شرح مقدمة اصول التفسير 22

شرح مقدمة اصول التفسير 22

الدرس الثاني والعشرون : وفيه من قوله ( فصل في النوع الثاني الخلاف الواقع في التفسير من جهة الاستدلال .وأما النوع الثاني من مستندي الاختلاف ... وأبي سعيد الأشج وأبي عبدالله بن ماجه وابن مردوية ).

أسباب الاختلاف في التفسير وطرق الاستدلال

يتناول الكتاب أسباب الاختلاف في التفسير، حيث يُعزى النوع الثاني من هذه الأسباب إلى الاستدلال لا النقل، وتفسير المتأخرين أكثر عرضة للخلاف. يُذكر أن تفاسير الصحابة والتابعين كانت أكثر سلامة بسبب اعتمادها على النقل.

طرق علماء التفسير واختلافهم في التفسير بالرأي

يُبرز المقطع طريقتين مشهورتين للتفسير: التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي، ويناقش آراء العلماء حول التفسير بالرأي. يُشير إلى أن التفسير بالرأي قد يكون جائزًا إذا استند إلى أمور متقدمة مثل أحوال العرب وأسباب النزول.

أهمية الفهم الصحيح في تفسير القرآن وتقسيم التفسير إلى محمود ومذموم

يؤكد على أهمية الفهم الصحيح في تفسير القرآن، ويبين أن التفسير ينقسم إلى محمود ومذموم. التفسير المحمود يتوافق مع النصوص الصحيحة، بينما المذموم يعارضها ويشمل تفسير أهل البدع والأهواء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة في كتابه المسمى «مقدمة التفسير». قال: فصل في الاختلاف والتفسير باختلاف طرق الاستدلال. قال: النوع الآن من سبب الاختلاف، يعني مر معنا السبب الأول فيما يتعلق بالصحة والإسناد، أو كذلك قبل ذلك مما ليس به اختلاف، وإنما هو تفسير ببعض المعنى. قال رحمه الله تعالى: وأما النوع الثاني من سببه الاختلاف، وهو ما يعلم بالاستدلال لا بالنقل، يعني سبب الاختلاف ما يكون بالاستدلال لا بالنقل. قال: فهذا أكثر ما فيه الخطر من جهتين حدثتا بعد تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، لأن تفسير الصحابة والتابعين وتابعيهم كانت تفسيرًا بالنقل، وليس تفسيرًا بالاجتهاد المطلق، كما سيأتي معنا إن شاء الله تنبيه عليه. فلهذا سلم من هذا الاختلاف. ولما كان تفسير المتأخرين فيه الرأي، وخصوصًا الرأي المذموم، صار الخلاف بينهم أكثر. قال رحمه الله: فإن التفاسير التي ينكر فيها كلام هؤلاء -يعني الصحابة والتابعين- صرفًا لا يفعل، يوجد فيها شيء من هاتين الجهتين، يعني بصرفًا، يعني حقًا خالصًا لا يوجد فيه هذا الذي دخل به الاختلاف أو الخطأ على تفسير المتأخرين. وسيأتي بيان هاتين الجهتين. قال: مثل تفسير عبد الرزاق، ومعنى مثل تفسير عبد الرزاق، وما سيذكره، أي هذه هي التفاسير، أو ما ينقل عنهم في كتب التفسير، هو من التفسير بالمنقول، أي عن الصحابة والتابعين، فهو مما سلم من هذا الخطأ الذي سينبه عليه. قال: مثل تفسير عبد الرزاق، عبد الرزاق هو ابن همام الصنعاني حميري، أصله من اليمن، توفي في مئتين وإحدى عشر. قال: وهو ابن الجراح الرؤاسي، توفي سنة ست وتسعين ومئة. قال: وهو عبد بن حميد، وهو ابن نصر، توفي في تسع وأربعين ومئتين. قال: وهو عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، يعني المشهور والملقب بدحيم، وهو عبد الرحمن بن عمر. قال: وهو مجهد، سئل الإمام أحمد، وهو أحمد بن حنبل بن محمد بن حنبل. وإسحاق بن راهويه، وهو ابن إبراهيم بن راهويه الحنظلي. وابن أبي شيبة، وهو القرطبي المشهور. قال: وهو بكر بن المنجر، وهو المشهور، أبو بكر بن المنجر، أبو بكر بن إبراهيم، ألف كتبًا في الخلافيات كثيرة. قال: وهو سفيان بن عيينة، كذلك من الأئمة وأهل الحجاز المشهورين. قال: وسنيد، وسنيد، وابن داود المسيبي. قال: وهو ابن