الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 74، الدرس الرابع والسبعون:(فصل:ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ... وأكثرهم توسعا في هذا الباب الغزالي والرازي ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح أهمية السنة في تفسير القرآن وتوضيحه، حيث بين أن السنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه. وتطرق إلى أمثلة من القرآن والسنة التي تبين ذلك.
المقطع يشرح أهمية السنة النبوية في توضيح وتفسير القرآن الكريم، حيث بين النبي تفاصيل الأحكام والأسماء الحسنى. كما يشترط في قبول الأحاديث أن تكون صحيحة.
يؤكد النص على أهمية السنة النبوية كأصل ثاني في التشريع الإسلامي بعد القرآن، ويبين أن السنة توضح القرآن وتفسره. كما يرد على من ينكرون السنة أو يقللون من أهميتها.
يتناول المقطع الفرق بين التأويل والتفسير، وينتقد استخدام بعض المتأخرين من الأشعرية للتأويل كتحريف لصرف المعاني الظاهرة إلى معان أخرى بالإلحاد.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى: فصلٌ ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه، وما وصف الرسول به ربه عز وجل من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول، وجب الإيمان بها كذلك. انتقل الشيخ، رحمه الله تعالى، في عقيدته «العقيدة الواسطية» بعد أن ذكر الأدلة من القرآن مع مقدمة هذه العقيدة على مباحث الصفات وبعض مسائل الإيمان، انتقل بعد ذلك إلى الأدلة من السنة التي تدل على صحة ما عليه أهل السنة والجماعة في مبحث الصفات خاصة، وسائر مباحث الإيمان. فقال رحمه الله: فصلٌ ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يريد بالسنة الطريقة التي كان عليها النبي عليه الصلاة والسلام من قوله وفعله وتقريره؛ لأن هذا أثر عنه، أي عقيدة أهل السنة والجماعة ومبحث الصفات أثر عنه من سنته القولية والفعلية والتقريرية، وكل ذلك من سنته عليه الصلاة والسلام. وهذا قوله: «فالسنة تفسر القرآن»، هذا كثير، مثل قول الله عز وجل في قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾، قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عقبة في صحيح مسلم: «ألا إن القوة الرمي»، فهو تفسير للقرآن وموضح. وهكذا الصلوات الخمس، حافظ على الصلوات والصلاة الوسطى، تفصيلها وتبيين أحكامها جاء في سنة النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾، فسر في حديث بن مسعود فيما روى أحمد بإسناد صحيح، قال: خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا مستقيما وخطوطا عن يمين وعن يساره، وقال: «هذا صراط الله وهذه سبل الشيطان»، فالسنة تفسر وتبين القرآن. وقوله رحمه الله: «وتبينه»، تبيينه كذلك بذكر تفاصيل أحكامه، مثل مثلا الصلاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث مالك الحويرة في البخاري وغيره: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، ليس في القرآن ذكر تفاصيل أحكام الصلاة، لكن في السنة تبيين ذلك وتوضيحه، وهكذا في الطهارة، وهكذا في سائر الأحكام الأخرى. وهذا قوله: «وما وصف الرسول به ربه عز وجل»، كذلك يقال: وما سمى، فإنه يسلك في ذلك مسلك القرآن والسنة، والسنة تفسر القرآن، قال الله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، والنبي صلى الله عليه وسلم بين في سنته أشياء كثيرة تفسر وتبين القرآن. فمثلا حديث عائشة في الصحيحين: «اشفي أنت الشافي لا شفاء إلا شفاءك»، فدل على أن من أسمائه الشافي، وهذا مبين وموضح. وهكذا كذلك مدلل على ما جاء مجملا في القرآن: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، جاء تفسير وتفسير وتبيين هذه الأسماء في السنة، فما في السنة هو توضيح وتفسير لما في القرآن. وقوله: «من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول»، كما سيأتي أنه لا يقبل في هذا الباب الحديث الضعيف، كما لا يقبل في هذا الباب من باب