الدرس في كتاب الجهاد من الاختيارات الفقهية 3، الدرس الثالث:من( وسئل أيضاً عن رجل قدم يريد الغزو ولم يحج ... والرباط أفضل من المقام بمكة إجماعاًُ ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش آراء شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام أحمد بن حنبل حول تقديم الجهاد على الحج، ويبين شروط وجوب الجهاد. يُوضح أن الجهاد يصبح فرض عين عند غزو العدو لبلاد الإسلام.
يتناول أحكام قتال الدفع ووجوب الدفاع عن المسلمين، حيث يجب بذل كل ما في وسعهم للدفاع عن أنفسهم وإخوانهم. يُشرح مفهوم التحيز والفرار من الزحف ويُستدل بآيات قرآنية وأحداث تاريخية.
يؤكد على أهمية اعتبار رأي أهل الدين الصحيح في أمور الجهاد مع الخبرة والدراية. يشترط فيمن يخوض في هذه الأمور أن يكون ذا علم ودين وأهلاً للثقة والاستنباط.
يشير إلى انتهاء الحديث حول موضوع معين، مع التأكيد على أن العلم الكامل عند الله تعالى.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم. قال المؤلف -رحمه الله- فيما نقله عن شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في اختياراته: قال -رحمه الله-: وسئل أيضا عن رجل قدم يريد الغزو ولم يحج، فنزل على قوم فثبطوه عن الغزو، وقالوا: إنك لم تحج تريد أن تغزو. قال أبو عبد الله: يغزو ولا عليه، فإن أعانه الله حج، ولا نرى بالغزو قبل الحج بأسا. وهذا كذلك سبق توجيهه. قال أبو العباس: هذا ما أن الحج واجب على الفور عنده. يعني قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: أن الإمام أحمد يرى أن الحج على الفورية لمن استطاع. قال: لكن تأخيره لمصلحة الجهاد كتأخير الزكاة الواجبة على الفور لانتظار قوم أصلح من غيرهم، أو لضرر أهل الزكاة، وهذا يجوز، فكذلك هذا يجوز. هذا وجه، وسبق معنا أوجه أخرى. قال: وكتأخير الفوائت للانتقال عن مكان الشيطان ونحو ذلك. يعني فيما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيمن بات في موضع -مثلا- قبل الفجر حتى طلعت عليه الشمس، فقد أمره أن يبدل رحله ويغير المكان، أمر عليه الصلاة والسلام بذلك وفعله عليه الصلاة والسلام. ولا شك أن هذا يحصل في شيء من التأخير، لكن لهذه المصلحة. قال: ونحو ذلك، وهذا أجود ما ذكره بعض أصحابنا في تأخير النبي -صلى الله عليه وسلم- الحج إن كان وجب عليه متقدما. يعني أخره لمصلحة عظيمة، هو على الفور لكن أخره لمصلحة عظيمة. ومن تلك المصلحة تهيئت موضع المناسك للحج على التوحيد. ولهذا أرسل أبا بكر وعليا ومن معه من الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- بالشرائع التي لم يعرفها أهل مكة من ذي قبل، فأمرهم أن لا يطوف البيت مشرك ولا عريان، وعلمهم ما علمهم مما كان توطئه لحجه عليه الصلاة والسلام في السنة التالية، وهي السنة العاشرة. قال: وكلام أحمد يقتضي جواز الغزو وإن لم يبق معه مال للحج؛ لأنه قال: فإن أعانه الله حج، مع أن عنده تقديم الحج أولى كما ذكره أولا. وهذا لا إشكال مع التوجيهات السابقة؛ فإنه إذا كان القتال والجهاد الذي ذهب إليه على وجه من الأوجه الشرعية التي هي تقتضي التقديم، فلا إشكال في هذا. قال: ويتعين الجهاد بالشروع، وعند استنفار الإمام. لكن لو أذن الإمام لبعضهم لنوع مصلحة فلا بأس. ومعنى الشروع يعني الدخول فيه؛ لأنه إذا قد شرع فيه فالخروج والرجوع منه