الدرس في الصحيح المسند من دلائل النبوة 31، الدرس الحادي والثلاثون:من( إسلام طائفة من الجن ... فنهى عند ذلك عن الخلوة هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري ولم يخرجاه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث عن إسلام طائفة من الجن ودعوتهم لقومهم للإيمان، ويذكر روايات حول عبادة الإنس للجن. يبين أن إسلام الجن كان نتيجة استماعهم للقرآن.
يفسر أحاديث نبوية تثبت إسلام بعض الجن وتعتبر دليلاً على نبوته صلى الله عليه وسلم، ويناقش مسائل تتعلق بطبيعة الجن وتكليفهم.
يشرح حديث النبي حول يأس الشيطان من عبادة المصلين، ويتطرق إلى قدرة الجن على التلبس بصور مختلفة وحكم قتل الحيات، ويبين حكم صيام أيام معينة مثل مولد النبي.
يذكر أن إذا مات شخص وعليه صيام، يجوز لوليه أن يصوم عنه، وهو الأفضل كما جاء في رسالة شيخنا محمد بن صالح "الإبداع في خطر الابتداع".
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا أبو عبد الرحمن مقبل: من هذه الوادع، رحمه الله تعالى، في كتابه «الصحيح المسند من دلائل النبوة»، قال: إسلام طائفة من الجن. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. قال: وقال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾. قال: قال الإمام مسلم، رحمه الله تعالى: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن نبي معمر، عن عبد الله، في قوله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾، قال: كان نفر من الجن أسلموا، فبقي الذين كانوا يعبدون على عبادتهم. وقد أسلم النفر من الجن، والمعنى: أن من كان يشرك بهم أسلموا، ومن كان يشرك لم يسلموا. قال: حدثني أبو بكر، قال: حدثني أبو بكر بن نافع العبدي، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن نبي معمر، عن عبد الله، في قوله جل وعلا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، قال: كان نفر من الإنس يعبدون نفرا من الجن، فأسلم النفر من الجن، واستمسك الإنس بعبادتهم، فنزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾. قال: وحدثنيه بشر بن خالد، قال: أخبرنا محمد -يعني ابن جعفر-، عن شعبة، عن سليمان، بهذا الإسناد. قال: وحدثني حجاج بن الشاعر، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا حسين، عن قتادة، عن عبد الله بن معبد الزمان، عن عبد الله بن عتبة، عن عبد الله بن مسعود، في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾، قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون، فنزلت: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾. الحديث أخرجه البخاري مختصرا. قال: قال الإمام مسلم، رحمه الله: وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمر بن سرح، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، قال: أخبرني مالك بن أنس، عن صيفي -وهو عندنا مولى بن أفلح-، قال: أخبرني أبو السائب مولى هشام بن زهرة: أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال: فوجدته يصلي، فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكا في عراجين في ناحية البيت، فالتفت، فإذا حية، فوثبت لأقتلها. فأشار إلي أن أجلس. قال: فلما انصرف، أشار إلى بيت في الدار، فقال: «أترى هذا البيت؟»، قلت: نعم، قال: «كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس». قال: فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنصاف النهار، فيرجع إلى أهله. فاستأذنه يوما، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خذ عليك سلاحك، فإني أخشى عليك قريظة». قال: فأخذ الرجل سلاحه، ثم رجع، فإذا امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به، وأصابته غيرة. فقالت له: أكفف عليك رمحك، وادخل البيت حتى تنظر من الذي أخرجني. قال: فدخل، فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى إليها بالرمح، فانتظمها به، ثم خرج، فركزه في الدار، فضربت عليه، فما يدرى أيهما كان أسرع موتا: الحية أم