الدرس في شرح مقدمة اصول التفسير 32، الدرس الثاني والثلاثون : فيه من قوله ( ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز ... وتكثر بما ليس بصحيح فهو كلابس ثوبي زور , والله الموفق للصواب ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع مسألة نقل الخلاف عن بني إسرائيل ويبين آداب ذكر أقوالهم للتحذير أو الترجيح. يُشدد على أهمية تبيين الصواب والخطأ عند ذكر أقوالهم.
يتناول المقطع أهمية ذكر الخلاف في المسائل الفرعية واستيعاب جميع الأقوال للتمييز بين الحق والباطل، مع ضرورة ذكر الدليل للقول الراجح.
يُحذر المقطع من أخطاء يقع فيها المفسرون والعلماء عند التعامل مع الخلاف، مثل حكاية الخلاف دون ترجيح وتضييع الوقت في أقوال متعددة ترجع لمعنى واحد.
يشير المقطع إلى انتهاء كلام النبي وتفسير الصحابة، ويتم الإشارة إلى اكتفاء الدرس الحالي وسيتم استكمال الباقي في الدرس اللاحق.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة في كتابه المسمى مقدمة التفسير، قال رحمه الله تعالى: قال: ولكن نقل الخلاف عنهم، ولكن نقل الخلاف عنهم في ذلك جائز، كما قال تعالى: ﴿سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا﴾. وقد استدلت هذه الآية الكريمة على الأدب في هذا المقام، وتعليم ما ينبغي في مثل هذا، فإنه تعالى سكت عنهم بثلاثة أقوال، ضعف القولين الأولين، وسكت عن الثالث، فدل على صحته، إذ لو كان باطلا لرده كما ردهما. ولعله مر معنا في الدرس الماضي التعليم على هذه الفقرة من كلام المؤلف رحمه الله، وأن هذا الذي ذكر من نقل الخلاف عن بني إسرائيل هو لبيان الراجح وتضعيف المرجوح. فإن كان تبين على ذلك فلا بأس بذكر بعض ما ينقل عن بني إسرائيل على وجه التحذير، فإن كان على وجه التحذير والتنبيه فلا بأس. وهذه الآية دليل على هذا المعنى. أما نستدل بالآية على جواز نقل كل ما يذكره بنو إسرائيل من دون تبيين راجح من مرجوح، فهذا ليس بصحيح، بل مر معنا أن الأئمة دلت على خلاف ذلك. فإما أن نذكر ذلك لبيان ضعفه وكذبه، أو لبيان الراجح من المرجوح منه بما دل عليه الدليل الشرعي. وأما أن نترك الناس يأخذون من أخبار بني إسرائيل فيجعلونها من الدين وليس هي من دين الله عز وجل، فهذا خطأ ليس بصحيح. وأما ما ذكره رحمه الله من أن القول الثالث في الآية إشارة إلى تصويبه، فقد ذكر العلماء أشياء أخرى، مثل كونه آخرا أخر هذا القول مع الفصل بقوله: ﴿رجما بالغيب﴾، فدل على أن ما بعده ليس من الرجم بالغيب. وكذلك قوله: ﴿سبعة وثامنهم كلبهم﴾، وكذلك عطفه بالواو، ومر معنا كذلك في العطف بالعدد فيما سبق، أنه إذا قيل: سبعة وثامنهم كذا، دل على أن هذا ليس من جنس المعطوف عليه، أن المعطوف ليس من جنس المعطوف عليه. بينما إذا كان من جنسه فإنه يذكر من نفس رقم العدد المذكور قبل. وهذه الفائدة مرت معنا في أي مبحث. نعم، ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم﴾، فهذه الآية تدل على أن الله جل وعلا ليس من جنس المخلوقين، بل هو له الكمال المطلق في أسمائه وصفاته وذاته جل وعلا. والآية تدل على عدم المماثلة والاتحاد، لأنه قال: ﴿ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم﴾. قال رحمه الله تعالى: ثم أرشد إلى أن الاطلاع على عدتهم لا