الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 94، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الشيخ ابن بريك قول النصارى بأن المسيح ابن الله ويرد عليه من خلال تفسير الآيات القرآنية والأحاديث النبوية. يبين أن هذا القول باطل ويتناقض مع العقول والكتب السماوية.
يناقش تفسير مصطلح روح القدس في الكتاب المقدس والقرآن، ويبين أن المراد بهذا المصطلح هو الملك المقدس أو الوحي والهدى والتأييد. يوضح أن هذا التفسير يوافق القرآن والعقل.
يناقش تفسير النصارى لبنوة المسيح وروح القدس، ويبين أن تفسيرهم يخالف اللغة والشرع والعقل. يوضح أن ادعاءات النصارى لا تدعمها حجج سمعية أو عقلية.
المنصفون من النصارى آمنوا بما أوجب الله الإيمان به واستجابوا لدعوة النبي. بينما من خرج عن المعقول والمنقول ابتلي بالهوى والعناد والإعراض.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ رسول عمتين، رحمه الله: الكتاب الجواب الصحيح، المدينة المسيح، الوجه الرابع: إن هذا القول إن كان المسيح لم يقله، فلا يجوز أن يقال لو عنا به الإنسان معنا صحيحا، فإن هذه العبارة إنما يفهم منها عند الإطلاق المعاني الباطلة. ولهذا يوجد كثير من عوام النصارى يعتقدون أن المسيح من الله النبوة المعروف في المخلوقات، ويقولون إن مريم زوجة الله. وهذا لازم لعامة النصارى وإن لم يقولوه، فإن الذي يلد لابد له من زوجة. ولهذا قال تعالى: ﴿أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وجعل الرب والد المولود أنكر في العقول من إثبات صاحبة له، سواء فسرت الولادة بالولادة المعروفة أو بالولادة العقلية التي يقولها علماء النصارى. فإن من أثبت صاحبة له يمكنه تأويل ذلك كما تأولوا له الولد، ويقولون: إن الأب وردت منه الكلمة، ومريم ورد منها الناسوت، واتحد الناسوت باللاهوت. فكما أن الأب أب باللاهوت لا بالناسوت، ومريم أم للناسوت لا للاهوت، فكذلك هي صاحبة للأب بالناسوت، واللاهوت زوج مريم بلاهوته، كما أنه أب للمسيح بلاهوته. وإذا اتحد اللاهوت بناسوت المسيح مدة طويلة، فلماذا يمتنع أن يجتمع اللاهوت بناسوت مريم مدة قصيرة؟ وإذا جعل الناسوت الذي ولدته ابنا للاهوت، فلأي شيء لا تجعل هي صاحبة وزوجة للاهوت؟ فإن المسيح عندهم اسم لمجموع اللاهوت والناسوت، وهو عندهم إله تام وإنسان تام، فلاهوته من الله، وناسوته من مريم، فهو من أصلين: لاهوت وناسوت. فإذا كان أحد الأصلين أباه والآخر أمه، فلماذا لا تكون أمه زوجة أبيه بهذا الاعتبار؟ مع أن المصاحبة قبل البنوة. فكيف يثبت الفرع المنزوم بدون ثبوت الأصل اللازم؟ وليس في ذلك من المحال على أصلهم إلا ما هو من جنس إثبات بنوة المسيح، وأقل امتناعا. وإن كان المسيح عليه السلام قال هذا الكلام، وقد علمنا أن المسيح عليه السلام وغيره من الأنبياء معصومون لا يقولون إلا الحق. وإذا قالوا قولا فلابد له من معنى صحيح، ويمنع أن يريدوا بقولهم ما يمتنع بطلانه بسمع أو عقل. فإذا كانت العقول ونصوص الكتب المتقدمة مع نصوص القرآن تناقض ما ابتدعته النصارى في المسيح، علم أن المسيح لم يرد معنى باطلا يخالف صريح المعقول وصحيح المنقول. بل نقول في الوجه الخامس: إن صحت هذه العبارة عن المسيح المعصوم عليه الصلاة والسلام، فإنه أراد بذلك ما يناسب سائر كلامه. وفي الموجود من كتبهم تسمية الرب أبا وتسمية عباده أبناء، كما يذكرون أنه قال في