الدرس في الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح 17، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
دعا النبي صلى الله عليه وسلم ملوك الفرس والروم للإسلام، فكان رد كسرى التمزيق بينما أكرم قيصر الرسالة، مما أدى لاحقًا إلى تلاشي ملك الفرس. كانت هناك خلفية تاريخية لصراع الفرس والمسيحيين في اليمن أثرت على موقف كسرى.
أرسل كسرى رجلين للنبي صلى الله عليه وسلم لمطالبته بالذهاب إليه، فأخبرهما النبي بقتل كسرى على يد ابنه، وهو ما حدث، مما أدى إلى إسلام باذان وأبناء فارس باليمن وفيروز الديلمي.
استدل شيخ الإسلام بقصة إسلام فيروز الديلمي على عموم رسالة النبي للعرب والعجم، كما أشار إلى قتال عمر للفرس وأحاديث النبي حول هلاك كسرى وقيصر في الصحيحين.
بين المقطع أن الشبهة المعارضة تتنافى ليس فقط مع الأدلة الشرعية بل أيضًا مع العقل والفطرة والحس والواقع، مما يجعل المعارض مكابرًا، مستندًا الإمام إلى عدة أوراد في ذلك.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى: فصل، وقاتل عمر بن الخطاب الفرس المجوس وفتح أرضهم، وظهر تصديق خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والذي نفس بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله». أخرجاه في الصحيحين. قال: وهذا بعد أن بعث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم رسوله إلى المجوس، وكتب كتابًا إلى كسرى ملك الفرس، كما كتب إلى ملوك النصارى، كما كتب إلى قيصر والمقوقس. ولكن ملوك النصارى تأدبوا معه وخضعوا له، فبقي ملكهم. وأما ملك الفرس فمزق كتابه، فدعا عليهم، فقال: «اللهم مزق ملكهم كما مزقوا كتابي، اللهم مزق ملكهم كل ممزق». فلم يبق لهم ملك. قال ابن عباس: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة بكتابه إلى كسرى، فدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى. فلما قرأه -يعني كسرى- مزقه. فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمزقوا كل ممزق. وقال ابن إسحاق: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر. فأما كسرى فلما قرأ الكتاب مزقه، وأما قيصر فلما قرأ الكتاب طواه ووضعه عنده. فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «أما هؤلاء -يعني كسرى- فيمزقون، وأما هؤلاء فستكون لهم بقية». قال ابن إسحاق: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي إلى كسرى بن هرمز، وكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، آمن بالله ورسوله، واشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله. فإني أدعوك بدعاية الله، فإني رسول الله إلى الناس كافة؛ لأنذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين. فأسلم تسلم، وإن أبيت فإن إثم المجوس عليك». فلما قرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شققه، وقال: يكتب إلي بهذا الكتاب وهو عبدي. قلت: وسبب قول كسرى هذا واستعلائه أن الحبشة كانوا قد ملكوا اليمن، وملكهم سار إلى مكة بالفيل ليخرب البيت، وكانوا نصارى. فأرسل الله عليهم من ناحية البحر طيرًا أبابيل -وهي جماعات في تفرقة- تحمل حجارة من طين، فألقتها على الحبشة النصارى فهلكتهم. وكان هذا آية عظيمة خضعت فيها الأمم للبيت وجيران البيت. وعلم العقلاء أن هذا لم يكن نصرا من الله لمشرك العرب؛ فإن دين النصارى خير من دينهم. وإنما كان نصرا للبيت وللأمة المسلمة التي تعظمه، وللنبي المبعوث من البيت. وكان ذلك عام مولد النبي صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله في ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾. ثم إن سيف بن ذي يزن ذهب إلى كسرى وطلب منه جيشًا يغزو به الحبشة، فأرسل معه عسكرًا من الفرس المجوس، فأخرجوا الحبشة من اليمن، وصارت اليمن بيد العرب، وبها نائب كسرى. وسيف بن ذي يزن هذا ممن بشر بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل ظهوره، وأخبر بذلك جده، وأخبر بذلك جده عبد المطلب لما وفد عليه. فلما كانت اليمن مطيعة لكسرى لهذا أرسل إلى نائبه