فائدة تحته، فيقال: بمثل هذا قل ربي أعلم بعدتهم، يعني بعض التفاصيل التي سكت عنها القرآن يكفينا ما اكتفى به سلفنا، فإنه يكفينا. فما دام أن القرآن سكت عنه فنحن نسكت عنه، لأنه لا فائدة جليلة بمعرفته. قال: ﴿قل ربي أعلم بعدتهم﴾، فإنه ما يعلم بذلك إلا قليل من الناس ممن أطلعه الله عليه. ولهذا قال: ﴿فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا﴾، أي: لا تجتهد نفسك في معرفة ما لا فائدة تحته، ولا تسألهم عن ذلك، فإنهم لا يعلمون من ذلك إلا رجم الغيب. فإذا كان كذلك، فهل هذا يدل على الأخذ من أخبار بني إسرائيل أو الزهد فيه؟ الجواب: الثاني، أننا نزهد في أخبار بني إسرائيل ولا نحش بها كتبنا، كتب الإسلام، لا شروح الحديث، ولا تفاسير القرآن، ولا كتب اللغة، ولا غير ذلك، لأن أخبارهم التي لم تؤيد بشريعتنا مما لا فائدة فيه، فإننا لا نصدقهم ولا نكذبهم. فكيف يضيق أن هذه الأخبار في الغالب ليست في مهمات الدين، بل مهمات الدين كفانا مؤنتها، بينت في كتاب الله وفي سنة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ولكن أكثر هذه الأخبار تفاصيل لا حاجة لنا فيها، كما مر معنا مثل كم عدد أصحاب الكهف، وما هي الشجرة التي نودي منها موسى، وما هو العجل الذي عبدوه، ونحو ذلك مما لا طائل تحته ولا في معرفته. قال رحمه الله تعالى: فهذا أحسن ما يقول في حكاية الخلاف، أن تستوعب الأقوال في ذلك المقام، وأن ينبه على الصحيح منها، ويبطل الباطل. فإن كان لا يعرف الصحيح من الباطل، فإذن هل يصح له أن ينقل مثل ذلك؟ الجواب: لا، لأنه إذا نقله فسيشوش على السامعين والقارئين. قال: وتذكر فائدة الخلاف وضرره، لأن لا يطول النزاع والخلاف بما لا فائدة تحته، فيشتغل به عن الأهم. يعني التنبيه أحيانا على الباطل من فائدته أن لا ينشغل به إنسان في المستقبل. واضح، لأنه قد يشوش به بعض من لا علم له ولا رسوخ فيقول مثلا هذه المسألة قال فلان بأنها كذا وكذا، وقال فلان بأنها كذا وكذا، كأنه استفاد علما ما استفده، ولا علمه الناس، فيشغل الناس ويتشوش من لا رسوخ عنده ولا علم بهذه الأقوال. فيقول: لعل قوله هذا له وجه، من أين أخذه؟ لعل له شيء يرجحه بالكتاب أو بالسنة. لكن إذا ذكرت الأقوال الباطلة وحصرت وردت، وذكر معها القول الراجح الصحيح، وبين دليله، فعند ذلك ما يلتفت ملتفت إلى مثل هذه الأقوال الضعيفة. قال رحمه الله تعالى: فأما من حكى خلافا في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص، إذ قد يكون الصواب في الذي تركه. يعني من أراد أن يتكلم في مسألة من المسائل الخلافية، فعليه أن يستوعب الأقوال أولا، ليثبت الحق من الباطل، فيتأكد أن ما قاله قاله بعد استقراء وبحث واستيعاب لجميع الأقوال، حتى لا يفوته الحق الذي قد يكون كما قال رحمه الله أحد هذه الأقوال. وثانيا: ليطمئن ويستيقن السامع والقارئ والناظر بهذا البحث أن هذا المؤلف والباحث قد استوعب كل الأقوال، وعند ذلك يستيقن أن ما رجحه رجحه بعد بحث واستقراء. بخلاف لو ذكر قولا أو قولين، فإن ذلك لا يطمئن نفس القارئ، لأنه ربما يطلع على قول آخر لم يشر المؤلف إليه، فيقول: لعل هذا الذي لم يشر إليه هو الصواب. لكن لو ذكره وضعفه وبين وجه ضعفه، فإنه يطمئن من اطلع على ذلكم القول أن هذا القول مرجوح