أولى ما ليس بقرآن ولا سنة، بل لابد أن لا يتجاوز القرآن والحديث كما أثر عن إمام محمد وغيره من الأئمة. ثم الحديث ليس كل حديث، بل حديث صحيح، وليس صحيح في سنده بل تلقاه أهل المعرفة بالقبول؛ لأنه قد يكون صحيحا في سنده لكن في متنه علة إما شذوذ وإما غير ذلك. ولهذا قال رحمه الله: «التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول»، وتعرفون أن الحديث الصحيح له شروط ذكرها أهل المصطلح، وهذا خلاصتها: صحيح، تلقي بالقبول، فإذا كان كذلك وجب الإيمان به كما جاء. قال الشارح رحمه الله تعالى: قوله «ثم في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم» عطف على قوله فيما تقدم: «قد دخل في هذه الجملة ما وصف الله به نفسه بسورة الإخلاص إلى آخره»، يعني ودخل فيما وصف به الرسول صلى الله عليه وسلم ربه فيما وردت به السنة الصحيحة. ويضاف كما قال المؤلف: «المتلقاه بالقبول لا يكفي صحيحة فحسب»، تأكيدا لمعنى الصحة. قال: «والسنة هي الأصل الثاني الذي يجب الرجوع إليه والتعويل عليه بعد كتاب الله عز وجل»، بل لو قال: «مع كتاب الله» لكان أحسن وأكمل، فهو لفظ القرآن والسنة. قال الله عز وجل: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، والحكمة كما قال الإمام الشافعي رحمه الله: تأتي ويراد بها السنة، وتأتي ويراد بها وضع الشيء في موضعه، أو كما قال رحمه الله. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا إني أتيت القرآن ومثله معه»، فدل أن السنة ليست بعد القرآن بل هي مع القرآن، فحجيتهما واحدة، قال: يعني إذا صحت السنة، قال: «بعد كتاب الله عز وجل»، قال تعالى: ﴿وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، وهذا كما قلنا: إنه مع الكتاب ليس بعد الكتاب. قال: «والمراد بالحكمة السنة»، وقال: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾، والمراد بالحكمة السنة كما أثر عن جماعة من الصحابة والتابعين، ذكره ابن جرير وغيره. قال: وقال آمرا لنساء نبيه: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾، والمراد بالحكمة سنة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وقال سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾، وقال صلوات الله وسلامه عليه وآله: «ألا إني أتيت القرآن ومثله معه»، وهذا كله يدل على المعنى الذي تقدم، فالسنة قرينة القرآن. قال: «وحكم السنة حكم القرآن في ثبوت العلم واليقين والاعتقاد والعمل»، فإن السنة توضيح للقرآن وبيان للمراد منه، تفصل مجملة وتقيد مطلقة وتخصص عمومة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، وهذا التبيين يكون أحيانا بتفصيل مجمل أو تقييد مطلق أو تخصيص عموم أو غير ذلك كما هو مفصل مبين في كتب أصول الفقه وغيره. قال رحمه الله: «أهل البدع والأهواء بإزاء السنة الصحيحة فريقان»، فريق لا يتورع عن ردها وإنكارها إذا وردت بما يخالف مذهبه بدعوى أنها أحاديث آحاد لا تفيد إلا الظن، والواجب في باب الاعتقاد هو اليقين، وهؤلاء هم المعتزلة والفلاسفة. وقد دلت أدلة الكتاب والسنة على لزوم قبول خبر الآحاد إذا كان ممن تقبل روايته، وسيأتي معنا إن شاء الله الإشارة إلى ذلك فيما تقدم، والصحيح أن السنة إذا صحت فهي مثل القرآن تفيد العلم والعمل. قال: «وثانيا: فريق يثبتها ويعتقد بصحة النقل ولكنه يشتغل بتأويلها كما يشتغل بتأويل آيات الكتاب»، والمراد بالتأويل ها هنا ليس التفسير، ولكنه التحريف صرف اللفظ عن ظاهره، وهذا مما لم يرد به لغة ولا شرع، أي التعبير بالتأويل عن التحريف. قال: «حتى يخرجها عن معانيها الظاهرة إلى ما يريده من معاني بالإلحاد والتحريف»، وهؤلاء هم متأخرو الأشعرية، وأكثرهم توسعا في هذا الباب الغزالي والرازي، وقد توسعوا كثيرا في باب علم الكلام، ووقعوا في هذا الباب من التعطيل والتحريف والإلحاد في أسماء الله وصفاته. نكتفي بهذا ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق، والله تعالى أعلم.