شرح مقدمة اصول التفسير 1

شرح مقدمة اصول التفسير 1

الدرس في شرح مقدمة اصول التفسير 1، يحتوي على نبذة مختصرة عن شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية وصفاته

المقطع الأول يقدم ترجمة لشيخ الإسلام ابن تيمية، حيث يذكر مولده ونشأته وعلومه وصفاته، مثل ذكائه وحفظه للعلم. يتميز برفضه للشذوذ واتباعه للدليل وكان زاهدًا ولا يرضى بأخذ المال من السلطان.

ثناء العلماء على ابن تيمية ومؤلفاته

يذكر المتحدث ثناء العلماء على ابن تيمية ومؤلفاته العديدة التي تتناول الرد على مختلف الفرق والضلالات. يشير إلى انتقادات بعض الناس له ويبين أن ذلك يعود إما إلى الجهل أو التقليد لأهل الضلال.

رثاء العلماء لابن تيمية وتأثيره بعد وفاته

رثى العلماء ابن تيمية بقصائد معروفة، وأثنوا عليه بالخير لما قام به من دور في الدعوة إلى الدين. يبرز تأثير ابن تيمية في عصره وبعد وفاته، وكيف أظهر تلامذته وأحفاده علمه بعد دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة في هذا اليوم ويوم بعده، في رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، التي ألفها في أصول التفسير، واشتهرت باسم «مقدمة في أصول التفسير». وقبل القراءة بالرسالة، نأسب أن نقرأ شيئًا يسيرًا من ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو ما ألحق في هذه الرسالة وطبع معها، ترجمة مختصرة، فلنستفيد جميعًا، نقرأ فيها. قال: ترجمة شيخ الإسلام ومهت الأنام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وولده ونشأته. وُلد شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية بالعاشر من ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، في حران، وهي بلدة تقع في الشمال الشرقي من بلاد الشام، في جزيرة ابن عمر، بين دجلة والفرات، وهي بلدة مشهورة إلى يومنا هذا معروفة. قال: وتحول به أبوه من حران إلى دمشق سنة سبع وستين وستمائة، فرارًا عند استيلاء التتار على البلاد، فنشأ فيها، وتلقى على أبيه وعلماء عصره العلوم المعروفة بتلك الأيام. ولغة كانت أسرة آل تيمية أسرة علم وفضل وتقوى، وكان أبوه وجده من كبار العلماء في هذه الحقبة. ومن آثار جده «منتقى الأخبار من حديث سيد الأخيار»، الذي شرحه الشوكاني رحمه الله بكتابه المعروف «نيل الأوطار». ولابن تيمية «المسودة في أصول الفقه». وقد تتابع الجد والأب والحفيد، كتب كل واحد من هؤلاء العلماء ما كتبه وتركه مسودة. والمسودة: يقال هذا وهذا. ثم جاء أحمد بن محمد الحراني الدمشقي في سنة خمس وأربعين وسبعمائة، فجمع مسوداتهم ورتبها وبيضها، وهي تمثل تسلسل العلم فيهم وإسهامهم في خدمة الإسلام، وهي مشهورة ومطبوعة في مجلد. ولو حققت على طريقة التحقيق المعاصرين، خرج بأكثر من ثلاثة مجلدات. قال: استطاع ابن تيمية رحمه الله أن يلم بفنون الثقافة في عصره في وقت مبكر، وقد كان ذا حافظة خارقة. وقد حدثوا في ترجمته بالعجيب من ذلك. فأعطاه الله جل وعلا مع صحة في تدينه، وكذلك شرهه وقوة نهمته للعلم، شيئًا من الذكاء عجيب. وكذلك من الحفظ أعجب. فقيل: كان يقرأ بالكتاب فيحفظه، ويحفظ أكثر مسائله بمرة واحدة. ويقرأ في كتب أهل الفلسفة وغيرهم من عبارات واصطلاحاتهم الدقيقة والغريبة، فيفهمها من المرة الواحدة. وذلك لشدة ذكائه واسع فهمه، وكذلك دقة