الدرس في شرح مقدمة اصول التفسير 24، الدرس الرابع والعشرون : فيه من قوله (فالذين أخطأوا في الدليل والمدلول مثل طوائف من أهل البدع ... ولا من ينكر خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول التحذير من طوائف أهل البدع الذين يحرفون القرآن عن مواضعه لتأييد مذاهبهم الباطلة، مع ذكر أمثلة على تحريف الرافضة والجهمية والمعتزلة للآيات القرآنية. يُظهر المقطع كيف يفرط هؤلاء في الدليل والمدلول.
المعتزلة يحرفون الكلم عن مواضعه ويفسرون القرآن بالتفسير الباطل مستندين إلى أصول مذهبهم، مثل تفسير الزمخشري. توحيدهم ينفي الصفات ويجعل أسماء الله كأسماء المخلوقين، وينفي الرؤية.
يناقش الرد على آراء المعتزلة في إنكارهم صفات الله تعالى مثل العلو والرؤية والقدرة، ويبين تعارض هذه الآراء مع الأدلة القرآنية والنبوية. كما يشير إلى نفي المعتزلة لمراتب القدر الأربعة واعتبارهم أن العباد يخلقون أفعال أنفسهم.
يتم ختام الحديث بالتعبير عن الاكتفاء بما تمت مناقشته مع توجيه الشكر لله رب العالمين، ويظهر ذلك نهاية الجزء المحدد من النص. الحمد لله يُعتبر تعبيرًا عن الامتنان.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة في كتاب مقدمة التبصير أو مقدمة في وصول التبصير. قال رحمه الله تعالى: فالذين أفرطوا في الدليل والمدلول مثل طوائف من أهل البدع اعتقدوا مذهبًا يخالف الحق الذي عليه الأمة الوسط الذين لا يجتمعون على ضلالة كسلف الأمة وأئمتها. وعمدوا إلى القرآن فتأولوه على آرائهم، تارة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها، وتارة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه. قال: ومن هؤلاء فرق الخوارج والروافض والجهمية والمعتزلة والقدرية والمرجئة وغيرهم. يريد رحمه الله تعالى أن يبين أن من هؤلاء الذين أفرطوا في الدليل والمدلول، وكما مر معنا أن هذا حال الطائفة الأولى الذين نظروا إلى المعاني وأرادوا أن يحملوا الألفاظ على أشياء لا تدل عليها، هم الذين يلوون لفظ القرآن عما دل عليه. وأبين رحمه الله قبل قليل -يعني قبل هذا- بأن منهم من يكون إفراطه في الدليل والمدلول، وعلمنا معنى ذلك. فالدليل والمدلول بمعنى أنه يستدل بشيء لا يصح الاستدلال به، وكذلك يثبت معنى لا يصح إثباته، بل تدل الأدلة على بطلانه. فمثلاً، كما مر معنا قريبًا قول الزمخشري: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ قال: هو من الكلام، أي الجرح. هذا الآن عقل أولاً من الدليل الذي هو الآية، وكذلك المدلول -أي المعنى الذي أثبته- فهو أفرط في الدليل لأنه فسره على غير التفسير الصحيح، نفى التفسير الصحيح. وهذا أفرط في المدلول إذ أثبت معنى باطل ليس بصحيح، بل جاءت أدلة الكتاب والسنة بنفيه. والعجيب كيف يفرون من شيء ثم يثبتون شيئًا أعظم قبحًا مما فر منه، فر من إثبات الكلام لله عز وجل بإثبات الكلام الذي يليق بجلال الله وعظمته، وأثبت التجريح الذي هو -لو قيل- بالنقص لكان هذا أشد نقصًا. وهذا هو قوله: «وعمدوا إلى القرآن فتأولوه على آرائهم». مرة يستدلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها، يتدلون بآيات على مذهبهم. المهم يثبت المذهب الذي يريدون. ومنها، كما مر معنا قريبًا وسيأتي إن شاء الله، كلامًا للرافضة: «إن الله يأمرك أن تذبح بقرَة» قالوا: عائشة. سبحان الله، هذا كلام موسى عليه الصلاة والسلام، أين موسى وعائشة؟! حتى أغبى الأغبياء يفهم أن هذا الكلام بعيد ما علاقة موسى بعائشة؟ كم الفرق بين موسى وبين عائشة؟! حتى يقال: «إن الله أمرك أن تذبح بقرَة» قالوا: عائشة. فهذا الآن في الحقيقة تكلف ينافي العقل والفطرة فضلاً عن الشرع. فيقصّرها له ويفتعلون بآيات على مذهبهم ولا دلالة فيها. ومرة يتأولون ما يخالف مذهبهم بما يحرفون به الكلم عن مواضعه. فإذا جاء مثلاً ثناء على أبي بكر في القرآن حرفوه، أبعدوه. أو إذا جاء ذم لغيرهم كذلك، بعض أهل البيت فإنهم كذلك يحرفون ويعطلون. كما تأتي معنا إلى قوله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ قالوا: ليس أبو لهب الذي يُعَدّ، إنما يدا أبو لهب. إيش عندهم؟! يدا بلهب، ليس يدي. قالوا: أبو بكر وعمر، اليد الأولى أبو بكر واليد الثانية عمر. هذا الشيء يضحك منه العقلاء فضلاً عن أن يعتبر تفسيرًا للقرآن. وهذا موجود في تفاسير الرافضة والشيعة، كما سيذكره شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-. فهذا الآن تأويل عجيب ومذموم، تأويلات كما قال الخوارج والروافض والجهمية والمعتزلة والقدرية والمرجئة. فإنهم يعمدون إلى بعض الآيات التي ترد على عقيدتهم فيأتون ويحرفونها. فيأتي مثلاً الزمخشري إلى آيات المشيئة والإرادة التي فيها إثبات الإرادة الكونية، وكما قلنا أن المعتزلة -وهم قدرية نفاة- ينفون الإرادة الكونية. فإذا جاء إلى معنى الإرادة الكونية يفسرها باللطف. كلما جاء إلى معنى الإرادة الكونية يفسرها باللطف. يقول مثلاً: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ يأتي فيقول: يلطف بمن يشاء. هذا تعطيل وتحريف وتحريف لمعنى القرآن. وهذا كذلك يأتي إلى آيات أخرى في الرؤية فيحرفها. ماذا في قوله جل وعلا في حق موسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ فيقول: بهذا جليل على عدم إثبات الرؤية. بينما هو معلق بزمن ووقت، وما علق بزمن ووقت ليس فيه نفي لذلك بالمرة، وإنما فيه نفي لوجود الوصف المانع. وهذا هو قول النبي عليه الصلاة والسلام: «اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا». فهو موافق للآية تمامًا. وهكذا إذا جاء إلى غيرها يحرفها ويعطلها. قال: وهذا كالمعتزلة مثلاً. سيفتضح قليلاً في المعتزلة والرافضة كمثال لبعض أهل البدع الذين يحرفون الكلم عن مواضعه ويفسرون القرآن بالتفسير الباطل. قال: وهابك المعتزلة مثلاً، فإنهم من أعظم الناس كلامًا وجدالاً، مجادلون. وكذلك يقولون بالكلام لبالدليل، علمهم كلام أشياء عقلية بعيدة وقريبة تعارض النصوص، وينقض أوله آخره. كلامهم ينقض أوله أو آخره. قال: وقد صنفوا تفاسير على أصول مذهبهم -أي مذهب الاعتزال- مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم. وهذه التفاسير -الحمد لله- أكثرها إن دثر لا وجود له ولا ذكر له. وإذا وجد بعضه فهو قليل، لا يوجد إلا عند قلة من أهل البدع -إلا عند قلة من أهل البدع- كالرافضة والأباضية ومن كان على طريقتهم ممن يعتني بمذهب الاعتزال، فإنهم يعتنون ببعض هذه التفاسير. قال: مثل تفسير عبد الرحمن بن كيسان الأصم، شيخ إبراهيم الإسماعيلي بن علي، ابن علي الذي كان يناظر الشافعي. ومثل كتاب علي الجبائي، والتفسير الكبير للقاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني، والتفسير لعلي بن عيسى