فرار من الزحف. وعند استنفار الإمام يعني إذا عمم الاستنفار، وإذا استنفرتم فانفروا، وكما قال الله -عز وجل-: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَثَّقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾. وقوله: لكن لو أذن الإمام لبعضهم لنوع مصلحة فلا بأس، يعني أن يعين بالاسم أو يعين بالوصف، أو يكتفي العدد، فيكون بذلك كذلك نوع من الاستثناء. قال: وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب؛ إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة. وهذه لفتة دقيقة منه -رحمه الله- بقوله: الأقرب فالأقرب. وسيأتي معنا أنه قد يتعين على الأقرب ما لا يتعين على الأبعد. قال: إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم. وهذا إذا صار على وجه التعيين. إذا صار على وجه التعيين. قال: ونصوص أحمد صريحة بهذا، وهو خير مما في المختصرات. يعني أن في المختصرات ربما مجملات لا تبين مثل هذه المسألة الدقيقة. فالأصل أنه يجب أن يدفع أهل الإسلام عن أنفسهم، فإن لم يمكنهم وجب على من جاورهم أن يعينهم وجوبا عينيا. فإن لم يمكنهم وجب على من جاورهم أن يعينهم وجوبا عينيا. وننتبه لهذا المعنى، ولهذا قال: يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم؛ لأنه من الواجبات العينية. وقد تقدم معنا أن الواجب العيني في هذا الموضع لا مجال فيه لتلك المسائل التي مرت معنا، مسائل الدين والغريم، ومنه استئذان الوالدين. قال -رحمه الله-: لكن هل يجب على جميع أهل المكان النفير إذا نفر إليه الكفاية؟ كلام أحمد فيه مختلف. ومعناه إذا كان وصفه وصف الوجوب العيني، ولكن حصل من النفير ما حصلت به الكفاية. هنا ينبغي للإمام أو من ولاه الإمام أن يبين للناس أنه قد حصلت الكفاية، أنه قد حصلت الكفاية. وهذا مما يدخل فيه ما سبق. لكن لو أذن الإمام لبعضهم لنوع مصلحة فلا بأس، فمن المصلحة -مثلا- عدم تراكم هؤلاء؛ فإنه بقاءهم في أماكنهم أصلح. وأما قول: كلام أحمد فيه مختلف، فإما أن يكون ذلك وسيأتي بعضه -إن شاء الله- لكون القضايا تختلف، أو لكون كذلك المعنى الذي ورد باعتبار تغير الحال في القضية الواحدة. قال: وقتال الدفع -مثل أن يكون العدو كثيرا لا طاقة للمسلمين به- لكن يخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على من يخلفون من المسلمين. يعني يتأخرون. قال: فهنا قد صرح أصحابنا بأنه يجب أن يبذلوا مهجهم ومهج من يخاف عليهم في الدفع حتى يسلموا. ومعنى ذلك في قتال الدفع يجوز من الاستثناءات ما لا يجوز في قتال الطلب. ومن ذلك أنه يجوز له أن يفر أن لا يهلك، لكن ليس يفر من ساحة القتال، إنما يفر يتحيز إلى فئة من المسلمين يحتمي بهم ويحفظ نفسه معهم، كما قال الله -عز وجل-: ﴿إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ﴾، إلا متحيزا إلى فئة. وهذا منه، وهذا من هذا الاستثناء يتحيز إلى فئة؛ لأنه لا طاقة له وحده -مثلا- في مواجهة هؤلاء. فإذا دخلوا -مثلا- من الجهة الشمالية للمدينة، فصارت الجهة الشمالية مكشوفة، فمن في الجهة الشمالية يجوز لهم -إن كان لا طاقة لهم بمنعهم من هذه الجهة- أن يتحيزوا إلى الجهة الشرقية أو الجهة الغربية، يتقوّون بأهل تلك الجهة. وهذا ليس من الفرار من الزحف. لكن هنا تأتي هذه المسألة التي أشار إليها، وهي ما إذا كان تحيزهم هذا وعطفهم يسبب