وعجوبة حفظه، رحمه الله تعالى. فكان ذا صدر وعقل واسع عجيب. كان ذلك مدعاة لإقبال الكثير عليه، من يحبه ومن يعاديه، يرجعون إليه ويستفيدون من علمه، بعلمه وبغير علمه، كما وقع له رحمه الله في حياته من ذلك الشيء الكثير. قال رحمه الله: عبادته وزهده وتواضعه. قال: كان شيخ الإسلام صوامًا قوامًا، معظما للشرائع ظاهرًا وباطنًا. ولعل هذا هو السبب الأعظم في نبوغه رحمه الله تعالى، وبروزه وبهوره. وكذلك بقية آثاره. فكان بعض أهل العلم يقولون: إن من علامات الإخلاص والصدق، فوائد علم بعد وفاة العالم. وقد ظهر ذلك لجماعة من أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وهذا من عاجل البشرى المؤمن، عجل الله له جل وعلا بالبشرى في الدنيا قبل الآخرة. فقد ظهر صيته وعلمه في حياته، فضلا عن مكانته بعد مماته. وإن كان حاول بعض الأعداء طمس ذلك، لكن أبى الله جل وعلا إلا أن يظهره، خصوصًا بعد دعوة الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، فإن تلامذته وأحفاده قد أظهروا هذا الشيخ بعلمهم، أنه مثل في زمنه وعصره، رحمه الله، في مؤلفاته وكتبه، الانتصار الحقيقي لمذهب السلف، عقيدة وفقهًا وخلقًا وسلوكًا. فلهذا اعتنى كل من انتسب إلى أهل السنة والجماعة بكتاباته ومؤلفاته، لما ظهر فيها من الانتصار بحق لمذهب السلف. قال رحمه الله: «ولا مثل لك علم، فإنه بحر زخار». ولا كان متلاعبًا بالدين، بل على العكس، كان صاحب صدق، حتى ولو أدى به ذلك إلى الضرب في الدنيا. فإنه رحمه الله قد ابتلي من ذلك في وقائع، وقد ابتلي بالفتوى الحموية، وابتلي بالفتوى الواسطية، العقيدة الواسطية التي ألفها، وابتلي بمعض الفتاوى البطيئة، فتواه في الطلاق التي لأجلها سجن حتى توفي رحمه الله تعالى، «طلاق الثلاث». قال: لذلك كلام جمهور أهل العلم، لما دل الدليل عنده بأن طلاق الثلاث كان كما في حديث ابن عباس، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وصدر من عهد عمر، لا يعده إلا طلقة واحدة. قال: «ولا يطلق لسانه مما اتفق عليه، ولا يطلق لسانه مما اتفق عليه». قال: يحتاج بالقرآن، إيش عندكم؟ في حد عنده نسخة ثانية، ولا نفس النسخة التي عندنا؟ ماشي. قال: بل يحتاج بالقرآن والحديث والقياس. يعني: لعل معناه يقول: أولا ولا ينفرد بمسائله بالتشهي، يعني: لا ينفرد في شيء حتى ألقى بعضهم الشعراء فيمن فرد فيه شيئًا، كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وخالف فيه الجمهور. ولكن له ما خالفهم لهوى وتشهي، بل العالم الحقيقي يشق عليه مخالفة الناس، ولا يرتاح بذلك، يضيق صدره. لكنه الدين، الدين هو الذي يقتضي عنده أن يقع في هذا الحرج. وهذا حال أهل الحق من أهل السنة في كل زمان ومكان، أنهم في غربة. لماذا؟ لأنهم يعاملون الله جل وعلا، ويمضون بما يقتضي عندهم الدليل. وإلا فهم لا يحبون الشذوذ في المجتمع والمخالفة والغربة عن الناس. فما أحد يفرح بهذا. لكنه الدين، الدين يقتضي ذلك. قال: قال: بل يحتاج بالقرآن والحديث والقياس والبرهان، ويناظر، أسوة بمن تقدمه من الأئمة. هذا حال صاحب الحق. قالوا: حج سنة إحدى وتسعين وستمائة، وكان مضرب المثل في زهده، فلم تكن الدنيا تشغل باله، بل جعل همه وحديثه بطلب الآخرة وما يقرب إلى الله تعالى. وما كان يرضى أن يأخذ من السلطان شيئًا، وكان أبوه يقوم بشؤونه. وكان رحمه الله مترفعًا عن الأحقاد، لا ينتقم لنفسه. وذكر لنا العلماء بصته، صفحًا عن الذين أرادوا قتله، وأليته، وجداله السلطان للصفح عنهم. وفي ذلك يقول زين الدين بن مخلوف، قاضي المالكية: «ما رأينا مثل ابن تيمية، حرضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا، وحاجج عنا». وجاء الفقهاء يعتذرون عما وقع منهم في حقه، فقال: «قد جعلت الكل في حل». وهذا حال أهل العلم، وحال من يعامل الله جل وعلا، فإن الذي يريد ما عند الله لا ينتقم لنفسه، ولا كذلك يحمل الظلم، لأنه يريد ما عند الله جل وعلا. إن عاد عاد لأجل الدين، وإن أبغض أبغض لأجل الدين، وإن جافى جافى لأجل الدين، لا لأغراض شخصية، ولا لمقاصد دنيئة، بل لأجل الله جل وعلا. فلهذا لا يقع في قلبه حقد، ولا كذلك يكون عنده غل. وإن كان هذا لا يسلم منه أحد، لكن الكريم من يجاهد نفسه على ذلك، لأنه يريد ما عند الله. قال: سعة علمه وشيوخه وتلاميذه ومصنفاته. أخذ شيخ الإسلام الفقه والأصول عن والده، وسمع من خلق كثير، منهم الشيخ شمس الدين، والشيخ زين الدين بن المنجا، والمجد بن عساكر، وغيرهم. وكان واسع الاطلاع على فنون العلم وضروبه، وأبدع في جميع ذلك، رحمه الله تعالى. قال أبو الفتح اليعمري فيه: «ألفيته ممن أدرك من العلوم حظًا، وكان يستوعب السنن والآثار حظًا. إن تفلم بالتفسير، فهو حامل رايته، أو أفتك بالفقه، فهو مدرك غايته، أو ذكر في الحديث، فهو صاحب علمه وذو روايته، أو حاضر من الملل والنحل، لم ير أوسع من منحلته، ولا أرفع من درايته. برز بكل فن على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه في الأعيان». قال: ومن تلاميذه الحافظ محمد بن القيم الجوزية، واشتهر به، يعني: يقول: شيخي. وكذلك الحافظ الذهبي، وابن كثير، وابن عبد الهادي، وغيرهم. وتجد في هؤلاء العلماء الأعلام نفس شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، في كتاباتهم. وهذا من فضل هذا الشيخ على تلامذته، والفضل لله جل وعلا على الجميع. قالوا: لشيخ الإسلام العديد من المصنفات، من ذلك «بيان تلبيس الجهمية»، و«الجواب الصحيح»، و«درء تعارض العقل والنقل»، و«منهاج السنة النبوية»، و«الإيمان»، و«اقتضاء الصراط المستقيم»، وغيرها الكثير من الرسائل والمصنفات. قال: هذه الكتب كل كتاب أعجب من الآخر، وفيها من الفوائد الشيء الكثير. وكتاب «تلبيس الجهمية» طبع بمجلدين، اشتهر بنقض التأسيس، أثره على الأشاعرة والمعطلة ممن سبقهم. وكان أثر ذلك على الرازي، لأنه حمل راية التعطيل في زمنه، رحمه الله تعالى، وهو كتاب نافع مفيد. كثيرًا ما كان يحيي إليه العلماء، ويأخذون منه، لما فيه من الفوائد، ورد الشبه بما لم يكن في غيره من كتاباته، رحمه الله. و«الجواب الصحيح» طبع اليوم بخمسة مجلدات، وهو ذو الرد على النصارى، وذكر وتفنيد شبههم. وكتاب «درء تعارض العقل والنقل» طبع في مجلدات كثيرة، قد يصل إلى إحدى عشر، كم عندنا عشر مجلدات. وكذلك جعله بالرد على الفلاسفة ومن نحا نحوهم من المعطلة والمعتزلة، وفيه مباحث عجيبة، دقيقة وغزيرة في مسائل المتكلمين والفلاسفة، مما يدلك على أن هذا الرجل لم يتبحر فقط في علم الكتاب والسنة، ودرايته بالآثار السلفية، بل كذلك خاض في علوم أهل الضلال، حتى أتقنها ورد عليهم بها. وهذا «منهاج السنة النبوية» الذي طبع كذلك بقرابة تسع مجلدات، وهو كذلك جعله بالرد على الشيعة والرافضة ومن نحا نحوهم من الباطنية، وتفني شبههم، وذكر مقالاتهم وتناقضهم في أقوالهم، وغير ذلك. وكتاب «الإيمان» كذلك، والذي كان به رد على المرجئة، وعلى كذلك من كان على طريقتهم ممن ظل في باب الإيمان إفراطًا وتفريطًا. و«اقتضاء الصراط المستقيم» لعله رحمه الله كذلك في بيان ما يجب أن يكون عليه المسلم، وكذلك الحذر من طرق الكافرين. فهذا وغيرها من الكتب والرسائل. ومنها ما جمع له من الفتاوى التي جمعها الشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله تعالى، وابنه محمد، وهو كتاب عظيم، يدل على تبحر هذا الشيخ الجليل، لأنه يفتي بفتاوى فيها من التحقيق ما لا يوجد عند غيره من العلماء. فكيف هو يفتي بفتاوى وتنقل عنه مكتوبة ومسموعة؟ جمعت هذه المجلدات الكثيرة التي طبعت اليوم في 37 مجلدًا للفهارس. ولو حققت وطبعت محققة، خرجت أكثر من ذلك. وسمعت أنهم الآن يخرجونها محققة، وستخرج في ضعف هذه المجلدات. قال: ثناء العلماء عليه. لقد أثنى العلماء الأعلام على هذا الإمام الجليل، ولقبوه بشيخ الإسلام، وأفردوا مناقبه بالتصانيف، وتحلت بذكره التواريخ والتأليف. ولم ينتقص منه إلا من جهل مقداره وخطر منزله، ومن جهل شيئًا عابه. وحال هؤلاء الذين انتقصوا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بين رجلين: رجل سوء من أهل البدع والضلال، وآخر جاهل لم يعرف علم العلماء، أو قلد أهل الضلال فيما هم فيه. فإنه كما لا يخفى على العبير والصغير والعالم والجاهل، أنه لا يكون الكمال لأحد. فما من عالم إلا وله هفوة. ولكن هفوات أهل العلم تؤخذ بحسناتهم الكثيرة. فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كغيره من العلماء، فما من عالم من أئمة أهل العلم، فضلا عن غيرهم من طلبة العلم، إلا ولهم شيء من الهفوات. ولكن كل يؤخذ من قوله ويرد. ولا يعني ذلك الإنقاص من قدرهم، وكذلك التنقص من مقدارهم ومنزلتهم. بل العالم عالم والإمام إمام، وأخطاؤه وتغمر بحسناته. هذا بالنسبة لأهل السنة. وليست أخطاء أهل السنة كأخطاء أهل البدع. أخطاء أهل السنة بين عدم أصول دليل، أو كذلك سوء فهم أو نقل في فهم أو غير ذلك، مما يكون فيه الإعذار. أما أخطاء أهل البدع فهو العناد والمعارضة للأدلة، وكذلك المجادلة بالباطل، وغير ذلك مما لا يكون فيه الإعذار. قال رحمه الله: وفاته. أدخل السجن آخر مرة في شعبان سنة ست وعشرين وسبعمائة، واعتقل بالقلعة، ومكث بالسجن إلى أن توفاه الله في 20 ذي القعدة سنة 28 وسبعمائة. مرض بمرض البلع، عشرة وعشرين يومًا، ولم يعلم أكثر الناس بمرضه، وفوجئوا بموته. وذكر خبر وفاته، وذكر خبر وفاته مؤذن القلعة على منارة الجامع، وهذا خلاف السنة، بل هذا من النعي المحرم. ولا يعني فعل ذلك الرضا به. شيخ الإسلام المسلمي رحمه الله، ضرب عن مثل هذه الأفعال. قال: وتكلم به الحرات على الأبراج، وتسامع الناس بذلك، واجتمعوا حول القلعة، وكانت جنازة عظيمة جدًا. وقيل: ما قعد بعد الإنشيع إلا خمسون ألفًا. ودفن في مقابر الصوفية في دمشق. وقد رثاه كثير من العلماء، وقصائدهم معروفة مشهورة. رحم الله من التنين. وقد كان عظيمًا في حياته، وعظيمًا. قال: وجزى عن الدين خير ما جزى داعيًا حق حمى دعوته. والحمد لله رب العالمين.