الدرس في شرح كتاب تطهير الإعتقاد 27، الدرس السابع والعشرون : فيه (فإن قلت هذا قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عمرت عليه قبة عظيمة ...فيجمعون أنواعاً من الجهل والشرك ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش الشيخ ابن بريك قضية بناء القبة على قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويحذر من الغلو في القبور وعبادتها من دون الله. يبين أن هذه الممارسات ليست من سنة النبي أو صحابته.
يحذر المؤلف من اتباع المجاذيب الذين يرددون لفظ الجلال بطريقة غير صحيحة، ويشير إلى أن الذكر الصحيح هو ما ورد في الكتاب والسنة. ينتقد ابتدارهم لأذكار ليس لها أصل شرعي.
يصف المقطع الحلولية بأنهم من جنود إبليس بسبب تجاوزاتهم الدينية وادعاءاتهم الباطلة. ينتقد مزاعمهم بأنهم بلغوا مرتبة اليقين بينما يرتكبون المعاصي والفواحش.
يناقش المقطع تحذير ابن تيمية لصحابة رسول الله من أفعال الجهلة الذين يخلطون بين الجهل والشرك. يشير إلى أن هؤلاء الجهلة لم يعبدوا الله حق العبادة.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. الله الرحمن الرحيم، قال الإمام الصنعاني رحمه الله تعالى: فإن قلت: هذا قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عمرت عليه قبة عظيمة أنفقت فيها الأموال، قلت: هذا جهل عظيم، فإن هذه القبة ليس بناؤها منه صلى الله عليه وسلم ولا من صحابته ولا من علماء أمته، بل هذه القبة المعمورة على قبر سيد الأنبياء من أبنية بعض ملوك مصر المتأخرين، وهو قلاوون الصالحي المعروف بالملك المنصور في سنة ثمانين وسبعين وستمائة، ذكره في تحقيق المصرة بتلخيص معالم دار الهجرة. فهذه أمور دولية لا دليلية، يتبع فيها الآخر الأول، ويريد رحمه الله تعالى أنه لا يصح الاستدلال بهذا؛ أولا لأن الذي فعله من فعله ليس بحجة. وكما مر معنا أن أكثر ما وقع إنما من بناء القباب وتهييج الناس للغلو في القبور وقع من فعل بعض الجهال، وهكذا بعض الملوك، بعض الجهال وبعض الملوك، وهذا من جنس ذلك؛ فإن القبة المبنية على قبر النبي عليه الصلاة والسلام بناها هذا الملك، كما أشار إليه. وأذكر عندكم المعلق مراجع كثيرة فيها معنى هذا الكلام، قال: وهذا آخر ما أوردناه مما أوردناه لما عمت به البلوى واتبعت الأهواء أو واتبعت الأهواء، وأعرض عن النكير الذي يجب عليه، ومال إلى ما مالت إليه العامة، وصار المنكر معروفا والمعروف منكرا، ولم نجد من الأعيان ناهيا عن ذلك ولا زاجرا. وهو يريد رحمه الله حال أكثر بلاد المسلمين، وبلاد اليمن خاصة، فأكثر بلاد المسلمين -إلا ما رحم الله وقليل ما هم- ابتليت بهذه القبور والمشاهد التي تعبد من دون الله عز وجل، فقل أن تجد بلادا إلا وفيها قبر أو مشهد أو تابوت أو حتى معلم يعبد من دون الله عز وجل. وقد مر معنا أن العبادة ليست هي بالصلاة ذات الركوع والسجود، فإن معنى العبادة أعظم من ذلك، لو لم يكن إلا زيارتها واتخاذها عيدا والتمسح بها والرجاء منها لكان هذا كافيا في بيان أنها تعبد من دون الله عز وجل، فكيف وهي تذبح عندها الذبائح وينذر لها النذور وتسأل من دون الله عز وجل. قال: فإن قلت: قد يتفق للأحياء أو للأموات اتصال جماعة بهم يفعلون خوارق من الأفعال يتسمون بالمجاذيب، فما حكم ما يأتون به من تلك الأمور؟ فإنها مما جلبت القلوب إلى الاعتقادات. ويشير إلى حال بعض السحرة والكهنة والعرافين والمشعودين الذين يتسللون بإسم الدين في إتيانهم بتلك الخوارق المدعاة، فيأخذون على الناس قلوبهم، كما قال: أن يتمير القلوب إليهم، فيذهب على الناس الدين والدنيا؛ الدنيا ببدل الأموال إليهم بأنهم أولياء وأنهم أصحاب كرامات وأنهم مجابوا الدعوة. وكما مر معنا كما قال القائل: القبقبة للولي والفائدة للقيوم، فكم من أولياء يأخذ فائدتهم من يقوم على قبورهم، فضلا عن يدعي بعض أولئك القائمين أنه قد ورث الولاية من صاحب القبر، فصار معنى الولاية عند الكثير من الجاهلين هو الإتيان بالخوارق. فكل من تعلم شيئا من السحر والشعودة وغرائب الأفعال ومكر كذلك الفعال فإنه يصير وليا عند الناس، وعلى هذه القاعدة يصير سحرة الهند الوتنيين هم رؤوس الأولياء؛ لأن القاعدة عندهم ليس بدين ولا بصلاة ولا بصيام ولا بزكاة ولا بشيء، لكن من أتى بخارق أكبر وأعظم فهو الذي عنده الولاية الكبرى. وعلى هذا فكلما كان الرجل أكثر سحرا وأكثر إتيانا لهذه الغرائب فإنه يستلزم أن يكون أكثر ولاية، وهذه قاعدة فاسدة ليست بصحيحة، بل الفرق بين كرامة الولي وشعودة المشعود وسحر الساحر هو التمسك بالدين والتمسك بالكتاب والسنة، كما أثر عن أمتنا. فنحن لا نصدق من يأتي بتلك الخوارق حتى لو طار في الهواء، كما قال إمامنا الشافعي رحمه الله: حتى يعرض على الكتاب والسنة أين هو من الكتاب والسنة؟ قال: قلت: أما المتسمون بالمجاذيب الذين يلوكون لفظ الجلال بأفواههم ويقولون بألسنتهم -وقوله المتسمون يعني فيمن يسميهم الناس، وإلا المؤلف رحمه الله لا يرضى بهذه التسمية، فهي تسمية محدثة ليس لها أصل في كتاب ولا في السنة-. وقوله: الذين يلوكون لفظ الجلال بأفواههم يعني يجعلونه ليس على وجه التعبد والذكر، ولكن على وجه العادة، وهكذا كذلك التصيد بها لجلب قلوب الناس إليهم، ولهذا ربما -كما يشير إليه لفظ المؤلف- ما نطقوها بالوجه الصحيح، فربما قالوا: الله الله، ونهاية قالوا: هو هو، كأنها كلاب تنبح. قال: ويقولونها بألسنتهم ويخرجونها عن لفظها العربي، فهم من أجناد إبليس -يعني عن لفظها العربي بل لفظها الشرعي-، ليس في الشرع أن يذكر الله بلفظ الجلالة وحده: الله الله الله الله، هذا ليس له أصل لا في كتاب ولا في سنة ولا عن أحد من سلف الأمة، فضلا أن يقال: هو هو هو، هذا لا يعرف لا في شرع ولا في لغة. وهذه من أذكار هؤلاء المجاذيب الذين يزعمون الكرامة والولاية، وهي أذكار محدثة متدعة ليس لها أصل من كتاب ولا من سنة، بل كما قال: ولا من له عربي، لو سألت رجلا عربيا ما معناه: هو هو يكررها هؤلاء؟ قل: ما أدري، ما يعرف معناها، إلا أن يقال له: أنهم يقصدون الله سبحانه. قال: فهم من أجناد إبليس ومن أعظم حمر الكون الذين ألبستهم حلل التلبيس، فإن إطلاق لفظ الجلال منفردا عن إخبار عنها بقولهم: الله الله، ليس بكلام ولا توحيد، وإنما هو تلعب بهذا اللفظ الشريف بإخراجه عن لفظه العربي، ثم إخلاؤه عن معنى من المعاني. ولو أن رجلا عظيما صار يسمى زيدا، وصار جماعة يقولون: زيد زيد، لعد ذلك استهزاء وإهانة، سخرية -سيماء إذا زادوا إلى ذلك تحريفا لهم-، ثم انظر هل أتى في لفظ من الكتاب والسنة ذكر الجلالة بانفرادها وتكريرها؟ والذي ملأ الكتاب والسنة هو طلب الذكر والتوحيد والتسبيح والتهليل. وهذه أذكار رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدعية آله وأصحابه خالية عن هذا الشاهد الذي اعتاده من هو عن الله وعن هدي رسوله صلى الله عليه وسلم في مكان صحيح، يعني أن هؤلاء يذكرون هذا الذكر كما سبق على وجه ليس بوجه شرعي صحيح، وهم في الحقيقة من أبعد الناس عن العلم وعن الهدي وعن تتبع الشرع والدين. وصدق إذ قال: أنهم من جنود إبليس؛ لأنهم في الحقيقة يعملون ما يعمل ويطمع فيه إبليس من الشرك والكفر والزندقة والمعاصي والكبائر والفواحش، حتى وصل بهم الأمر إلى أنهم لا يعرفون واجبا من الواجبات ولا محرما من المحرمات. فماذا بعد هذا من دين؟ ماذا بعد هذا من دين؟ ومن تتبع حال الحلولية وما ذكره صاحب الفصوص يجد هذه الزندقة وهذا الكفر، لا واجب ولا محرم يقفون عنده ويحدون حدود الله فيه، فماذا بعد هذا من دين؟ ما هو إلا لعب، وأنهم جند من جنود إبليس. فصار الدين عندهم أن يأتي الصغير والكبير والعالم والجاهل إلى تلك القبة فيطوف بها أو يتمسح بها أو ينذر أو يذبح، وصار من أخلص المؤمنين، ولو لم يصل ولو لم يصم ولو لم يحج بيت الله الحرام، ولو لم يعرف صدقه، ولو لم يقف عن شيء من المحرمات والكبائر، ربما يفعل الزنا ويفعل اللواط ويتعامل بالسحر ويأكل الربا ويفعل الفواحش، ثم يجد أن ذلك كله لا يضره ما دام قلبه سليما كما يزعمون. ويأتي إلى هذه القبة وهذا القبر، فذلك كفارة كل خطيئة، وهذا في الحقيقة ما يريده إبليس، وأعظم من ذلك أنه ربما يجادل في ذلك أشد المجادلة، وربما كذلك يعتقد أن هذه أعلى المنزلة وأن هذا دين الخواص خاصة الناس، هذا دينهم، وأما العامة فدينهم هذه القشور: الصلاة والمساجد والزكاة والصيام وترك الحلال وتفعل الحلال وترك الحرام، وهم الذين بلغوا -كما يزعمون- مرتبة اليقين. فلهذا قال: ومن أعظم حمر الكون حمار تعرفون الحمار ما ينتفع بشيء من علم ولا دين، وهؤلاء من أعظم حمر الكون الذين ألبستهم -أي هذه الأحوال- حلل التلبيس بما يلبسون على جهلة الناس. ثم قال: ثم قد يضيفون إلى الجلالة أسماء جماعة من الموتى مثل ابن علوان وأحمد بن الحسين وعبد القادر والعيد الروس، بل قد انتهى الحال إلى أنهم يعدون إلى القبور أو يعدون -نعم قال- من أهل الظلم والجرأة كعلي ردمان وعلي الأحمر -يعني يدخلون مع هؤلاء الذين يزعمون أنهم من الصالحين أناس من أهل الظلم والجرأة ممن لهم تاريخ يعلم أنهم من اللصوص ومن المجرمين-. قال: من أهل الظلم والجرأة كعلي ردمان وعلي الأحمر وأشباه هما، معلق المعلق بأن هو علي بن محمد ردمان البكيل كان من دهات مشايخ بكيل ورجالها، وأن قبره في حمى المسجد الذي عمره بالروضة من أموال انتهبها، ثم أشار إلى مواضع ترجمة هذا الرجل، وهكذا الأحمر علي بن القاسم الأحمر كان من كبار مشايخ حاشد، وقدم صنعاء بجموع كبيرة. قال: من قبائل حاشد، فأمر المنصور الحسين بن المتوكل بقتله، فلما قتل أمر بقطع رأسه، فلما قطع أخذه المنصور ووضعه على سنان حربته وأشار إلى الجموع من قبائل حاشد، فقال: هذا رأس صنمكم -يعني أنه كان يعبد قد في حياته ليس بعد مماته-. قال: وأشباه هما -يعني من الظالمين والمجرمين ورؤوس الشر في المجتمع-، ولقد صان الله سبحانه وتعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل الكساء وأعيان الصحابة -يعني أهل الكساء أهل بيته كما أشار المعلق إلى الحديث الذي رواه الإمام مسلم من حديث عائشة: خرج النبي صلى الله عليه وسلم غدا وعليه مرط مرحل من شعر أسود، فجاء الحسن والحسين إلى آخر الحديث، فبين أنهم هم أهل بيته-. قال رحمه الله: وأعيان الصحابة عن إدخالهم في أفواه هؤلاء الجهل الضلال، فيجمعون أنواعا من الجهل والشرك، وهذا حال هؤلاء أنهم جمعوا بين الجهل وبين الشرك، وقد مر أكثر ما يفعل هؤلاء فيما تقدم من مباحث، وهذا فقط زيادة التأكيد أن هؤلاء في الحقيقة ما عبدوا الله لا بأفعالهم ولا بأقوالهم، حتى الذكر حرموا أن يذكروا الله سبحانه وتعالى، فلا يذكرون الله بالذكر الشرعي الصحيح، بل ذكر منحرف، وهو كذلك مخلوق بشيء من الشرك والكفر والزندقة أو العياذ بالله. نكتفي بهذا ونترك الباقي لدرس اللاحق، والله تعالى أعلم.