التوراة ليعقوب «إسرائيل أنت ابني بكري»، وقال لداود في الزبور «أنت ابني وحبيبي». وفي الإنجيل في غير موضع يقول المسيح «أبي وأبيكم»، فقوله «إني أذهب إلى أبي وأبيكم وإلهي وإلهكم» فيسميه أبا لهم كما يسميهم أبناء له. فإن كان هذا صحيحا، فالمراد بذلك أنه الرب المرب الرحيم، فإن الله أرحم بعباده من والدة بولدها، والابن هو المرب المرحوم، فإن تربية الله لعبده أكمل من تربية الوالدة لولدها، فيكون المراد بالأب الرب، والمراد بالابن عنده المسيح الذي رباه. وأما روح القدس، فهي لفظة موجودة في غير موضع من الكتب التي عندهم، وليس المراد بها حياة الله باتفاقهم. بل روح القدس عندهم تحل في إبراهيم وموسى وداود وغيرهم من الأنبياء الصالحين. والقرآن قد شهد أن الله أيد المسيح بروح القدس، كما قال تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ في موضعين من البقرة. وقال تعالى: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان بن ثابت: «إن روح القدس معك ما دمت تنافح عن نبيه». وقال: «اللهم أيده بروح القدس». كما تقدم ذكر ذلك كله مبسوطا. وروح القدس قد يراد بها الملك المقدس كجبريل، ويراد بها الوحي والهدى والتأييد الذي ينزله الله بواسطة الملك أو بغير واسطته. وقد يكونان متلازمين، فإن الملك ينزل بالوحي والوحي ينزل به الملك. والله تعالى يؤيد رسله بالملائكة وبالهدى، كما قال تعالى عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾ في موضعين من سورة براءة. وقال الله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا﴾. وقال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. وقال تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾. وقال الله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. وقال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. وقال: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾. فإذا كان روح القدس معروفا في كلام الأنبياء المتقدمين والمتأخرين أنها أمر ينزله الله على أنبيائه وصالح عباده، سواء كان ملائكة تنزل بالوحي والنصر أو وحيا وتأييدا مع الملك وبدون الملك. ليس المراد بروح القدس أنها حياة الله القائمة به. فكان المعصوم إن كان قال «عمد الناس باسم الأب والابن وروح القدس»، مراده: «مر الناس أن يؤمنوا بالله ونبيه الذي أرسله، وبالملك الذي أنزل عليه الوحي الذي جاء به». فيكون ذلك أمرا لهم بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله. وهذا هو الحق الذي يدل عليه صريح المعقول وصحيح المنقول. تفسير كلام المعصوم بهذا التفسير الذي يوافق سائر ألفاظ الكتب التي عندهم، ويوافق القرآن ويوافق العقل، أولى من تفسيره بما يخالف صريح المعقول وصحيح المنقول. وهذا تفسير ظاهر ليس فيه تكلف، ولا هو من التأويل الذي هو صرف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره، بل هو تفسير له بما يدل ظاهره عليه باللغة المعروفة والعبارة المألوفة في خطاب المسيح وخطاب سائر الأنبياء. أما تفسير النصارى بأن الابن مولود قديم أزلي هو العلم أو كلمة الله، فتفسير للفظ بما لم يستعمل هذا اللفظ فيه لا في كلام أحد من الأنبياء ولا لغة أحد من الأنبياء. وكذلك تفسير روح القدس بحياة الله، فالذي فسر النصارى به ظاهر كلام المسيح هو تفسير لا تدل عليه لغة المسيح وعادته في كلامه، ولا لغة