شرح كتاب تطهير الإعتقاد 11

شرح كتاب تطهير الإعتقاد 11

الدرس في شرح كتاب تطهير الإعتقاد 11، الدرس الحادي عشر : فيه ( قال تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ... وكان إبليس تسمى بالحارث والقصة في الدر المنثور وغيره ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

معنى الإيمان والشرك عند المشركين

يشرح المقطع معنى الإيمان بالله والشرك في اعتقاد المشركين، ويبين أن الإيمان بالله لا يمنع من الوقوع في الشرك. يُوضح أن بعض أفعال المسلمين قد تنافي توحيدهم.

الرياء وآثاره على الأعمال

يناقش الرياء وكونه شركًا أصغر عمليًا، ويبين أنه يفسد الأعمال ويجعلها غير مقبولة عند الله. يشرح أن المرائي يطلب رضا الناس مع الله.

تفسير آية الإسراء ودلالتها على الشرك

يفسر المقطع آية الإسراء ويبين دلالتها على الشرك ونسبة النعمة إلى غير الله. يشكك في صحة الحديث المنسوب للنبي حول قصة آدم وحواء.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، قال الصنعاني رحمه الله تعالى في كتابه "تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد"، قال رحمه الله تعالى: فقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾، أي: وما يقر أكثرهم، وما يقر أكثرهم في إقراره بالله بأنه خلقه وخلق السماوات والأرض إلا وهو مشرك بعبادة الأوثان. وجاء في تفسير الآية عن عبد الله بن عباس أن من إيمانهم إذا قيل لهم: من خلق السماوات؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون به، يعني أقروا بالربوبية ونفوا الألوهية ولم يطبقوها، وهم في الحقيقة لم يحصل منهم إيمان صحيح بالربوبية. وهكذا كذلك جاء عن مجاهد وعطاء وعكرمة والشعبي وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو ذلك. والحاصل أن المشركين كثير منهم يؤمنون بالله وينقضون هذا الإيمان بشركهم. ومن ذلك ما جاء في الصحيحين في تلبية المشركين، فإنهم كانوا يقولون: "لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك". وهذا نقض للتوحيد الذي في هذه التلبية، وحملها بعض الصحابة والتابعين على ما ينافي التوحيد مما قد يقع حتى من بعض المسلمين. فإن المسلم قد يقع منه ما ينافي الإيمان بالله سبحانه وتعالى، كالحلف بغير الله. وهكذا كذلك إذا وقع منه شيء من الشرك اللفظي أو الفعلي الذي هو من الشرك الأصغر. قال رحمه الله تعالى: "بل سمى الله الرياء في الطاعات شركا"، مع أن فاعل الطاعة ما قصد بها إلا الله تعالى، ويريد بذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يَرَاؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فسمى الله عز وجل الرياء شركا. ولا يذكرون الله إلا قليلا، فهو من الشرك الأكبر. وليس كل رياء شرك أكبر، لكن من الرياء ما هو شرك أكبر، ومن الرياء ما هو شرك أصغر. فالشرك الأكبر هو النفاق الاعتقادي، كحال هؤلاء المنافقين الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس، أي: يبهرون للناس الإيمان، وهم في الحقيقة كفار. ولا يذكرون الله إلا قليلا، ومنه ما هو شرك ورياء ونفاق عملي، وهو ما يقع من بعض المسلمين، كما في حديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي سيأتي: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك". قال رحمه الله تعالى: "ما قصد بها إلا الله تعالى، وإنما أراد طلب المنزلة بالطاعة في قلوب الناس". فاعل الطاعة ما قصد بها إلا الله تعالى، قصد بها الله، ولكن أشرك مع الله، وإنما أراد طلب المنزلة بالطاعة في قلوب الناس. كأن الواو زائدة، مع أن فاعل الطاعة ما قصد بها إلا الله تعالى، إنما أراد أو وأراد طلب المنزلة بالطاعة في قلوب الناس. فالمرائي عبد الله تعالى لا غيره، لكنه خلط عبادته لطلب المنزلة في قلوب العباد. وهذا الطلب قد يكون أكبر، يعني كفر أكبر إذا كان على حال النفاق الأكبر المخرج من دين الإسلام، وهو إذا كان لطلب المنزلة بالطاعة في قلوب الناس على حساب أصل الإيمان، كالمنافقين، فهم يطلبون بطاعة قلوب الناس في أصل الإيمان؛ لأنهم ليس عندهم إقرار بأصل الإيمان، وإنما أرادوا إظهار ذلك للسلامة في الدنيا، فهذا كفر ونفاق أكبر. وإما أن يكون ليس على حساب أصل الإيمان، وإنما على كمال الإيمان، وهذا هو الرياء والشرك الأصغر العملي. قال رحمه الله تعالى: "فلم يقبل له عبادة وسماها شركا"، كما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله تعالى: أنا أغنى شركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه". بل سمى الله تعالى التسمية بعبد الحارث شركا، ووجه الدلالة من الحديث ظاهرة، فقوله: "من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه"، فهو