رؤيته، ولا يغطي عليكم غمام ولا سحاب في رؤيته، بل رؤية واضحة لا تضامون في رؤيته. وهل هذا إلا لإثبات الرؤية الحقيقية أم لإثبات الرؤية القلبية؟ الجواب: هذا واضح جدًا في أن المراد إثبات الرؤية الحقيقية، رؤية البصر. ومر معنا في الرواية التي وردت في صحيح البخاري: «إنكم سترون ربكم عيانًا». وهذا فيه إثبات رؤية حقيقية بالعين. لهذا قال: فقل مثل ما قد قال في ذاك تنجح، إذا تريد النجاح، فقل بمثل ما قد قال النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا ما لا يستطيع أن يقول به المعطلة من الجهمية بكافة فرقهم. هذا هو نهاية مبحث الرؤية، وبه نكتفي. فيه شيء آخر من البخاري، نعم. البخاري. ها نحن ما تعرضنا لمسألة شبه المعطلة بهذا المبحث، وهي كثيرة، لكن يكفينا إثبات ما ثبتته وما تعرض إليه المؤلف، ما ثبتته أدلة الكتاب والسنة، وما تعرض إليه المؤلف في هذه الأبيات. وأما قول المعطلة والذين المعتزلة ومن نحا نحوه، الاستدلال بقول الله جل وعلا: ﴿لن تراني﴾، فلن لا تفيد التأبيد. لن في اللغة لا تفيد التأبيد، بل تفيد نفي ثبوت الفعل أو الوصف المنفي للمستقبل، لكن ليس المستقبل المؤبد. ولهذا أدلة ذكرها أهل العلم، فمن ذلك قول الله جل وعلا عن المنافقين والمشركين: أنهم لن يتمنوا الموت، ﴿لن يتمنوه أبدًا﴾، ومع ذلك ماذا يقولون يوم القيامة؟ «يا مالك ليفضي علينا ربك»، لتمنوا الموت. فإذا لن لا تفيد التأبيد، لن لا تفيد التأبيد. وهذه مسألة مهمة ينبغي أن نعرفها، وهي أن الواجب على المسلم أن يثبت ما أثبتته الأدلة من الكتاب والسنة جملة وتفصيلًا، فلا يعارض الدليل الخاص بالدليل العام المجمل. فمثلًا هؤلاء بماذا استدلوا؟ استدلوا بدليل عام مجمل ليعارضوا به أدلة خاصة كثيرة جدًا من الكتاب ومن السنة فيها إثبات الرؤية، وهم يذهبون إلى الأدلة البعيدة ويريدون أن ينفوا الرؤية. ماذا تقول بهذه الأدلة الخاصة؟ هذه أدلة لا تعد ولا تحصى، كثيرة تذهب تقول: لن تراني. نعم، أهل السنة والجماعة يثبتون أن الرؤية لن تكون في الدنيا، وهذا الذي وقع لموسى عليه الصلاة والسلام، فإنه أراد أن يرى الله جل وعلا في الدنيا تصعق. أما في الآخرة فإنه سيرى سبحانه وتعالى، وبهذا تجتمع الأدلة. هذا خلاصة ما ينتهي بهذا الحظ، والحمد لله رب العالمين، الله رب العالمين.