كتاب الجهاد من الاختيارات الفقهية 16

كتاب الجهاد من الاختيارات الفقهية 16

الدرس في كتاب الجهاد من الاختيارات الفقهية 16، الدرس السادس عشر:( وعمال الفئ إذا خانوا فيه أو قبلوا هدية أو رشوة ... ويجوز للإمام تفضيل بعض الغانمين لزيادة منفعة على الصحيح ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أحكام الفيء وأجرة العمال

يناقش أحكام الفيء ووجوب إعطاء العمال أجورهم كاملة، ويستشهد بقول شيخ الإسلام ابن تيمية حول حرمة أخذ الهدية والرشوة والخيانة في الفيء.

حكم المال المختلط بالحرام وتوزيعه

إذا اختلط المال الحلال بالحرام، يمكن قسمته نصفين: نصف للمسلمين ونصف لصاحبه، استنادا إلى فعل عمر بن الخطاب، كما يجوز للإمام توزيع الفيء بحسب المصلحة الشرعية.

تفاصيل توزيع الفيء والمغانم وختام الكتاب

يجوز للإمام تفضيل بعض الغانمين بناء على معايير شرعية، ويختم المؤلف كتابه بالإشارة إلى مصدر الفائدة والخطأ، ويعزو الفائدة إلى الله والخطأ إلى نفسه والشيطان.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «قال وعمال الفيء إذا خانوا فيه أو قبلوا هدية أو رشوة، فمن فرض له دون أجرته أخذنا هذا، وكنا أخذنا أن هذه الفقرة فيها مجموعة من المسائل، فمما أخذناه أولا حرمة أخذ الهدية والرشوة والخيانة في الفيء، ولو كان ذلك لأنه لا يعطى أجرته كاملة أو كان دون كفايته. وعلمنا ثانيا أن من وقع منه ذلك وكانت عنده هذه الشبهة، وهو كونه أعطي دون أجرته أو دون كفايته أو ما كان بمعناه، فإنه إن كان عليه حد يسقط عنه الحد، أو كانت له عقوبة فلا تسوى له العقوبة بعقوبة من يفعل ذلك بغير شبهة، لكن لا مانع أن يقع عليه التعزير إن اقتضى ذلك المقام وكان هو الأصلح. فالإمام ينظر في حال من كان هذا حاله، في الأصلح إما أن يعفو مع الزجر وإما أن يعزر بحسب ما يرى أنه أصلح. وعلمنا ثالثا أنه ليس وقوع مثل هذا الوصف مبرر للخيانة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى عن خيانة من خانك، فكيف بمن لم يخنك؟ فإنه من باب أولى». ثم قال رحمه الله: «قال فإنه يلزم الإمام الإعطاء كأخذ المضارب حصته أو الغريم دينه بلا إذن، فلا فائد باستخراجه ورده إليهم، بل إن لم يصرف الإمام في مصارفه الشرعية لم يعن على ذلك». وهنا انتقل إلى شيء آخر، فقال: «فإنه يلزم الإمام الإعطاء»، يعني سواء ما سبق من أجرة المثل وزيادة من عنده كثرة عيال، بما يكون به كفايته. فإن هذا يعرف بالمعروف الشرعي والمعروف العرفي. ثم قال رحمه الله: «كذلك فإنه يلزم الإمام الإعطاء كأخذ المضارب حصته أو الغريم دينه بلا إذن، فلا فائد في استخراجه ورده إليهم»، يعني إذا كان الإمام يريد الأيسر عليه فليقل افعلوا كفعل وعرف أهل المضاربة، المضارب لا يأخذ المال ثم يرده للعامل، بل يقول للعامل: خذ أجرتك من أين؟ من التجارة التي في يدك، خذ أجرتك من التجارة التي في يدك، هذا إذا كان أمينا. أو الغريم دينه بلا إذن، كذلك الأصل في هذا أنه لا يأخذ إلا بإذن، لكن إذا كان يثق فيه ويأمنه يجوز له أن يأذن له. وهذا هو قوله: «فلا فائد في استخراجه ورده إليهم»، يعني يصير من التطويل الذي لا فائدة منه، ما دام المال في يده فيأخذ منه وهو أمين. قال: «بل إن لم يصرف الإمام في مصارفه الشرعية لم يعن على ذلك». ومعناه أنه لا يجوز له أن يفعل هذا، أي التقصير في حق من ينبغي إكمال حقه من صاحب