تخلف بعض المسلمين الذين قد يبطش بهم الكفار فيهلكوهم. فهنا يقول: قد صرح أصحابنا بأنه يجب أن يبذلوا مهجهم ومهج من يخاف عليهم في الدفع حتى يسلموا. وفي قوله: يبذلوا، معناه ليس حتى الهلاك، ولكن إن لم يكن إلا بنجاة البعض وهلاك البعض، فهذا بعد بذل كل الوسع هو المطلوب. والقاعدة في هذا الباب في كتاب الجهاد هو بدل الاستطاعة بحسبها. قال الله -عز وجل-: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾، ما قال: كل الاستطاعة، ولكن قال: ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. وهذا عام في الطلب وفي الدفع. يبذل الإنسان الاستطاعة التي يستطيعها، فإن جاء هؤلاء المسلمين بحسب الإمكان. يبذل للإنسان الجهد، وهو واجب وجوبا عينيا على الأقرب فالأقرب كما تقدم. فإن أمكن فعل ذلك، فإن لم يمكن؟ هل معناه أن يهلك معهم؟ الجواب: لا، ليس معناه أن يهلك معهم، لكن معناه أن يبذل كل ماذا؟ الإمكان، وغاية الإمكان. إن استطاع في إن جاء هؤلاء الذين قد يتخلفوا. قال: ونظيرها أن يهجم العدو على بلاد المسلمين وتكون المقاتلة أقل من النصف، فإن انصرفوا استولوا على الحريم. فهذا وأمثاله قتال دفع لا قتال طلب، لا يجوز الإنصراف فيه بحال. ووقعة أحد من هذا الباب. وهذا الذي أشار إليه إذا لم يكن هناك مجال التحيز إلى فئة والعطف. ولهذا قال: ونظيرها. والنظائر هي المسائل التي فيها تشابه من وجه واختلاف من وجه. فهذه الحالة تختلف عن الحالة التي قبلها. فإذا يموت دون عرضه ونفس إخوانه؛ لأنه البقية الباقية، لأنه البقية الباقية لا بقية غيرها. ولهذا قال: فلا يجوز الإنصراف فيه بحال، لا يجوز الإنصراف فيه بحال. وقوله: ووقعة أحد من هذا الباب، يعني أنه مما كان فيه القلة، ولكن ليس فيه عطف لجهة، فكان فيه الإنصراف لم يجوز فيه الإنصراف بحال. لكن إذا وجد إنصراف يكون به يكون به معنى العطف الذي أشار إليه والتحيز إلى فئة، فهذا جائز. وهذا وقع في آخر غزوة أحد، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- وجماعة من الصحابة دخلوا في الشق -وهو شق معروف ليومنا هذا في جبل أحد، من يذهب إلى المدينة ويذهب إلى جبل أحد فإن موضع الشق معروف- دخل فيه جماعة من الصحابة فيهم النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي وقف في أسفله أبو سفيان ونادى: هل فيكم رسول الله؟ أو قال: محمد؟ فأخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- معه أن لا يجيبه أحد. قال: هل أبو بكر فيكم؟ فلم يؤذن لهم أن يجيبوا. فلما قال: أما وقد هلك هؤلاء إلى آخر ما قال، نطق عمر -رضي الله عنه- وأرضاه ولم يصبر. وهذا يدل على المعنى المتقدم، وهو أنه إذا كان العطف فيه شيء من التحيز المأذون فيه، فهذا مما يأذن بمثله الشرع. قال -رحمه الله-: والواجب أن يعتبر في أمور الجهاد برأي أهل الدين الصحيح في الباطن. وقيد في الباطن جاء في بعض النسخ. ويحمل أن المراد به إما أهل الدين الصحيح ليس فيما يظهر وفي الحقيقة ليس كذلك، أو في الباطن أي في إدراكهم حقيقة الأمور من داخلها. وكلا الأمرين مطلوب ومقصود. فليس إحالة مثل هذه الأمور تكون لمن هو ليس محل أمانة وديانة، بل يحتاج في هذا الموضع إلى علم ودين. العلم يتوصل به إلى الحكم، والدين يحصل به التجرد للحق والإنصاف والأمانة في الصدع بالحق. فقد يكون عالم لكنه جبان، أو عالم لكنه كذلك