وليس براجح. قال رحمه الله تعالى: أو يحكي الخلاف ويطلقه ولا ينبه على الصحيح من الأقوال، فهو ناقص أيضا. يعني حكاية الخلاف دون ترجيح وبيان للصحيح من الباطل، أو الناقص، هذا كذلك خطأ. قال: فإن صحح غير الصحيح عامدا فقد تعمد الكذب، أو جاهلا فقد أخطأ. كذلك من نصب الخلاف بما لا فائدة تحته، يعني كذلك هذا مبطئ، فذكر الخلاف بما لا فائدة تحته هذا من العبث ومن تضييع الأعمار والأوقات فيما لا فائدة تحته. مثل يريد أن يمثل بعض المفسرين الذين ملأوا الكتب بهذه المسائل التي سكت عنها الشرع، ما هو الجزء الذي غرب من البقرة؟ ما هو؟ ما هي الشجرة التي أكل منها آدم؟ ما هي الشجرة التي نودي منها موسى؟ ونحو ذلك من الخلاف الذي لا فائدة فيه. قال رحمه الله: أو حكى أقوالا متعددة لفظا ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين، فقد ضيع الزمان. يعني ألفاظ الناس قد تختلف، لكن بحصرها واستيعابها تجتمع في قول أو قولين، إما أن بعضهم فسر ببعض المعنى، وإما أن هذه الأقوال تلتقي في جامع واحد، فبين الراجح من المرجوح وانتهى. أما أن تقول: قيل كذا، وقيل كذا، وقيل كذا، وقيل كذا، ويلمح المؤلف رحمه الله بصنيع بعض المفسرين الذين يغفلون عن ذكر الخلاف في تفسير الآية، ما عدم حصره أولا، والترجيح بينها ثانيا، لأن ربعها ممكن أن يفسر بدل من أن يذكر عشرة أقوال، 11 قولا، يقول: قالوا كذا وكذا وكذا، ومعناه كذا، وقالوا كذا وكذا وكذا، ومعناه كذا، فحصل من هذا أنه إنما بالمسألة حولان فقط، فيبين الراجح من المرجوح إن كان لابد من الترجيح، وإن كان لا يحتاج الأمر إلى ترجيح، في أن يكون هذا من تفسير بعض المعنى. كما مر معنا في أوائل هذا الكتاب، فيقول: ويخلص بهذا أن كله تفسير بمعنى واحد، لأن بعضهم عبر ببعض المعنى، وآخر عبر بالمعنى الآخر، والكل يتمع تحت هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: أو حكى أقوالا متعددة لفظا ويرجع حاصلها إلى قول أو قولين معنى، فقد ضيع الزمان. يعني بهذه الأقوال وتكثر مما ليس بصحيح، وهو كلابس كوميزور. وهذه بالحقيقة طريقة المتكلمين، فأهل الكلام هم مغرمون بكثرة الأوجه، وكذلك النحاة. فيأتي فيقول: قيل في هذه الآية عشرة أقوال، إذا نظرت فيها تجد ما فيها إلا قول أو قولين، هذا يرد من عشرين وجها، من ثلاثين وجها، من ثمانين وجها، مثل تفسير الرازي. فإذا نظرت فيها ما رأيت تجتمع إلا على وجه أو وجهين أو ثلاثة. فليحذر طالب العلم خصوصا، والمسلم عموما من الاستكثار بما لا فائدة فيه. فليست هذه من طريقة السلف، لا بالتفسير، ولا كذلك في التدين لله عز وجل. حتى إذا بينك وبين خصم خصومة، تأتي وتقول: أنا أنكر عليه ثمانين خطأ، ما شاء الله ثمانين خطأ، ليش الثمانين خطأ هذه؟ ويبدأ يذكر واحد واثنين وثلاثة وأربعة، وكلها ترجع في النهاية إلى شيء واحد أو شيئين، لماذا هذا الاستكثار والتهويل؟ ولماذا كذلك هذه المبالغة؟ فهو كما قال رحمه الله: كلابس كوميزور، يعني المتلبس بما لم يعط، كلابس كوميزور. حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «والله الموفق للصواب». يعني انتهى كلامه رحمه الله بما يتعلق بتفسير الصحابة. ونكفي بهذا، ونكمل الباقي في الدرس اللاحق. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين.