شرح مقدمة اصول التفسير 23

شرح مقدمة اصول التفسير 23

الدرس الثالث والعشرون : وفيه من قوله ( إحداهما:قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها ... وهذا كما أنه وقع في تفسير القرآن فإنه وقع أيضاً في تفسير الحديث ).

أخطاء الطوائف في التفسير

ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن الطائفة الأولى أخطأت في التفسير بحمل ألفاظ القرآن على معانٍ اعتقدوها، مثل الرافضة والمعتزلة. هؤلاء فسروا القرآن وفقًا لأهوائهم وعقائدهم الفاسدة.

أسباب الاختلاف في التفسير

الاختلاف في تفسير القرآن يعود إلى مفسرين يفسرونه بناءً على آرائهم دون اعتبار للسياق وأسباب النزول وتفسير السلف. منهم من يفتتن بالإعجاز العلمي ويحمل ألفاظ القرآن ما لا تحتمل.

خطأ الفريقين وتأثيره

الفريقان الأول والثاني أخطآ في التفسير، الأول بمراعاة المعنى دون اللفظ والثاني بالعكس، مما أدى إلى تحريف المعنى الصحيح للآيات. يشرح المقطع أمثلة على هذه الأخطاء وتأثيرها.

احتمال الخطأ في الاستدلال

الخطأ قد يكون في الدليل وليس في المدلول، وقد وقع شراح الحديث في ضلالات بسبب الخطأ في الاستدلال وتفسير الحديث. أبو بكر أول من سيدخل في هذا المعنى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في آداب مقدمة التفسير: قال إحداهما قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها، والثانية قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريدوا به من كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن والمنزل عليه والمخاطب به. بيّن رحمه الله تعالى في هذا الموضع أن من أنواع الضلال أو المخالفة، وحصول الخلاف في التفسير، ما كان بسبب طرق الاستدلال، وذلك كان من طائفتين. الطائفة الأولى: قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها. وقلنا بما سبق أن الغالب على هؤلاء هم أهل البدع والأهواء الذين يريدون أن يفسروا القرآن على أهوائهم، فهم اعتقدوا أولًا ثم ذهبوا يستدلون ثانيًا، فحملوا الألفاظ ما لم تحتملها. وهم درجات، صنف منهم أتوا بشناعات وغرائب لا تحتملها لغة ولا عقل ولا فطرة، فضلًا عن الشرع. ومن ذلك تفسير بعض الرافضة لقول الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾، قالوا: عائشة. قاتلهم الله. وتفسير بعض الرافضة للشجر الملعونة في القرآن بأنها معاوية وسلالته، وهذا كذلك من عجائب التفسير الذي يأتي من أهل الأهواء. وكذلك نحو هؤلاء المعتزلة، كما سيأتي معنا إن شاء الله شيء من ذلك في كلام المؤلف رحمه الله. فالمعتزلة كذلك اعتقدوا أولًا ثم فسروا القرآن بأهوائهم ثانيًا على حسب عقيدتهم. ومن ذلك ما ذكره الزمخشري، وقد مر معنا الزمخشري وكتابه وتفسيره الكشاف، ففسر قول الله جل وعلا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، بمخالب الحكمة، كلمه بمخالب الحكمة، فحرف كلم الذي هو من الكلام إلى كلم الذي هو من الكلم أي التجريح. وهذا التحريف لعقيدته الفاسدة في القرآن، فإنهم يقولون بخلق القرآن وبخلق كلام الله، وأن كلام الله مخلوق، ينفون عن الله صفة الكلام. فلأجل هذا لا يريد أن يفسرها بالكلام، ففسرها بالتجريح والكلم. وظاهر اللغة يرده، فقوله جل وعلا: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، أكد بالمصدر الذي هو التكليم. ولو كان المراد به التجريح لقال: وكلم الله موسى ماذا؟ كلما ليس تكليمًا. ولكن هذا لأنه اعتقد أولًا ثم استدل ثانيًا. وهكذا كذلك تجاوزاته وتجاوزات غيره من أهل الأهواء في تفسير كلام الله. فتجده مثلًا في سورة آل عمران، بقول الله جل وعلا: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾، يذكر تعظيم هؤلاء العلماء، وكيف أن الله عظم هذا التعظيم. ثم يقول: وإذا قلت من هم هؤلاء العلماء؟ قال: قيل لك: هم علماء العدل والتوحيد، يريد به علماء المعتزلة. علماء العدل والتوحيد. بل يأتي بعدها للآية بعدها في تفسير الإسلام، وأن الإسلام الذي يرى في هذه الآية هو إسلام المعتزلة، وأن ما سواه فليس بإسلام، فيكفر أهل السنة. فيذكر بعد ذلك فيقول: وفيه من ذهب إلى تشبيه، وفيه أن من ذهب إلى تشبيه أو ما يؤدي إليه كإجازة الرؤية -يعني أن رؤية الله جائزة فضلًا عن أنها تكون- وأهل السنة يقولون: أن الله جل وعلا يرى رؤية تليق بجلاله وعظمته، بأدلة الكتاب والسنة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. وهو يقول: وفيه أن من ذهب إلى تشبيه أو ما يؤدي إليه كإجازة الرؤية، أو ذهب إلى الجبر الذي هو محض الجور، لأن المعتزلة قدرية نفاة، فيتهمون أهل السنة بأنهم ماذا؟ بأنهم جبرية. يقول: لم يكن على دين الله الذي هو الإسلام -يعني كالطرق- يقول: الذين يثبتون الرؤية والذين يثبتون القدر أنهم ليسوا على دين الإسلام. ثم يقول: وهذا بيّن جليل. وهكذا كذلك الأشاعرة يحرفون آيات كثيرة. فتأتي مثلًا إلى تفسير الجلالين، فإذا أتى إلى قوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾، يقول: صادق. وإذا جاء إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، يقول: عالم. ونحو ذلك من التحريف، لأنهم لا يثبتون الصفة المفاضلة لله جل وعلا. وأهل السنة يثبتون على ما تليق بجلال الله وعظمته. وقد مر الكلام على ذلك بدروس التفسير. وهكذا غير ذلك كثير. وهكذا من ابتلي بالنظر العقلانية، فتجد مثلًا البيضاوي في تفسير قول الله جل وعلا: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ -يعني آكل الربا- يفسرها بتفسير الزمخشري المعتزلي. فيقول: زعم بعضهم أن هذا فيه تلبس الإنسي بالجن. وليس الأمر كذلك، فيبدأ ينفيه، ويعطل ذلك، وهو بالرأي. فهم يعتقدون أولًا ثم استدلوا ثانيًا. وهكذا الطائفة الثانية، قال: قوم فسروا القرآن بمجرد ما يسوغ أن يريد به من كان من الناطقين بلغة العرب، من غير نظر إلى المتكلم بالقرآن والمنزل عليه والمخاطب به. وهذا كذلك نوع من الخطأ، وسبب من أسباب الاختلاف، أن ينظر إلى اللفظ فقط دون النظر إلى السياق والسباق، ودون النظر إلى أسباب النزول الذي به يفسر القرآن. مثل ما فسر بعض المتكلمين ونحوهم، بعض المفتونين بالإعجاز العلمي، ويحملون ألفاظ القرآن ما لا تحتمل. فيفسرون قول الله جل وعلا: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمُ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، يقولون: أن الضمير في قوله: ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، يعود على الله، وأنه في هذا دليل على الاستدلال بالخلق على الخالق. وهذا هو قول المتكلمين، وهو تفسير أهل الإعجاز العلمي في هذا الزمان. ورده شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بكتابه «تعارض العقل والنقل»، وبين أنه من كلام أهل الكلام. وأن قول عامة المفسرين: أن الضمير يعود إلى القرآن، أنه الحق، أي القرآن وما فيه من الدلالة والإشارة إلى الآيات النفسية والأفقية، كما بسطه في ذلك الموضع. فيرجع إليه في الجزء الثالث في الدرس. وهذا كذلك تفسيرهم لا ينفذون إلا بسلطان، زعموا أن فيه دليلًا إلى الوصول إلى القمر واختراق الأفلاك. بينما الآية قبلها وبعدها يدل أن المعنى إنما هو يوم القيامة، أن المراد به يوم القيامة، وهو الذي فسره به السلف ومن بعدهم. ولكنهم يأخذون إلى ظاهر اللفظ دون اعتبار إلى السياق والسباق، ودون اعتبار إلى