صاحب دنيا، فقد تتغير فتواه لأجل جبنه وضعفه أو لأجل كذلك غرض الدنيا. قال: الذين لهم خبرة، وكذلك المعنى الثاني الذين لهم إدراك لخفايا الأمور وبواطنها؛ لأن من الناس من لا يكون له معرفة عنده علم، لكن ليس عنده إدراك لبواطن الأمور. وليس الباطن المقصود ها هنا الباطن الذي لا يعلمه إلا الله، ولكن المراد به كثرة الخبرة، وكذلك عمق المعرفة. ولهذا نص بعض أهل العلم أن بعض القضايا التي قد يقع فيها الخلاف إذا كان عند بعض المخالفين زيادة علم بعمق معرفتهم بكونهم من أهل التخصص في هذا الباب وأهل الخبرة به، فقولها أولا مقدم. أو كونهم أهل البلد، فهم أعرف، أو نحو ذلك من المرجحات التي يكون فيها هذا المعنى. قال -رحمه الله-: الذين لهم خبرة بما عليه أهل الدنيا. وهذا يؤكد المعنى الثاني أو يرجح المعنى الثاني في قوله: في الباطن، أي الذين لهم خبرة ومعرفة بعمق تلك المسائل وغورها، وهم أهل الاستنباط وأهل الخبرة. كما قال الله -عز وجل-: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾. وهذا الاستنباط يحتاج لعلم وعمق معرفة. قال: فأما أهل الدنيا الذين يغلب عليهم النظر في ظاهر الدين، فلا يؤخذ برأيهم، ولا برأي أهل الدين الذين لا خبرة لهم في الدنيا. ولا يستدل مستدل أن في هذا ماذا؟ معنى من المعاني التي قد يردد بها بعض المبطلين على أهل العلم، بزعمهم أن مثل هذه المسائل إنما ترد لأهل الفكر وأهل المعرفة بالواقع، وهم في الحقيقة يصرفونها إلى من هو ليس محل مرجعية وليس هم أهل العلم ودين. وليس هذا المقصود، ولكن المقصود لا شك هم أهل العلم والدين، لكن الذين لهم زيادة مزية بإدراك ما لا يدركه غيرهم. ولهذا فالمنصف من أهل العلم لو كثر علمه وكبر سنه يحتاج لأمثال هؤلاء. فمثلا إذا جاءت فتوى لشيخ كبير في العلم وفي السن، لكنه بعيد عن أرض الواقع التي وقعت فيها الحادثة، وجاء منها السؤال، وهو يعلم أن هناك من أهل العلم من هو دونه سن وعلما، ولكنه يتقي في دينه وفي علمه، وهو يعرف أنه أقرب في واقعة ذاك السؤال، لو أنصف هذا العالم الكبير لاستعان بذاك العالم الصغير واستشاره واستفصل منه حتى تصدر منه الفتوى بعد ماذا؟ بعد كامل معرفة. وهذا هو الواقع، فإن الكثير من علمائنا ومشائخنا وأمتنا من يحتاجون في بعض الفتاوى الاستعانة بمن هو دونهم. بل بل لنا أسوة بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- كان يستشير ويسأل الصحابة. ولهذا وقائع وأقضية كثيرة تدل على هذا المعنى. فالمهم ليس هذا المقصود منه تهميش العلماء والتعويل على ما قد يستدل به من يستدل من من يسمى بعلماء الواقع أو أهل المعرفة بالواقع، وهم في الحقيقة أخباريون سياسيون، ومثل هذا لا يكفي وليس عليه المعول في مثل هذه القضايا. ولكن المعول هو قوة العلم والرسوخ فيه، مع قوة الدين. وينضاف إلى ذلك الخبرة. والخبرة بالحقيقة قد يستعان بها بالغير. فإذا كان مثلا هذا أعلم الناس وأدين الناس، فهو بعلمه وبدينه سيسأل أهل الخبرة. وعند ذلك تخرج فتوى محررة موافقة للصواب بإذن الله تعالى. قال -رحمه الله-: والرباط أفضل -من المقام بمكة- إجماعا. يعني مع ما في مكة من فضل، فالرباط في سبيل الله أفضل وأعظم. وهو يريد بهذا بيان هذه المسألة خصوصا مما قد يكون خالف فيها بعض المتصوفة، وكذلك الإشارة إلى الحث على الرباط في سبيل الله. طيب لهنا، والله تعالى أعلم.