الأجرة الناقصة أو صاحب العيال الكثير أو من كان بمعنى هؤلاء. فهو إذا قصر في ذلك، وهذا من أعظم التقصير، لم يعن على أداء هذه الأمانة. ومعناه أن مما يعين الإمام صرف هذا الفيء في مصارفه الشرعية. وهذا لا ينحصر بما ذكر، بل كذلك في غيره من تقديم الأولى فالأولى من تقديم الأولى فالأولى، فيقدم الفقير على من هو أحسن حالا منه، وإن كان فقيرا فهناك فقير وأفقر، وهذا يقدم على هذا، فضلا أن يقدم غني على فقير، فهذا خطأ أكبر. إذا كان لو قدم الفقير على الأفقر كان خطأ، فكيف إذا قدم الغني؟ فهذا أشد. ثم قالوا: قد ثبت أن عمر شاطر عماله كسعد وخالد، أبي هريرة، وعمر بن العاص، ولم يتهمهم بخيانة بينة، بل من محاباه اقتضت أن جعل أموالهم بينهم وبين المسلمين. وهذا الأثر مشهور، وقد روي من أوجه كثيرة يدل أن لها أصل، ويصححه عدد من أهل العلم والفقه. والمعنى أن عمر قسم بعض أموال عماله، سواء صحت عن الجميع أو بعضهم، المهم صحت عن البعض، قسمها نصفين: نصف أبقاه للعمال، ونصف أخذه وجعله للمسلمين. لماذا؟ لأجل تصرف كان فيه ما يراه عمر أنه محابة، يرى عمر أن فيه شيء من المحابة، يعني إعطاء شيء لا يستحق. فكيف إذا كانت خيانة بينة؟ الآن هذا شيء غير واضح، ومع ذلك رأى عمر أن الحل أن يقسم المال نصفين، حتى يخرج المال المشبوه للمسلمين. فالخيانة البينة يعني من باب أولى. وهنا وضع شيخ الإسلام هذه القاعدة، قال رحمه الله: «ومن علم تحريم ما ورثه أو غيره وجهل قدره قسمه نصفين»، يعني كما فعل عمر. وهذا سؤال يكثر السؤال عن مثله، بعض الورثة يقولون: نحن نعرف أن أبانا له معاملات محرمة وله معاملات حلال، ولا ندري كم الحلال من الحرام؟ فماذا نصنع؟ فإن لم يستطيع التمييز والاجتهاد، فيقسم المال نصفين: نصف منه يتخلص منه كما يتخلص من المال الحرام، فيكون للمسلمين، ويحرصوا على أن لا يؤكل ولا يشرب ولا يلبس ولا فيما هو لله، ولا ينتفع به لأنفسهم انتفاعا شخصيا، هذه خمسة أشياء تجتنب في كل مال له أصل حرام. والنصف الآخر ينتفعون به. ما هو الدليل على هذا؟ أثر عمر رضي الله عنه أرضاه واضح؟ لأن عمر شطر أموال العمال شطرين: نصف أبقاها لهم، ونصف أخرجها لأجل ماذا؟ لأجل المحاباة وشبهة دخول المال الذي لا يستحقونه في أموالهم، فقسم أموالهم نصفين. فاستدل العلماء بهذا أن كل مال دخل عليه مال مشبوه لا يعرف مقداره، يقسم قسمين. من أراد تحليله فيقسمه نصفين، فهذه هي الطريقة التي يمكن أن تفعل، ويجاب بها عن أسئلة الكثير من الناس ممن اختلط في ماله الحلال والحرام. بعض الناس يقول: أنا كانت لي أموال من قبل، لا أدري بعضها من حلال وبعضها من حرام، ماذا أصنع؟ اجتهد في تمييز بين الحلال والحرام. قال: اجتهد، لكني ما عرفت، إذن اقسم ما لك نصفين، اقسم ما لك نصفين: نصفه تخرجه كما تقدم، والنصف تنتفع به لنفسك. قال: «ومن علم تحريم ما ورثه أو غيره وجهل قدره»، يعني سواء من إرث أو من غير الإرث، مثل هذا الرجل كانت له أعمال ثم سأل لا يدري اختلط ماله الحلال بالحرام، فهنا يقسمه قسمين. وكل ما كان بمعنى مما لا يستطاع الجزم في تمييز الحلال من الحرام. قال: «وللإمام أن يخص من أموال الفيء كل طائفة بصنف»، يعني يجوز للإمام أن يجعل لكل طائفة صنف، مثل مثلا الثمار لطائفة، والمركوبات لطائفة، وكذا لطائفة، يجوز بحسب ما يراه فيه المصلحة. قال: «وكذلك في المغانم على الصحيح»، يعني يجوز أن