القول السديد في مقاصد التوحيد 9

القول السديد في مقاصد التوحيد 9

الدرس في القول السديد في مقاصد التوحيد 9، الدرس التاسع:من( باب الخوف من الشرك ... وكل من وقع منه نوع من الشرك فلضعف إخلاصه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الشرك الأكبر ومخاطره

الشرك الأكبر هو صرف العبادة لغير الله ويعتبر ناقضًا للتوحيد وموجبًا للكفر. العبرة في الشرك بحقائق الأفعال وليس بمسمياتها.

تعريف الشرك الأصغر وأمثلته

الشرك الأصغر هو الأقوال والأفعال التي تتوسل إلى الشرك، مثل الغلو في المخلوق والحلف بغير الله على وجه التعظيم. يختلف عن الشرك الأكبر في عدم بلوغه رتبة العبادة.

ثمرات الخوف من الوقوع في الشرك

الخوف من الشرك يحفز على تعزيز الإخلاص وتقوية التوحيد، ويؤدي إلى كمال المعرفة والعلم والاستقامة. كما يحمي من الوقوع في الجاهلية والشرك الأكبر والأصغر.

أهمية اكتمال التوحيد والتحذير من الشرك

يبرز أهمية اكتمال التوحيد من خلال الطاعات والابتعاد عن الشرك والبدع. ويحذر من الأسباب التي قد تؤدي إلى ما ينافي كمال التوحيد.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن السعدي رحمه الله تعالى في تعليقه على كتاب التوحيد: «قال: باب الخوف من الشرك. قال: الشرك في توحيد الإلهية والعبادة ينافي التوحيد كل المنافاة، ونوعان: شرك أكبر جلي، وشرك أصغر خفي. ومر معنا أن ذكر هذا الباب لبيان أن كمال التوحيد بكمال ترك ما ينافيه من الشرك، فعلم أن من لم يخف من الشرك فهو ناقص التوحيد أو عديم التوحيد، وأنه كلما خاف المرء من الشرك فإن هذا الخوف يستدعي مجانبة وكذلك معرفة، وهذا يكمل لصاحبه توحيده». قال رحمه الله: «فأما الشرك الأكبر فهو أن يجعل لله ندا يدعوه كما يدعو الله، أو يخافه أو يرجوه أو يحبه كحب الله، أو يصرف له نوعا من أنواع العبادة، فهذا الشرك لا يبقى مع صاحبه من التوحيد شيء، وهذا المشرك الذي حرم الله عليه الجنة ومأواه النار -يعني كما ورد في الأدلة- فالشرك الأكبر هو أن يجعل لله ندا يدعوه أو يصرف له كل ما ينافي عبادة الله سبحانه وتعالى، وهو قد يكون في الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات، فإن شئت فقل: هو أن تجعل لله ندا في ربوبيته أو ألوهيته أو أسمائه وصفاته. وهذه الندية سواء بالتشريك أو بالإفراد». ومعنى أنه ليس من شرط الشرك أن لا تعبد الله، بل قد تعبد الله وتعبد معه غيره فيكون شركا، فمن عبد غير الله فإنه كافر ومشرك، ومن عبد الله وعبد معه غيره فهو مشرك، وهو كذلك وقع بشركه في الكفر. ولهذا لما جهل هذا المعنى بعض المشركين من أهل الشرك المعاصر، ظنوا أنهم بقيامهم بالعبودية لله فهم سالمون من الشرك، والله عز وجل قد اشترط في سلامة التوحيد والعباد له أن يكون سالما من الشرك، فلو لم يسلم لحبط ذاك التوحيد وتلك العبادة، ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون. قال رحمه الله: «ولا فرق في هذا بين أن يسمى تلك العبادة التي صرفها لغير الله عبادة أو يسميها توسلا أو يسميها بغير ذلك من الأسماء، فكل ذلك شرك أكبر؛ لأن العبرة بحقائق الأشياء ومعانيها دون ألفاظها وعباراتها. بعض الناس في زمن المؤلف قبل ذلك وبعد ذلك يسمون بعض الشرك توسلا ويزعمون أن التوسل جائز والشرك غير جائز، مع أنه لو نظر في حقيقة ذلك الذي يسمونه توسلا وجدوا أنه دعاء لغير الله وجعل ندية لغير الله سبحانه وتعالى، وهذا هو الشرك، فليس الشرك ألفاظا ولكن الشرك حقائق، إذا وقعت سميت تلك الحقائق شركا ولو سماها أهلها بغير ما هي تسمى في الشرع، فإن العبرة بحقائق الأشياء لا بمسمياتها عند الناس». كما أن الخمر قد يشرب وهو يسكر ويسمى بغير اسمه، فهل يخرجه ذلك عن كونه خمرا محرما موجبا لما يوجبه وما يترتب عليه الخمر حكم الخمر؟ الجواب: لا، فليس العبرة بالمسميات ولكن العبرة بالحقائق، فهكذا كذلك أمر الشرك. قال رحمه الله: «أما الشرك الأصغر فهو جميع الأقوال والأفعال التي يتوسل بها إلى الشرك أو يتوصل إليه، فذرائع ووسائل الشرك الأكبر هي من الشرك الأصغر. وهذا كما مر معنا على أحد مذهبي أهل العلم في ذلك، فمن أهل العلم من يرى أن الشرك الأصغر محصور معدود، ومنهم من يرى أنه موصوف محدود -يعني بحد وتعريف- فعلى الثاني الشرك الأصغر كثير، وعلى الأول هو قليل وهو معدود بما نص الشرع أنه شرك أصغر، فعلى الثاني -وهو الصحيح- يكون كل ما يفضي إلى الشرك الأكبر فهو من الشرك الأصغر». كالغلو في المخلوق الذي لا يبلغ رتبة العبادة، فإذا بلغ الغلو رتبة العبادة فهو شرك أكبر، وإذا لم يبلغ رتبة العبادة فهو شرك أصغر. مثال الشرك الأكبر أن يكون الغلو فيه ندية لما هو من خصائص الله، مثل قول القائل: «إن من جودك الدنيا وضرتها، وإن من علومك علم اللوح والقلم»، وهذا من خصائص الرب سبحانه وتعالى، جعله لغير الله شرك أكبر والعياذ بالله، ليس هو شرك أصغر. ومثال الثاني: الغلو فيما لا يوصل إلى الشرك الأكبر لكنه ذريع له، كقول القائل نفسه: «دعمت دعته النصارى في نبيهم، وقل ما شئت فيه من شيء واحتكم»، يعني لا تقل ما قالت النصارى إنه الله أو ابن الله أي عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن قل ما شئت من شيء بعد، وهذا ينافي قول النبي عليه الصلاة والسلام حين قالوا: «يا سيدنا وابن سيدنا ويا خيرنا وابن خيرنا»، قال: «قولوا بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان»، يعني قولوا كما كنتم تقولون: يا رسول الله، يا نبي الله، ولا يستهوينكم الشيطان فتقولوا ما هو غلو. قال رحمه الله: «كالغلو في المخلوق الذي لا يبلغ رتبة العبادة، وكالحلف بغير الله. الحلف بغير الله كذلك إن كان هذا الحلف على وجه تعظيم المخلوق تعظيما كتعظيم الله فهذا شرك أكبر، مثل حلف المشركين بالله والعزة، ليس يحلفون بها إلا لتعظيمهم لها كتعظيم الله أو أعظم. ومثله حلف بعض الناس اليوم ببعض الصالحين كما يزعمون، فلو حلف بغير الله من الولي المزعوم لما حلف به كاذبا، ولو حلف بالله لحلف كاذبا، فمثل هذا يدل على أن عظمة غير الله في قلبه أعظم من عظمته لله، فإذا كان كذلك فهو الشرك الأكبر». وأما شيء يجري على اللسان ليس له معنى الندية في القلب فهذا شرك أصغر، كالحلف بالأب والأم والنعمة وغير ذلك. ومنه ما قد يتعود عليه الإنسان بلسانه مما كان في جاهليته، كقول بعض الصحابة: «اللات والعزة»، وكانوا قد أسلموا لكن شيء جرى على ألسنتهم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من حلف بالله والعزة فليقل: لا إله إلا الله»، قالوا: هذا كفارة له؛ لأنه شيء لفظي. وهكذا كذلك من حلف بالعيد روس وكان يحلف قبل توبته ورجوعه إلى التوحيد، فليقل: لا إله إلا الله، فإن ذلك كفارة له. قال: «ويسير الرياء ونحو ذلك». كذلك يسير الرياء كما مر معنا هو من الشرك الأصغر، وكذلك نحوه، ونحو ذلك مثل العجب وغير ذلك مما مر معنا. قال رحمه الله: «فإذا كان الشرك ينافي التوحيد ويوجب دخول النار والخلود فيها وحرمان الجنة