أراد ما عند الله، لكن أدخل معه شيء آخر، وهو إرادة ما عند الناس والوصول إلى قلوب الناس. فإن كان على حساب أصل الإيمان فهو كفر ونفاق أكبر، وإن كان على حساب تحسين الإيمان فهو نفاق وأصغر عملي وشرك أصغر عملي. قال رحمه الله تعالى: "بل سمى الله تعالى التسمية بعبد الحارث شركا"، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾، فإنه أخرج أحمد والترمذي من حديث سمرة أنه قال صلى الله عليه وسلم: "لما حملت حواء وكان لا يعيش لها ولد طاف بها إبليس وقال: لا يعيش لك ولد حتى تسميه عبد الحارث، فسمته فعاش". وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره. وهذا الحديث حديث ضعيف لا يصح، كما نبه الحفاظ على ذلك، وفيه مجموعة من العلل. أولها أنه روي من طريق عمر بن إبراهيم، وهو في روايته عن قتادة ضعف ونكارة، كما ذكر غير واحد من الحفاظ ذلك. فقد ذكر ابن عدي رحمه الله تعالى أنه يروي عن قتادة أشياء لا يوافق عليها، وقال في حديثه عن قتادة خاصة اضطراب. وهذا ذكر ابن حبان في "المجروحين"، قال: كان ممن ينفرد عن قتادة بما لا يشبه حديثه، فلا يعجبني الاحتجاج به إذا انفرد -يعني- بالرواية عن قتادة. والعلة الثانية فيه عنعنة الحسن، والحسن عنعنة تضر، كما قال الذهبي رحمه الله تعالى: كان الحسن كثير التدليس، فإذا قال في حديثه "عن فلان" فضعف احتجاجه -يعني- لا يصح الاحتجاج به. كيف وقد نص الحفاظ أن رواية الحسن عن سمرة لم يحصل فيها سماع إلا في حديث أو حديثين، وليس هذا الحديث من هذين الحديثين. والعلة الثالثة أن الحفاظ صحح الموقوف، كما أشار إلى ذلك الترمذي بعد رواية هذا الحديث، وهكذا ابن كثير رحمه الله تعالى أشار إلى أنه روي موقوفا عن سمرة وعن ابن عباس، وهو أصح. وهذا الموقوف نبه الحفاظ، كما نبه ابن كثير وغيره رحمه الله، أنه أشبه ما يكون من أهل الكتاب، قال ابن كثير: "أشبه أن يكون من أخبار أهل الكتاب، فلا نصدقهم ولا نكذبهم". والعلة الرابعة كذلك أنه صح عن الحسن من قوله بإسناد بل بأسانيد صحيحة أنه ذكر أن الآية في المشركين من ذرية بني آدم، وليس هو في آدم وحواء، وهذا أصح. ولو كان هذا صح مرفوعا لما جاز للحسن أن يخالفه، ولكن هذا يدل أنه لم يصح أن يروى مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وكذلك أخيرا هذا الحديث فيه مخالفة ظاهرة لبراءة الأنبياء من الشرك، فإن الأنبياء معصومون من الوقوع في الشرك، عصمهم الله وحفظهم من أن يقعوا في الشرك، وقد أشار جماعة من الحفاظ إلى ذلك. ولا إمه، فقد قال ابن حزم رحمه الله تعالى: "هذه خرافة موضوعة مكذوبة من تأليف من لا دين له ولا حياء، لم يصح سندها قط". وهكذا ذكر ابن كثير نحو هذا الكلام، وهكذا كذلك صح عن الذهبي تضعيفه هذا الحديث وأنه منكر، وأن مثله لا يصح. وهكذا كذلك ذكر أحمد شاكر بتعليقه على تفسير ابن جرير قال: "ومثل هذا لا يصح"، أو معنى كلامه لا يصح أن ينسب لمثل الأبوين -يعني- حواء وآدم -قال- إلا بشيء صحيح عن الله أو عن رسوله، ولم يصح. فهذا الذي روي روي بإسناد ضعيف. قال رحمه الله تعالى: "فأنزل الله الآيات وسمى هذه التسمية شركا". أنزل الله عز وجل الآيات، لكن ليس في آدم وحواء، وإنما في الذين يشركون من ذرية آدم وحواء. ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾، والآية عامة تشمل التسمية بالشرك، وتشمل نسبة النعمة إلى غير الله سبحانه وتعالى. نسبة النعمة إلى غير الله، كحال بعض المشركين قديما وحديثا، فإنهم إذا وهبوا الولد بدلا من أن يذبحوا لله يذهبوا فيذبحوا نذور الشكر لمن لأصنامهم، يذبحوا نذور الشكر لأصنامهم. ومثل ما يفعله عباد القبور في هذا الزمان، يطلب أحدهم الولد، ولكنه لا يطلبه من الله، ربما طلبه من غير الله، وإذا طلبه من الله وأوتي ولدا فربما نذر بعضهم وزوجته حامل، فيقول: "لله علي إن ولدت زوجتي نذر أن أذبح عند قبة فلان كذا وكذا من الدبائح". فهذا يدخل في هذه الآية: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾. كان الواجب أن يشكر الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة ويزيد في التوحيد والعبادة، ولكنه التفت إلى غير الله. ومن ذلك كذلك التسمية بعبد الحارث، فإن التسمية بعبد الحارث من التعبيد لغير الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: "وكان إبليس يسمى بالحارث". وهذا كما مر معنا لم يصح به حديث صحيح مرفوع يدل على هذا المعنى، وقد أبطل هذه القصة غير واحد من الأئمة، ومنهم الإمام ابن القيم رحمه الله في مواضع من كتبه. قال: "والقصة في الدر المنثور وغيره، وهي ضعيفة كما مر معنا، مدارها على الإسناد الذي تقدم". نكتفي بهذا، والحمد لله تعالى.