الفتى. قال: فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرنا ذلك له، وقلنا: «ادع الله يحييه لنا». فقال: «استغفروا لصاحبكم». ثم قال: «إن بالمدينة جنا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثا، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان». قال: وحدثني محمد بن رافع، قال: حدثنا وهب بن جرير بن حازم، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت أسماء بن عبيد: حدثوا عن رجل يقال له السائب -وهو عندنا أبو السائب-، قال: دخلنا على أبي سعيد الخدري، فبينما نحن جلوس، إذ سمعنا تحت سرير حركة، فنظرنا، فإذا حية. وساق الحديث في قصته نحو حديث مالك، عن صيفي. قال: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم شيئا منها فحرجوا عليها ثلاثا، فإن ذهب وإلا فاقتلوه، فإنه كافر». وقال لهم: «اذهبوا فادفنوا صاحبكم». قال: وحدثنا زهير بن حرب، قال: حدثنا يحيى بن سعيد بن عجلان، قال: حدثني صيفي، عن ابن السائب، عن أبي سعيد الخدري، قال: سمعته، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بالمدينة نفرا من الجن قد أسلموا، فمن رأى شيئا من هذه العوامر فليؤذنه ثلاثا، فإن بدا له بعد فليقتله، فإنه شيطان». قال الإمام أبو عبد الله الحاكم، رحمه الله: قال: حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد العنبري، وأبو بكر محمد بن جعفر المزكي، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العبدي، قال: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي، قال: حدثنا عبيد الله بن عمر الرقي، عن عبد الكريم، عن عكرمة، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: خرج رجل من خيبر، فتبعه رجلان، ورجل يتلوهما، يقول: «ارجعا» حتى أدركهما، فردهما، ثم قال: «إن هذين شيطانان». فقرىء على رسول الله صلى الله عليه وسلم السلام، وأعلمه أن في جمع صدقاتنا لو كانت تصلح له لبعثنا بها إليه. قال: فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم، حدثه، فنهى عند ذلك عن الخلوة. قال: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط البخاري، ولم يخرجاه. أورد شيخنا، رحمه الله، هذه الآيات والأحاديث في هذا الفصل ليستدل بها، رحمه الله، أن من دلائل النبوة إسلام طائفة من الجن. وهذا إن دل على شيء، دل على صدق رسالته ونبوته، عليه الصلاة والسلام، كما أخبر عن هذا المعنى القرآن في آيات، وهكذا كذلك الأحاديث عن النبي، عليه الصلاة والسلام، وفي حضور وشهود الصحابة، رضي الله تعالى عنهم. وهذه الأحاديث فيها مسائل كثيرة، من أهمها: أولا، ما أراد أن يشير إليه الشيخ، رحمه الله، وهو أن في هذا دليل على صدق رسالته ونبوته، عليه الصلاة والسلام. وفيه ثانيا: أن الجن كالناس، منهم الصالح ومنهم غير ذلك، كما دلت على ذلك أدلة الكتاب والسنة. وهذا الذي بين أيدينا من ذلك الكثير. وإذا كان كذلك، فدل على أنهم مكلفون، وأن صالحهم كصالح الإنس، ومن كان غير ذلك كحال من كان مثله من الإنس. وإذا كانوا كذلك، فإنهم مخلوقون، لا يلجأ إليهم كما أن المخلوق من الإنس لا يلجأ إليه إلا فيما يقدر عليه. وهل يجوز الاستعانة بالجن من الإنس؟ فيما يقدر عليه الإنس، أجاز بعض أهل العلم ذلك، ومنع بعضهم ذلك، سدا لذريعة الشرك، لأن الجن لا يعلم صدقهم من كذبهم، وهم أهل عالم مجهول، وذرائع الشرك والكفر والسوء والشر منهم أكثر من الخير. فلذلك كان الصواب هو المنع من الاستعانة بهم، وأن الاستعانة بهم محرمة، لا تجوز، لما يفضي إلى ذلك من ضرر على دين ودنيا الناس. وهكذا كذلك في هذا الحديث من المسائل: هذا الخبر من إسلام أولئك الجن الذين أسلموا، ونزل فيهم القرآن. وفيه: أن من الشرك والكفر عبادة الجن. وقد كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فكذلك إذا عبد بعض الإنس، فإنه شرك وكفر، ولا فرق بين عبادة الجن والإنس. وفيه دليل كذلك على أن الشرك قد يقع في هذه الأمة. فإن هذا وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فبعد زمانه من باب أولى أن يكون قد يقع. وبه