الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 49، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الرد على ادعاءات النصارى بأن النبي لم يرسل إليهم وأن دينهم لم يتعرض للنقد. يبين أن النبي أرسل إلى جميع أهل الأرض وأنه كفر النصارى وأمر بجهادهم.
يشرح أن ثناء الله ورسوله على المسيح وأتباعه لا ينافي وجوب اتباع محمد. يوضح أن المدح كان لمن اتبع دين المسيح قبل تبديله.
يشرح كيف أن أهل الكتاب كانوا يعلمون بصفة النبي من خلال رسلهم وأنبيائهم. يعتبر ذلك دليلاً على رسالته العامة إلى جميع الناس.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. ولا نرفض مذهبنا، ولا نتبع غير السيد المسيح، كلمة الله وروحه وحوارييه الذين أرسلهم إلينا. والجواب: إنهم احتجوا بحجتين باطلتين، إحداهما أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يرسل إليهم، بل إلى العرب. وقد تبين أن الاحتجاج بها من أعظم الكذب والافتراء على محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يقل قط: إني لم أرسل إلى أهل الكتاب، ولا قال قط: إني لم أرسل إلا إلى العرب، بل نصوصه المتواترة عنه، وأفعاله تبين أنه مرسل إلى جميع أهل الأرض، أميهم وكتابيهم. والحجة الثانية قولهم: «من المحمد» صلى الله عليه وسلم «ظهر بالكسر»، صح أنه مرسل إلى جميع أهل الأرض، أميهم وكتابيهم. والحجة الثانية قولهم: إن محمدًا صلى الله عليه وسلم أثنى على دين النصارى بعد التبديل والنسف، وهي أيضًا أعظم الكذب عليه مما قبلها. كيف يثني عليهم، وهو يكفرهم في غير موضع من كتابه، ويأمر بجهادهم وقتالهم، ويذم المتخلفين عن جهادهم غاية الذم، ويصف من لم ير طاعته في قتالهم بالنفاق والكفر، ويذكر أنه يدخل جهنم، يدخل جهنم؟ وهذا كله يخبر به عن الله، ويذكره تبليغًا لرسالة ربه، وإنما يضاف إليه لأنه بلغه وأدى، لا لأنه أنشأه وابتدأه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾. وأما ثناء الله ورسوله على المسيح وأمه، وعلى من اتبعه وكان على دينه الذي لم يبدل، فهذا حق، وهو لا ينافي وجوب اتباع محمد صلى الله عليه وسلم على من بعث إليه. فلو قدر أن شريعة المسيح لم تبدل، وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم أثنى على كل من اتبعها، وقال مع ذلك: إن الله أرسلني إليكم، لم يكن ذلك متناقضًا. وإذا كفر من لم يؤمن به، لم يناقض ذلك ثناءه عليهم قبل أن يكذبوه. فكيف وهو إنما مدح من اتبع دينًا لم يبدل؟ وأما الذين بدلوا دين المسيح، فلم يمدحهم، بل ذمهم، كما قال: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾. وقد قدمنا أن النصارى كفروا كما كفرت اليهود، كفروا بتبديلهم ما في الكتاب الأول، وكفروا بتكذيبهم بالكتاب الثاني. وأما من لم يبدل الكتاب، أو أدرك محمدًا صلى الله عليه وسلم فآمن به، فهؤلاء مؤمنون. ومما يبين ذلك أن تعظيم المسيح للتوراة، واتباعه لها، وعمله بشرائعها، أعظم من تعظيم محمد صلى الله عليه وسلم للإنجيل. ومع هذا فلم يكن ذلك مسقطًا عن اليهود وجوب اتباعهم للمسيح، فكيف يكون تعظيم محمد صلى الله عليه وسلم للإنجيل مسقطًا عن النصارى وجوب اتباعه؟ وهذا الفصل كذلك ظاهر فيما أبانه رحمه الله تعالى من أنه لا حجة للنصارى فيما استدلوا به بهذا المعنى الباطل. فالنبي عليه الصلاة والسلام، كما تقدم وسبق في الفصول المتقدمة، أرسل للعرب وإلى غيرهم، بنص القرآن والسنة الصحيحة. وهكذا أيضًا بما علم أهل الكتاب ذلك فيما أخبرهم به رسلهم وأنبياؤهم. فاليهود يعلمون ذلك، وقد علموا صفة النبي عليه الصلاة والسلام الذي يبعث إليهم، كما كان الأنصار يخبرون من اليهود قبل خروج النبي عليه الصلاة والسلام أن نبيًا سيخرج، وآن أوان خروجه، صفته كذا وكذا، وأنهم سيؤمنون به ويقاتلون معه - أي الأنصار - في المدينة. فسبقهم إليه الأنصار حين سمعوا بخروجه عليه الصلاة والسلام، وعلموا بشيء من صفته التي ذكرها اليهود. وهذا يدل أنه أرسل إلى العرب وإلى غيرهم. وهكذا ما علمه النصارى مما هو في شواهد كتبهم، وهو كذلك في أخبار علمائهم. وكم قد آمن من علماء النصارى لما علموا من صدق صفة النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا سلمان الفارسي يخبر عن علماء النصارى وغيرهم بمبعث نبينا عليه الصلاة والسلام، وشيء من صفاته. ومر معنا شيء من قصة إسلام سلمان، وكيف أنه - رضي الله عنه أرضاه - تتبع الصفات حتى آمن بالنبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا الحجة الثانية، كون أن دين الإسلام أثنى على النصارى أو دين النصارى، فهذا محمول على من لم يغير ولم يبدل، أو على الحق الذي كان فيه، كما أبان رحمه الله تعالى. وأما ما سوى ذلك، ففي القرآن والسنة بيان الشيء الكثير مما فيه فساد دين النصارى، كما تقدم من قولهم بالتثليث، وكذلك بدعهم بالرهبانية وغيرها من المسائل الأخرى. وهذا يدل على شيء دل على العدل والإنصاف العظيم الذي في هذا الدين، إذ لم يجحد أهل الحق حقهم، ولم يبخس أهل الفضل فضلهم، وهو مع ذلك يرد الباطل، ويطالب المبطل بالرجوع إلى الحق. فإن كان شيء، فكان هذا يوجب لكل منصف وعادل الإيمان بما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام جملة وتفصيلًا. والله تعالى أعلم. شكرًا، شكرًا، شكرًا.