جرير، وهو محمد بن جرير الطبري. قال: وهو ابن أبي حاتم، وهو عبد الرحمن بن أبي حاتم، إمام بن إمام، وأبوه سعيد من الأثبات. وهو عبد الله بن سعيد. قال: وهو أبو عبد الله بن ماجة، وهو محمد بن يزيد القزويني، صاحب السنن المشهور. وابن مردويه، وهو أحمد بن موسى الأصبهاني، أحد أئمة المتأخرين ومسندي زمانه، من مسندي زمانه، رحمه الله. وهؤلاء الذين ذكرهم الغالب عليهم أنهم إذا نقلوا شيئًا من التفسير، فينقلونه بالمأثور، يعني بما أثر عن الصحابة وعن التابعين وتابعيهم. ولهذا فإن ما سينبه عليه ويحذر منه المؤلف رحمه الله قليل في كتبهم، أو لا يكاد يوجد. ومع ذلك لا يعني أن هذه التفاسير كلها بمستوى واحد، لا تختلف، تختلف جودة وانتقاء وصفاء. وذلك للأمر الأول الذي سبق، فإن بعضهم أولًا لا يتأمل، أو لا يبالي بين ضعيف وصحيح، مثل كتب ابن مردويه، فإن كتب ابن مردويه فيها الأحاديث الضعيفة والآثار الضعيفة، بل والأشياء الباطلة التي يرويها، رحمه الله، ويقع فيها الخطأ الواضح الظاهر الذي يعارض نصوص الكتاب والسنة والآثار السلفية الكثيرة. وهكذا بعضها يجمع الصحيح ويجمع الضعيف، ومن كان بالجملة يحرص على الصحيح، مثل تفسير ابن جرير، وهو من أجمع التفاسير، أو تفسير ابن أبي حاتم، لكن تفسير ابن أبي حاتم أرفع من تفسير ابن جرير من حيث الصحة. وهكذا فهي لا تستوي، وذلك على التفصيل الذي سبق ذكره في السبب السابق، وهو ما يتعلق بالنقل. ثم هنا قبل أن ننتقل إلى كلام المؤلف رحمه الله، ننبه أن علماء التفسير، أي الذين قاضوا بالتفسير، لهم بذلك طرق، وهي طريقتان مشهورتان. الطريقة الأولى: طريقة التفسير بالمأثور، أي بما نقل، إما عن النبي عليه الصلاة والسلام، أو ما نقل عن الصحابة، أو التابعين، أو تابع التابعين. وكان أكثر تفسير السلف الصالح، ومن بعدهم، ومن نقل عنهم من الأئمة المتقدمين، على هذا، يحرصون على التفسير بالمأثور، ما ينقلون كلامًا لأنفسهم أبدًا، إذا فصلوا آية، يقولون: قال ابن عباس، قال ابن مسعود، قال علي، قال سعيد بن جبير، قال طاووس، قال عطاء، ونحو ذلك، إما بالأسانيد يذكرونها، وإما أن يذكروا الأسانيد كما مر معنا مما فعله بعض المتأخرين، كالطبراني وغيره، يذكر بعض الأسانيد في أول الكتاب، لأنه يقول: أسانيده إلى ابن عباس، هذه هي، وأسانيده إلى سعيد بن جبير، هذه هي، إلا أن يكون إسناد نادر يختلف على ذاك الذي ذكره في المقدمة، فينبه عليه موضعين. فهاتان طريقتان: بذكر الأسانيد، هذه هي الطائفة الأولى، وضعوا المتأخرون، ربما ينقل الأثر من غير إسناد، اكتفاءً بما ذكر في الكتب التي أوسع، مثل ابن كثير وغيره. وقسم آخر اتخذ طريقة التفسير بالرأي. وقد اختلف العلماء في التفسير بالرأي، هل يجوز أو لا يجوز؟ ومبنى ذلك أن الرأي رأيان: رأي مذموم، ورأي محمود. أما الرأي المحمود، فهو الرأي المستند على المصادر الصحيحة للتفسير. وقد مر معنا ذكر بعض المصادر في أوائل هذا الكتاب. فمن مصادر التفسير: تفسير القرآن بالقرآن، ومن مصادر التفسير: تفسير القرآن بالسنة، ومن مصادر التفسير: تفسير القرآن بكلام الصحابة والتابعين. وكلام الصحابة والتابعين فيه شيء من الاجتهاد والاستنباط أحيانًا، وهذا الاجتهاد والاستنباط عند هؤلاء الأمة، من سلف الأمة، مستند إلى خمسة أمور. الأمر الأول: عموم النصوص الشرعية من الكتاب والسنة. الأمر الثاني: كذلك ما علموه من عموم اللغة وسرها، مع ربما ما حضروه من كلام كبار الصحابة أو كبار العلماء، سواء كان من صغار الصحابة يأخذ عن كبارهم، أو صغار أو كبار التابعين يأخذ عن متأخري الصحابة، وهكذا. والثالث: معرفة أحوال العرب، والذي منه معرفة أسباب النزول، فإن معرفة أسباب النزول وأحوال العرب الذي يعرف المرء، وكذلك الناظر، الحالة التي عليها نزل، أو فيها نزل القرآن، فبمثل هذا يصل كذلك إلى تفسير بعض الآيات، مثل مسألة النسيء للأشهر، فتفسير الصحابة واجتهادهم فيها، بما علموه من أحوال العرب، وما تناقلوه كذلك مما كان منتشرًا ومعروفًا عند العرب، فعلموا بذلك معنى هذه الآية. وهذا كذلك من هذه الأمور: أحوال الكبار من المشركين واليهود والنصارى ومعرفتها، فإن الصحابة رضي الله عنهم علموا ذلك، أي حال هؤلاء، وبه فسروا نزول القرآن، أي بعض الأشياء التي اجتهدوا فيها. وهذا كذلك قوة الفهم، وكذلك معرفة السياق والسباق الذي به يعرف تفسير القرآن. ومما يدل على ذلك ما جاء في حديث أبي جحيفة، حين قال: قلت لعلي -والحديث صحيح- قال: قلت لعلي: هل عندكم شيء مما أنزل إلا ما في كتاب الله؟ أو من الوحي إلا ما في كتاب الله؟ قال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما أعلمه إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن، أو ما في هذه الصحيفة. ثم ذكر بالصحيفة شيء من حديث النبي عليه الصلاة والسلام في العقل، وفي فكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر. والحديث صحيح. فقوله: «إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في القرآن» يدل على أن الصحابة كانوا يفسرون القرآن بالفهم الصحيح، بما يستنبط من الأمور المتقدمة. وهكذا كذلك ما جاء في الصحيح لقصة ابن عباس، حين كان يفسره عمر رضي الله عنه مع أشياخ بدر، فكأنهم استغربوا ذلك عليه، فسأل عبد الله بن عباس يومًا عن تفسير سورة النصر: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ سأل أشياخ بدر، فلم يجيبوا، وبعضهم أجاب؛ لأنه أمر لمجيء عليه الصلاة والسلام بالتسبيح والاستغفار، أفاد على ظاهره. فلما سأل عبد الله بن عباس، قال: «إنما هو نعي ينعى به ربنا جل وعلا نبيه عليه الصلاة والسلام، أنه قد تم إبلاغ الرسالة، وآن أوان موت النبي عليه الصلاة والسلام، فليكثر من الاستغفار والتسبيح»، أو كما قال، رضي الله عنه. فقال عمر: «ما أعلم لها تفسيرًا، أو ما أعلم إلا ما تعلم». ويؤكده ما روته عائشة رضي الله عنها وارضاها في تأويل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذه السورة، فكان يكثر في ركوعه وسجوده بهذا الذكر. فهذا الشاهد من هذا، بهذا نعلم أن بعض التفسير بالرأي هو من الرأي المحمود، وهو المستنبط من هذه الأمور الخمسة المتقدمة. ونوع من الرأي هو من الرأي المذموم، الذي يكون بسبب عقائد يعتقدها الإنسان، فينزل عليها، أي على ما يهوى وما يشتهي، معاني ألفاظ القرآن. وأصناف أخرى كذلك ستأتي من كلام الشيخ رحمه الله، يراعي بعض الألفاظ مجردة عما يحتمل بها من معاني، إما نغلق عن المعنى، أو نسرع، أو نبطئ بها الآيات. فالقرآن يسر، والسنة يسر، والصحابة يسر، فما أجمع عليه الصحابة، أو أجمع عليه التابعون، لا يمكن معارضتهم إلى شيء، يعني يظن أنه يدل عليه ظاهر اللغة، فظاهر اللغة ليس دائمًا يكون هو المقصود. فالتفسير بالقرآن، وبالسنة، وبكلام سلف الأمة، مقدم على ظاهر اللغة، مما تختلف به اللغة. وبهذا نعلم أن التفسير منه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم. فالمذموم هو الرأي القائم المعارض للنصوص الصحيحة، وكذلك للرأي المحمود. وأعظم من ذلك الرأي المذموم الذي يكون عند أهل البدع والأهواء، فإن ذلك من أعظم التفسير الباطل، كما سيأتي من كلام الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى. وبهذا ننتهي، والحمد لله رب العالمين.