يعطي هؤلاء إبلا، وهؤلاء غنما، وهؤلاء ملابس، وهؤلاء مال. ويجوز أن يعطي الجميع من كل شيء: من الغنم، ومن الإبل، ومن المال، ومن الملابس، يجوز هذا ويجوز هذا. وكما تقدم هذا مما يجوز للإمام الاجتهاد فيه جملة وتفصيلا، جملة وتفصيلا بحسب ما يراه أصلح وأنفع. ولكن كما تقدم معنا ليس بالهوى والعاطفة، وإنما بضوابط، ويعني أدلة شرعية يجتهد فيها. ولهذا إذا كان الإمام ليس عنده علم، لابد أن يسأل أهل العلم، لأن أهل العلم ينطلقون في هذه الاجتهادات من إيش؟ من أدلة، ومن مسائل، ومن آثار مروية، ومن تقديم أصلح بتقديم الأصلح فالأصلح، وهكذا. وليس هو بالعاطفة والرأي المجرد. قال رحمه الله: «وكذلك المغانم، في المغانم على الصحيح»، يعني يجوز للإمام أن يجتهد بهذين المعنيين. قال: «وليس للسلطان إطلاق الفيء دائما»، يعني أنه يعني وليس للسلطان إطلاق الفيء دائما. المراد بالإطلاق أكثر من معنى، قد يريد به رحمه الله بالإطلاق أي قسمه وإثناءه، وقد يريد بالإطلاق التوزيع المطلق من جميع الأصناف، وقد يراد به غير هذا. فالمهم هذا تأكيد لما سبق من أن الإمام ينبغي عليه أن يتتبع الأصلح فالأصلح. فإن كان الأصلح أن يحفظ بعضه ويخرج بعضه، أو يجعل بعضه مثلا لبيت المال، وبعضه لفقراء ومحتاجي المسلمين، فينظر الأصلح. قال: «ويجوز للإمام تفضيل بعض الغانمين لزيادة منفعة على الصحيح، وقد تقدمت معنى وأمثلة وأدلة على ذلك»، أي أنه يجوز أن يفضل، وهذا التفضيل كما تقدم ليس برأي مجرد، ولا لأجل محاباة، ولا لأجل قرب نسب أو غير ذلك، وإنما بمعايير شرعية، وكذلك مقاصد مأذون بها شرعا. مثل ما تقدم إعطاء القاتل سلب القتيل، ومثل إعطاء السرية في المقدم وفي مؤخر ذهابها وإيابها، وغير ذلك ممن يقوم بعمل يقتضي زيادة، أو يكون في إعطائه منفعة. مثلا لو كان هناك عمل يقوم به بعض الجنود فيه شيء من المشقة، مثل من يعمل من حراس الحدود، حراس الحدود أعمالهم شاقة ومكانهم شاق، فهم منقطعون عن المدن، منقطعون عن حياة الناس، يعيشون في الصحاري ويتحملون الشدائد. فيجوز للإمام أن يجتهد ويقول لجنده مثلا: من يعمل في المدينة فله راتبه، ومن يعمل في الحدود فله ضعف الراتب، له ضعف الراتب يجوز أو لا يجوز؟ يجوز، لأن في هذا تحفيز لهم على أداء مهمتهم على الوجه الأكمل، وأن لا يفروا وأن لا يتقاعصوا. وفي المقابل إذا وجد التقاعص شدد العقوبة، كما ضاعف ماذا؟ الثواب والعطاء، فإنه كذلك يضاعف ماذا؟ يضاعف العقوبة. ومثله القاضي، القاضي يمتلىء ويمتحن من قبل الناس، فينبغي أن ترفع له الأجرة. فإذا أعطي جعلا صغيرا ربما كان هذا سببا لفتنته. ولهذا الحمد لله في بلاد المسلمين القاضي يتلقى راتب عظيم، بل في أكثر الدول المسلمة يُعطى راتب وزير، يُعطى راتب وزير. لماذا؟ حتى يُكفى هذا القاضي لا يعرض للفتنة بقلة المال. فإذا خان القاضي هنا يستحق ماذا؟ مُضاعفة العقوبة. وهذا الذي ثبت معناه عن عمر رضي الله عنه، وهو من السياسة الشرعية الحكيمة في سيرة الخلفاء الراشدين. وللإمام ابن القيم رحمه الله في «إعلام الموقعين» من هذا وقفات عظيمة مفيدة، فيها الإشارة إلى ما سمعنا هذا. ما يسر الله به في دروسنا وفي هذا الكتاب. فما كان من صواف من الله، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان، واستغفروا الله العظيم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. وإلى هنا والله تعالى أعلم.