على اليمن أن يأتيه بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن عسكر اليمن في العادة يقهر أهل مكة والمدينة. قال ابن إسحاق: فبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مزق الله ملكه حين بلغه أنه شقق كتابه». ثم كتب كسرى إلى باذان -وهو على اليمن- أن يبعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز من عندك رجلين جلدين فليأتياني به. قال: فبعث باذان قهرمانًا -وهو بابويه- وقال غيره: وكان حاسبًا كاتبًا، وبعث معه برجل من الفرس، وكتب معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى. وقال لبابويه: انظر من رجل، وكلمه، وآتني بخبره. قال: فخرجا حتى قدما الطائف، فسألا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل: هو بالمدينة. فخرجا حتى قدما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه بابويه، وقال: إن شاه شاه ملك الملوك كسرى كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد بعثني إليك؛ فانطلق معي، فإن فعلت كتب معك إلى ملك الملوك بكتاب ينفعك ويوقف عنك به، وإن أبيت فهو من قد علمت، وهو مهلكك ومهلك قومك ومخرب بلادك. وكانا قد دخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حلقا لحاهما وأبقيا شواربهما، فكره النظر إليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لهما: «ويلكما، من أمركما بهذا؟» قالا: أمرنا بهذا ربنا -يعنيان كسرى-. فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي». ثم قال لهما: «ارجعا حتى تأتياني غدًا». قال: وجاء الخبر من السماء أن الله عز وجل سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله في شهر كذا، في ليلة كذا، في ساعة كذا. فلما أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: «إن ربي قتل ربكما ليلة كذا، في شهر كذا، بعدما مضى من الليل كذا، سلط عليه ابنه شيرويه فقتله». فقالا له: هل تدري ما تقول؟ إنا قد نقمنا منك ما هو أيسر من هذا، فنكتب بهذا عنك ونخبر الملك به. قال: «نعم، أخبراه ذلك عني، وقولا له: إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى، وينتهي إلى منتهى الخف والحافر. وقولا له: إنك إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك من الأبناء». وأعطى رفيقه منطقة من ذهب وفضة كان أهداها له بعض الملوك. فخرجا من عنده حتى قدما على باذان، وأخبراه الخبر. فقال: والله ما هذا بكلام ملك، وإني لأرى الرجل نبيًا كما يقول، ولننظرن ما قد قال. فلئن كان ما قد قال حقًا، فما بقي فيه كلام. إنه لنبي مرسل، وإن لم يكن فسنرى فيه رأينا. فلم يلبث باذان أن قدم عليه كتاب شيرويه: «أما بعد، فإني قد قتلت كسرى، ولم أقتله إلا غضبًا لفارس؛ لما كان قد استحل من قتل أشرافهم وتجهيزهم في بعوثهم. فإذا جاءك كتابي هذا، فخذ لي الطاعة ممن قبلك، وانظر الرجل الذي كان كسرى كتب إليه فيه، فلا تهجه حتى يأتيك أمري فيه». فلما انتهى كتاب شيرويه إلى باذان، قال: «إن هذا الرجل لرسول الله». وأسلم لله، وأسلمت أبناء فارس من كان منهم باليمن. وقال أبو معشر: حدثني المقبري، قال: جاء فيروز الديلمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إن كسرى كتب إلى باذان: بلغني أن في أرضك رجلًا تنبأ، فاربطه، وابعت به إلي». فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ربي غضب على ربكم فقتله -أو غضب على ربكم فقتله- فدمه بنحره سخل الساعة». فخرج من عنده، فسمع الخبر، فأسلم، وحسن إسلامه. وكان رجلًا صالحًا. ولو في الإسلام آثار جميلة، منها قتل الأسود العنسي الكذاب الذي ادعى النبوة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. وكان الأسود جبارًا، استدعى بأبي مسلم الخولاني، فقال له: أتشهد أني رسول الله؟ فقال أبو مسلم: ما أسمع. فقال له: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم. فردد ذلك عليه مرارًا. فأمر بنار عظيمة فأضرمها، ثم أمر بإلقاء أبي مسلم فيها، فلم تضره. فأخمدها الله تعالى حين ألقي فيها. فقيل له: أخرج هذا عنك من أرضك؛ لئلا يفسد عليك أتباعك. فأخرجه، فقدم أبو مسلم المدينة، وقد توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستخلف أبو بكر. فأناخ راحلته بباب المسجد، ثم دخل المسجد، فقام يصلي إلى سارية. فبصر به عمر، فقال: إليه. فقال: ممن الرجل؟ قال: من أهل اليمن. قال: ما فعل الذي حرقه الكذاب؟ قال: ذلك عبد الله بن ثوب. قال: نشدتك بالله، أنت هو؟ قال: اللهم نعم. فاعتنقه، ثم بكى. ثم ذهب به حتى أجلسه بينه وبين أبي بكر، فقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من فعل به كما فعل بإبراهيم خليل الرحمن. ثم خرج فيروز الديلمي على الأسود العنسي فقتله. وجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله، وهو في مرض موته. فخرج، فأخبر أصحابه، وقال: «قتل الأسود العنسي الليلة رجل صالح من قوم صالحين». وقصته مشهورة، وكذلك قصة مسيلمة الكذاب ونحوهما من المتنبئين الكذابين. أورد كذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى هذا الفصل ليستدل به على أن عموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم للعرب والعجم، ولعبدة الأوثان، وهكذا كذلك لليهود والنصارى والمجوس، كان أمرًا متقررًا معلومًا لا ينكره إلا مكابر. فهو ليس فقط أتت به الأدلة الشرعية، بل أثبتته الروايات المتواترة الصحيحة التي حكاها أهل التاريخ والسير تواترًا مما لا يجحد مثله إلا مكابر أو من ليس بعاقل. وأشار رحمه الله أولًا إلى قتال عمر للفرس المجوس، وأحاديث النبي عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده». الحديث. وبهذا أن الأمر ليس فقط في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، بل كان في عهد صحابته، وهو كذلك عند المسلمين إلى يومنا هذا. فكأن شيخ الإسلام يقول: من ينكر هذا فهو مخالف للعقل والفطرة والحس والواقع؛ فإن الحس والواقع والعقل الصحيح والفطرة المستقيمة تقتضي عدم المجازفة بهذه الشبهة التي أثارها هؤلاء النصارى. فهم ذكروا شبهة فيها مجازفة عظيمة؛ لذي مخالفة للأدلة الشرعية والعقل والفطرة والحس والواقع الذي يدل عليه هذه القصص وتواترها وتتابع الناس عليها. ولذلك تجد عامة النصارى، فضلًا عن عامة المسلمين، فضلًا عن علماء المسلمين وعلماء النصارى المنصفين، لا ينكرون ما وقع بين المسلمين والكفار من النصارى وغيرهم من دعوتهم إلى دين الإسلام، ومن قتالهم من قبل المسلمين الأولين؛ فإن هذا لا ينكره أحد. لكن هؤلاء أتوا بهذه الشبهة التي فيها مجازفة وخلاف للأصول التي تقتضي أن لا يخرج عنها أحد من العقلاء. وهكذا كذلك قصة كتاب النبي عليه الصلاة والسلام إلى المجوس وإلى كسرى، وأصل هذا في الصحيحين كذلك، كما أشار المعلق. وإن كان بعض ما ذكره من رواية ابن إسحاق فيها ما فيها، لكن أصل القصة في الصحيحين. وهكذا قصة باذان وإرساله للرجلين، أصل القصة صحيحة، ورؤيت بأسانيد صحيحة. وقد صححها الشيخ العلامة الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه، ومنها ما ذكره بشيء من البسط في بعض ألفاظه في «فقه السيرة» وتحقيقه له. وفيه: «أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي». والقصة مشهورة، وبها كان إسلام أهل اليمن. أي في قصة خبر النبي عليه الصلاة والسلام قتل كسرى لأبيه، وهذا كذلك يؤيد أنه نبي مرسل من عند الله سبحانه وتعالى. وهكذا قصة فيروز الديلمي، وما أشار إليه، أصل القصة صحيحة. ولو كانت رواية في هذه الطريق من طريق أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي، وهو ضعيف، لكن ضعفه ليس بالشديد؛ فهو في الشواهد. والقصة لها طرق يصحح أصلها. وهكذا قصة أبي مسلم، وكذلك أصلها صحيح. وقصة قتل الأسود العنسي أصلها بصريح البخاري. وإن كان قد اختلف أهل العلم هل كان ذلك في حياة النبي عليه الصلاة والسلام أو بعد مماته، لكن أصل القصة ثابت في الصحيح. فهذه كلها أوردها رحمه الله ليقرر المعنى المتقدم من أن هذه الشبهة عبارة عن مجازفات لا تخالف الأدلة الشرعية فقط، بل كذلك تخالف العقل والفطرة الصحيحة والحس والواقع؛ بما يكون معه المعارض لذلك مكابرًا ومتحاملًا. والله تعالى أعلم.