الرماني، والكشاف لأبي القاسم الزمخشري. فهؤلاء وأمثالهم اعتقدوا مذاهب المعتزلة. قال: وأصول المعتزلة خمسة -يعني المراد الآن أن هذه التفاسير كانت موجودة بزمن المؤلف -رحمه الله- والحمد لله أنها مندثرة الآن، لا يوجد في الناس إلا تفسير الزمخشري، ومع ذلك هو قليل. ومع ذلك بفضل الله طبع بتعليقات ابن المنير عليه، وهكذا ما يحضره أهل العلم وطلبة العلم. قال: وأصول المعتزلة خمسة، يسمونها التوحيد والعدل والمنزل بين المنزلتين، وإنفاذ الوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. هذه أصول المعتزلة الخمسة، وكلها أصول على خلاف عقيدة أهل السنة، على خلاف الإسلام الصحيح الذي كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وتوحيدهم هو توحيد الجهمية، هذا هو التوحيد. ليس توحيدهم هو إفراد الله بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات، لا. توحيدهم هو الشرك والبدع والضلالات. قال: هو توحيد الجهمية الذي مضمونه نفي الصفات وغير ذلك. فمن عقيدة المعتزلة في باب الأسماء والصفات نفي الصفات، يثبتون أسماء جامدة لا معاني لها. فجعلوا أسماء الله كأسماء خلق الله. فمن الذي شبه الخالق بالمخلوق؟! إنهم هم، هم الذين شبهوا الخالق بالمخلوق. جعلوا أسماء الرب -تعالى عن قولهم علوًا كبيرًا- أسماء جامدة لا معاني لها. فاسمه الله ليس به صفة الألوهية عندهم، اسمه كذلك الرحمن ليس به صفة الرحمة، اسمه كذلك الحكيم ليس به صفة الحكمة. وهكذا يقولون: هو بمثابة أسماء الآدميين. رجل اسمه طالح لا يلزم أن يكون طالحًا، بل اسم جامد ليس به وصف. رجل اسمه عبد الله لا يلزم أن يكون عبد الله، قد يكون عبد الشيطان. رجل اسمه جميل لا يلزم أن يكون جميلًا، امرأة اسمها جميلة لا يلزم أن تكون جميلة. فجعلوا أسماء الله على أسماء المخلوقين. وهذا هو التعطيل، وهو التنزيه الذي كذلك نهى عنه الرب جل وعلا وحذر منه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾. فهذه الآيات كلها تنفي المماثلة والمساواة والمشابهة لله عز وجل. بل الله -سبحانه- أنه عظيم. وعقيدة أهل السنة إثبات الأسماء بما تتضمنه من أوصاف وأفعال، بما تتضمنه من أوصاف وأفعال. قال: «وقالوا: إن الله لا يرى» كذلك نفوا الرؤية. وهذا من توحيدهم كما مر معنا قريبًا من كلام الزمخشري، ما يدل على عداوته لأهل السنة ومنافحته لعقيدة الاعتزال بنفي الرؤية، وذكر ذلك في مواضع كثيرة. و«إن القرآن مخلوق» كذلك يقولون بخلق القرآن. فالله عز وجل أثبت الرؤية وهم ينفون الرؤية. قال سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاظِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، وقال سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾. وفي هذا دليل -كما قال إمام الحرم وغيره- على رؤية المؤمنين لربهم. وهكذا يقول سبحانه: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، جاء تفسيرها في السنة. وهكذا عن جماعة من الصحابة أنها الرؤية إلى الله، رؤية الله جل وعلا. والأحاديث في هذا الباب كثيرة: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته»، «ما منكم إلا فيخاطبه ربه ليس بينه وبينه ترجمان ولا حجاب يحجبه». حديث عدي بن حاتم، والذي قبله حديث جرير، وأحاديث كثيرة في هذا الباب. وهذا ذاك، القرآن كلام الله ليس بمخلوق: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾، ففرق بين الخلق والأمر. والأمر: الأمر الشرعي والكوني، ومنه القرآن، فسماه الله كلامًا له. و«إن أحدًا من المشركين يجيرك فأجره حتى يسمع كلام الله». وهكذا كذلك النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ بكلمات الله. فهل كلمات الله مخلوقة فيستعاذ بها؟! لا. يجد الاستعاذة بمخلوق. وبهذا استدل الإمام أحمد -رحمه الله- على المعتزلة. قال: «وإنه ليس فوق العالم» -يعني ينفون صفة العلو عن الله جل وعلا- والله أثبتها لنفسه بآيات كثيرة، ونبيه عليه الصلاة والسلام بالسنة. «الرحمن على العرش استوى» في أكثر من سبع آيات. وأثبت ذلك قوله جل وعلا: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، قوله سبحانه: ﴿هُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾، قوله سبحانه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، قوله سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، قوله سبحانه: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ﴾. فكل هذه الأدلة تدل على علو الله جل وعلا. وبعضهم قال: إن أدلة العلو -كما قال ابن القيم- تصل إلى أكثر من ألف دليل، وفي أكثر من عشرين نوعًا. ومع هذا يعاندون كيف ينفون هذه الصفات؟! وهكذا قال: «وإنه لا يقوم به علم ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا مشيئة ولا صفة من الصفات». ينفون كل الصفات، بل يثبتون كما قلنا أسماء جامدة لا معاني لها. وهذا من عقيدتهم الفاسدة. قالوا: «أما عدلهم» -أي عدل المعتزلة- فمن مضمونه أن الله لم يشأ جميع الكائنات ولا خلقها كلها، ولا هو قادر عليها كلها. بل عندهم أفعال العباد لم يخلقها الله -لا خيرها ولا شرها- ولم يرد إلا ما أمر به شرعًا، وما سوى ذلك فإنه يكون بغير مشيئته. وقد وافقهم على ذلك متأخر الشيعة. يريد رحمه الله أن يبين أن عدلهم هو الظلم، لأن عدلهم الذي يريدون أن يثبتوه هو تعطيل الإرادة الكونية التي هي المشيئة. فعطلوا الإرادة الكونية التي هي المشيئة، فينفون مشيئة الله. وذلك كما مر معنا أنهم قدرية النفاة، فهم ينفون جميع أدلة القدر، مراتب القدر الأربعة ينفونها -حتى العلم- لا يثبتون علمًا على ما يليق بجلال الله وعظمته. فهم ينفون مراتب القدر الأربعة. وما هي مراتب القدر الأربعة؟! نعم، ما هي مراتب القدر الأربعة؟! هذه الحقيقة مراتب القدر الأربعة: المشيئة، الكتابة، العلم. إذا ما أجبت عند جارك لا جارك اللي عني تارك. الرابع: الخلق. ها، الله أعلم. ها، القلب. هذه أربعة مراتب هي مراتب القدر. طيب، فهم ينفون ذلك كله، ويجعلون أن العباد يخلقون أفعال أنفسهم. وهذا ليس عدلاً، بل هذا ظلم. وهذا تعطيل لما أثبتته أدلة الكتاب والسنة، وما تواتر فيه أدلة الكتاب والسنة. وليس المقام مقام بسط القول بالرد على هذا، لكن المقام مقام إيراد وتمثيل فقط. قال رحمه الله: قد وافقهم على ذلك متأخر الشيعة: المفيد، وبيجفر الطوسي، وأمثالهما. وليس بيجفر هذا تفسيرًا على هذه الطريقة، لكنه يضم إلى ذلك قول الإمامية الإثنى عشرية -وهم غلاة الرافضة-. قال: «فإن المعتزلة ليس فيهم من يقوم بذلك، ولا من ينشر خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي». وسيأتي معنا -إن شاء الله- شيء من كلام هؤلاء الرافضة في درس لاحق. فنكتفي بهذا القدر إلى هنا، والحمد لله رب العالمين.