غيره من الأنبياء والأمم. بل المعروف في لغته وكلامه وكلام سائر الأنبياء تفسيره بما فسرناه. وبذلك فسره أكابر علماء النصارى. وأما ظلال النصارى المحرفون لمعاني كتب الله عز وجل، فسروه بما يخالف معناه الظاهر وينكره العقل والشرع. وتمام هذا بالوجه الثالث، وهو أن النصارى لما كان عندهم في الكتب تسمية المسيح عليه السلام ابنا، وتسمية غيره من الأنبياء ابنا، كقوله ليعقوب «أنت ابني بكري»، وتسمية الحواريين أبناء، قال: هو ابنه بالطبع، وغيره هو ابنه بالوضع. فجعلوا لفظ الابن مشتركا بين معنيين، وأثبتوا لله طبعا جعلوا المسيح ابنه باعتبار ذلك الطبع. وهذا يقرر قول من يفهم منهم أنه ابنه البنوة المعروف في المخلوقين، وأن مريم زوجة الله. وكذلك جعلوا روح القدس مشتركا بين حياة الله وبين روح القدس التي تنزل على الأنبياء والصالحين. ومعلوم أن الاشتراك على خلاف الأصل، وأن اللفظ إذا استعمل في عدة مواضع كان جعله حقيقة متواطئا في القدر المشترك. أو لا من جعله مشتركا اشتراكا لفظيا في حيث يكون حقيقة في خصوص هذا أو يكون مجازا في أحدهما. فإن المجاز والاشتراك على خلاف الأصل. هذا إن قدر أن لفظ الابن وروح القدس استعمل في نطق الله وحياته كما يزعم النصارى. فكيف إذا لم يوجد في كلام الأنبياء أنهم قالوا لفظ الابن ولفظ روح القدس وأرادوا به شيئا من صفات الله لا كلامه ولا حياته ولا علمه ولا غير ذلك؟ بل لم يوجد استعمال لفظ الابن في كلام الأنبياء إلا في شيء مخلوق، ولم يوجد استعمال روح القدس كما هو من صفات الله القائمة به. ونحن إذا فسرنا الأب وروح القدس ببنوة التربية وروح القدس بما ينزل على الأنبياء، كنا قد جعلنا اللفظ مفردا متواطئا، وهم يحتاجون أن يجعلوا اللفظ مشتركا أو مجازا في أحد المعنيين. فكان تفسيرهم مخالفا لظاهر اللغة التي خوطبوا بها ولظاهر الكتب التي بأيديهم، وتفسيرنا موافقا لظاهر لغتهم وظاهر الكتب التي بأيديهم. وحينئذ وقد تبين أنه ليس معهم بالتفليث لا حجة سمعية ولا عقلية، فهو باطل شرعا وعقلا. لهنا إن شاء الله. بسم الله الرحمن الرحيم، قوله رحمه الله تعالى في هذه الأوجه تتم لما سبق، كذلك ظاهر في بيان النصارى في مقولتهم بالتفليث خرجوا عن معنى المعقول والمنقول، فليس في عبارتهم شيء يوافقه عقل أو يصدقه نقل، بل النقل يكذبه مما في أيديهم، وهكذا كذلك مما في أيدي غيرهم من الأنبياء والرسل فيما بعتوا به. وأن ما استدل به لو قدر صحته فله تفسير صحيح يوافق المعقول والمنقول، وهي تلك العبارات التي أشار إليها شيخ الإسلام على تقدير صحتها، كقولهم في حق يعقوب عليه الصلاة والسلام «أنت ابني بكري»، وفي داود «أنت ابني وحبيبي». وهكذا كذلك ما أشار إليها من عبارات. فعلى تقدير صحتها فهي كما تقدم معنا أنها من التعبير العرفي الذي هو من استخدامات اللغة العبرية، ويكون معناها الرب، معنى الأب الرب، ومعنى الابن المربوب، معنى الابن المربوب. وبهذا يزول الإشكال، ويصح أن يفسر ما نقل بالتفسير الصحيح الذي وافق المعقول والمنقول. وهذا هو الذي قاله عقلاء النصارى ومنصفهم، فالمنصفون منهم آمنوا بما أوجب الله عز وجل عليهم الإيمان به. ولهذا فإن الكثير منهم استجابوا لدعوة النبي عليه الصلاة والسلام، آمنوا به. وأما من خرج عن المعقول والمنقول واعتقد ثم استدل، فمثل هذا في الغالب يبتلى بسبب ذنبه بالهوى والعناد والإعراض، فيحرم الرجوع عن الباطل إلى الحق.