تفسير السلف، وغير ذلك مما فيه خروج عن الاعتدال وعن الطريق السوي في هذا المقام. قال رحمه الله: فالأولون راعوا المعنى الذي رأوه -يعني بهوى منهم- من غير نظر إلى ما تستحقه ألفاظ القرآن من الدلالة والبيان. والآخرون راعوا مجرد اللفظ وما يجوز عندهم أن يريد به العربي، من غير نظر إلى ما يصلح للمتكلم به وسياق الكلام. الأولون يريد الذين اعتقدوا ثم استدلوا، ذهبوا إلى المعنى الذي في نفوسهم فقط، ولم يبالوا بأن اللفظ يحتمله أو لا يحتمله، يستصيغه أو لا يستصيغه، يصححه أو يرده، المهم عندهم أن يثبتوا الذي يعتقدون. والصنف الآخر هم الذين نظروا إلى اللفظ دون اعتبار لسياق الكلام وسباقه وسبب نزوله وغير ذلك. قال: إلى ما يصلح للمتكلم به وسياق الكلام -أو سياق الكلام- ثم هؤلاء كثيرًا ما يغلطون باحتمال اللفظ لذلك المعنى في اللغة، كما يغلط في ذلك الذين قبلهم. الذين قبلهم هم الذين راعوا المعنى، مثل ما سبق. والذين بعدهم هم الذين نظروا إلى اللفظ دون اعتبار إلى المعنى الذي قد يشير إليه السياق والسباق وسبب النزول وتفسير السلف. قال: كما يغلط في ذلك الذين قبلهم، كما أن الأولين كثيرًا ما يغلطون في صحة المعنى الذي فسروا به القرآن، كما يغلط بذلك الآخرون -يعني الفرقة الثانية- وإن كان نظر الأولين إلى المعنى أسبق، ونظر الآخرين إلى اللفظ أسبق. يعني كل منهما من الطائفتين والفرقتين نظر إلى معنى. الأولون نظروا إلى المعنى فقط، والمعنى الذي في نفوسهم وأهوائهم. والآخرين نظروا إلى اللفظ دون اعتبار إلى ما قد يتضمنه هذا اللفظ من معنى بسياقه وسباقه وسبب نزوله وتفسير السلف أو إجماع المفسرين على معنى معين. قالوا: الأولون صنفان، تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه وأريد به. تارة يسلبون لفظ القرآن ما دل عليه، مثل تفسير الزمخشري: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، سلب معنى الكلام في الآية وحوله إلى معنى ماذا؟ الكلم الذي هو التجريح. قال: وتارة يحملونه على ما لم يدل عليه ولم يرده، يحملوه معنى لم يدل عليه، مثل فعل الرافضة، يقولون: الشجر الملعونة هي معاوية وسلالته، وهو من الجور والظلم، آت لهم الله. فهذا تحميل للفظ ما لم يدل عليه ولم يرد به، فإنه شيء فيه تكلف. قال: وفي كلا الأمرين قد يكون ما قصدوا نفيه أو إثباته من المعنى باطلًا، فيكون خطأهم في الدليل والمدلول. خطأهم في الدليل -أي الذي استدلوا به- والمدلول -أي المعنى الذي فسر به هذا الدليل- فاستدلوا مثلًا بهذه الآية على التجريح، وهذا خطأ. والمدلول هو نفي الكلام وإثبات التجريح، وهو خطأ. فكلا الأمرين خطأ، الدليل الذي استدلوا به والمدلول الذي أثبتوه. قالوا: قد يكونوا حقًا، فيكونوا خطأهم فيه بالدليل لا في المدلول. وهذا مثل ما سيأتي في تفسير بعض المبسرين مثلًا: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾، يقول: هو أبو بكر، وهذا من جهة المعنى الصحيح، لأن أبا بكر أول من يكون مع النبي عليه الصلاة والسلام، والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم. لكنه ليس هو المقصود بهذه الآية، ليس هو المقصود بعينه فقط بهذه الآية، بل المقصود جملة وجماعة من المؤمنين أثنى الله عليهم في القرآن. قالوا: قد يكونوا حقًا، فيكونوا خطأهم فيه في الدليل -أي في الاستدلال بهذا الدليل- لا في المدلول، وإن كان المدلول معناه صحيح، لأن أبا بكر أول من يدخل بهذا المعنى، كما سيذكره رحمه الله. قالوا: هذا كما أنه وقع بتفسير القرآن، فإنه وقع أيضًا بتفسير الحديث -يعني شراح الحديث كذلك أقضوا بهذا- ويشير بهذا إلى الضلالات التي وقعت في شروح الحديث بسبب هذين الخطأين.