يعلم أن قول النبي، عليه الصلاة والسلام: «إن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب»، ليس معناه أن الشرك لا يكون في جزيرة العرب أبدا، ولكن معناه كما فسره العلماء بأحد تفاسير ثلاثة: التفسير الأول: أيس بمعنى أنه هو وقع في اليأس لما رأى من الخير في الناس، وإقبال الناس على التوحيد وعلى الإسلام، فأصابه اليأس، وهو لا يعلم الغيب. فإنه في فترة من الفترات أصابه اليأس، لكن لا يمنع أن يقع ما لا يعلمه من الغيب من دخول بعض الناس في الشرك من أهل جزيرة العرب، ولو بعد حين، كما أخبر النبي، عليه الصلاة والسلام: أنه «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة». ومعنى أن نساء من نساء قبيلة دوس سيرجعن بالطواف والعبادة لصنم ذي الخلصة بعد أن هدم، وهذا في آخر الزمان، وخبر نبينا، عليه الصلاة والسلام، صدق. وفسر كذلك أن الشيطان أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، فسر بأن المراد بذلك ليس هو عدم وجود الشرك، وإنما المراد بذلك هو عدم اجتماعهم كما كان اجتماعهم قبل ذلك. فقد كانوا من قبل على شرك، أي أهل الجزيرة، وأما بعد ظهور الإسلام، فإنه لا يكون كذلك. وحمل ثالثا: أن هذا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وما شاء الله أن يكون، وليس هو على وجه الدوام. وهذا هو الذي دل عليه الحديث الذي سمعناه. وفي هذه الأحاديث كذلك من المسائل: أن الجن قد تتلبس بصورة بعض المخلوقات الأخرى، فلا تظهر على حقيقة صورتها. والله عز وجل على كل شيء قدير. فكما أقدر الملائكة، أو من شاء من ملائكته، أن يتصوروا ببعض الصور، كما كان جبريل، عليه الصلاة والسلام، يأتي النبي، عليه الصلاة والسلام، وهو في صورة رجل. فكذلك أقدر الله عز وجل، بحكمته سبحانه وتعالى، وعظيم قدرته، الجن على أن يتصوروا بصور الدواب، منها ما يكون على الأرض ماشيا أو زاحفا، ومنها ما يطير، ومنها ما يكون في الماء. وهو على كل شيء قدير، جل وعلا، وجعل ذلك سبحانه لحكم منه، جل وعلا. وهكذا كذلك إذا كان كذلك، فهذا يعني أن بعض ما يقع من تلبس الجن ببعض الحيوانات هو حق، لا ينكره إلا جاهل بالشرع، أو مكابر بالأدلة الشرعية التي دلت على هذا المعنى. فتلبس الإنس بالجن، أو تلبس الجن ببعض الدواب، هذا حق، يؤمن به أهل الإسلام، ولكن دون إفراط، ولا تفريط. وثالثا: حكم قتل الحيات، خاصة على التفصيل الذي سمعناه، وفتحنا أشياء أدق الكلام عليها في مواضع ذلك. وأخيرا: في هذا الحديث كذلك فضل الصحابة، رضي الله تعالى عنهم، وأرضاهم. وهذا الصحابي على وجه الخصوص الذي كتب له ما كتب فيما قتل، فأمر النبي، عليه الصلاة والسلام، بدفنه. ولفضله، قال الصحابة للنبي، عليه الصلاة والسلام: «حبهم له لو تحييه أو ادع الله أن يحييه يا رسول الله». يعني لما كان من حبهم له. طيب، بهذا القدر نكتفي، والله تعالى أعلم. يقول: ما سبق موت الفتى في هذا الحديث، هل هو قتل الحية أو كيف ذاك؟ كما قرأنا أنهما استبقا، فضرب الحية، برمحه، وضربته -يعني بلدغها-، فلا يدرى أيهما أسرع موتا: أي الحية بضربته، أو هو بلدغتها؟ هذا معناه. يقول: ما حكم صيام يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم، وصيام يوم ليلة الإسراء والمعراج، وصيام بداية السنة الهجرية، حيث أنه وجد بعض النساء في بلادنا من يصنع ذلك؟ فما نقول لهن؟ هل هو بدعة، ولا يجوز؟ الجواب: نعم، تخصيص صيام هذه الأيام يعد من البدع. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يخص يوم الجمعة بصيام، أو قيام. واستدل به العلماء على أن من خص يوما بعينه بعبادة دون سائر الأيام، كان ذلك بدعة. وقد قال عدد من أهل العلم، ومنهم الإمام ابن حزم، رحمه الله: إلى أن البدعة يحكم بها بأمور، ومن هذه الأمور: تخصيص زمان، أو مكان معين بعبادة. وذكر معنى ذلك شيخنا، رحمه الله، محمد بن صالح، في رسالته «الإبداع في خطر الابتداع». يقول: إذا توفي رجل عليه بعض الصيام، هل يجوز الصيام عنه؟ أم الكفار أفضل؟ الصحيح: إذا كان له أولياء، يصوم عنه وليه. من مات وعليه صوم، صام عنه وليه.