إذا كان أكبر -يعني إذا كان الشرك أكبر- ولا تتحقق السعادة إلا بالسلام منه -يعني في الدنيا وفي الآخرة- قال: كان حقا على العبد أن يخاف منه أعظم خوف، وأن يسعى بالفرار منه ومن طرقه ووسائله وأسبابه، ويسأل الله العافية منه كما فعل ذلك الأنبياء والأصفياء وخيار الخلق». وهذا هو ثمرة هذا الباب والمقصود منه أن إكمال التوحيد لا يكون إلا بترك ما ينافيه ويوصل إليه أو يكون ذريعة له، ومن ذلك الخوف من الشرك. وبه تعرف فضل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي دعا ربه أن يجنبه وبنيه أن يعبدوا الأوثان، هذا لكمال توحيده أنه خاف من الشرك على نفسه وعلى ذريته. وربما كان معه التنبيه على خطر الشرك أي في دعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فإنه لما دعا بذلك وهو أبو الأنبياء عليه الصلاة والسلام وإمام الموحدين، فمن دونه من باب أولى يعلموا خطر الشرك ووجوب الخوف منه. وهكذا كذلك فيه تنبيه المسلمين على ضرورة الخوف من هذا الشرك. كما أن دعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام له وليد ذريته من بعده فيه معنى المشاركة، وهذا يختلف عن ذكر النفس، يختلف عن ذكر النفس، يعني أن الإنسان قد يقول الشيء ويريد أن يشرك غيره في الحكم، فيكون في ذلك الكلام مستقيما، فإذا لم يشرك غيره وذكره لنفسه وهو لا يقتضي المقام ذلك كان أحد أمرين: إما أن يكون المقام فيه شيء من العبث، وإما أن يكون كذلك فيه معنى آخر مدموم وهو ما لا ينبغي أن يظهر للناس بما يظن أنه دفع للرياء وهو عين الرياء. مثل أن يقوم الإنسان مثلا فيقول: أنا لست أهل، أنا كذا أنا كذا أنا كذا، وفي الحقيقة هو يعلم أنه أهل لذلك، فقوله ذلك خطأ ليس بصحيح، وليس هذا طريق التواضع، ولكن لو أشرك غيره معه لكان هذا مستدعيا لنفسه ولغيره بالكمال، مستدعيا لنفسه ولغيره بالكمال. ونبه على هذا بعض أهل العلم لما فيه من الأدب مع النفس والأدب مع الغير. قال رحمه الله تعالى: «وعلى العبد أن يجتهد في تنمية الإخلاص بقلبه وتقويته، وذلك بكمال التعلق بالله تألها وإنابة وخوفا ورجاء وطمعا وقصدا لمرضاته، وتوبة بكل ما يفعله العبد وما يتركه من الأمور الظاهرة والباطنة، فإن الإخلاص بطبيعته يدفع الشرك الأكبر والأصغر، وكل من وقع منه نوع من الشرك فلضعف إخلاصه». فخلص بذلك أن من ثمرات الخوف من الشرك أنه يدفع صاحبه إلى المعرفة التي هي العلم، فإنه كلما كملت معرفته كمل توحيده. وكما قال عمر رضي الله عنه: «إنما تنقض عرى الإسلام إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية»، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية ربما وقع في الجاهلية وهو لا يشعر. ومن ثمراته كذلك أن الإنسان يلازم كما ذكر المؤلف رحمه الله تنمية ما يقوي التوحيد في القلب، ومن ذلك لزوم الاستقامة. ومن ثمراته كذلك أي الخوف من الشرك كثرة الاستغفار، فإن كثرة الاستغفار مستدعيا لحصول هذا المطلوب وزيادة، ولهذا كان نبينا عليه الصلاة والسلام كثير الاستغفار كما أثر عنه في أحاديث. وهكذا كذلك فيه العناية بما يكمل التوحيد، فإن العبد إذا خاف من الشرك اعتنى بما يكمل توحيده من الطاعات فضلا عن الوقوع في ما ينافيه من شرك أو كفر أو نفاق أو بدعة أو كبيرة أو صغيرة. وهكذا أخيرا فيه ما أشار إليه رحمه الله من الحذر من الذرائع والوسائل والأسباب والطرق المفضية إلى ما ينافي كمال التوحيد، وكلها من معاني الشرك إما الأكبر أو الأصغر كما مر معنا قبل ذلك.