الدرس في كتاب البيع 19، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
القرض هو طلب العارية أو الاستلاف، وهو من محاسن الإسلام وقد حث عليه الشرع. يجب إرجاع مثله، ويجوز أن يكون أفضل أو أكثر إلا إذا كان مشروطا.
يجب أن يكون القرض في الحلال ولا يجوز قرض الحرام. يجوز أن يكون القرض أفضل أو أكثر مما أخذ بشرط عدم كونه مشروطا، ويحرم أن يجر القرض نفعا للمقرض.
المثلي يرد بمثله، بينما المقوم يرد بقيمته وقت القرض وليس وقت السداد. لا يجوز تغيير قيمة الدين وقت السداد إذا كان قد أخذ المقابل مقوما.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب القرض. قال: يجب إرجاع مثله، ويجوز أن يكون أفضل أو أكثر إلا لم يكن مشروطا، ولا يجوز أن يجر القرض نفعا للمقرض. جعل رحمه الله تعالى هذا الباب في أحكام القرض، فقال: باب القرض، أي هذا مدخل لمعرفة أحكام القرض. والقرض لغة مأخوذ من معنى الاقتراض، وهو طلب العارية أو طلب الاستلاف، فهو بمعنى السلف. من معاني السلف ومن معاني كذلك العارية، لكن العارية كما سيأتي يكون في الأغراض، والقرض يكون غالبا في الأموال. وهو من محاسن الإسلام، وقد حث عليه الشرع بعمومات الأدلة وخصوصاتها، لما فيه من تنفيس كرب المكروبين، فإنه لا يقترض المقترض غالبا إلا من حاجة وعوز. وقد أمر ربنا جل وعلا بالتعاون على البر والتقوى، كما قال جل وعلا: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. وهكذا كذلك حتى على القرض بالمعنى العام والخاص، حتى قال الله عز وجل في ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. قال بعض أهل العلم: من الصدقة القرض. ومنه قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُقْرِضِ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ قالوا: بإقراض عباد الله، وذلك بما يكون من الصدقة وبما يكون من القرض. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة». وصح كذلك عند البيهقي وطبراني وغيرهما بإسناد حسن عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل قرض صدقة». كل قرض صدقة. فالقرض من معاني الصدقة، وقد وردت أحاديث فيها كذلك معنى أن القرض أشد أجرا من الصدقة، وإن كانت لا تصح من جهة الإسناد، لكن أكثرها من جهة المعنى العام دلت عليه عمومات أي في فضل القرض والحث عليه. وجاء عند الترمذي بإسناد صحيح عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه، وصححه العلامة الألباني رحمه الله أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من منح منيحة لبن أو أقرض أو ورق، أو هدى زقاقا كان له كعتق رقبة». ومنيحة اللبن معروف، يعني من يعطي ما زاد من ضرع لبنه إن كانت شاة أو كانت بقرة أو كانت ناقة. فمن أعطى فضلا ما كان في ضرع ما يملك من بهيمة الأنعام كان له كعتق رقبة. وهكذا كذلك من منح الورق، والورق هو الفضة، والمراد به الدراهم. قال العلماء: يمنح الورق وذلك إما أن يتصدق به فيكون هبة، وإما أن يقرضه. قال رحمه الله تعالى: يجب إرجاع مثله. أي في القرض من أخذ شيئا وجب عليه أن يرجع مثله، فإنه هو العدل. ولأن الزائد عن ذلك إذا كان بشرط من معاني الربا كما سيأتي معنا إن شاء الله تعالى. وقد دلت الأدلة كما سيأتي معنا على معاني كثيرة استنبط العلماء من هذه المعاني شروطا في باب القرض. أول هذه الشروط أن القرض يجوز فيما يجوز بيعه، فلا يجوز القرض فيما يحرم بيعه. وإنما القرض يكون في الحلال، فلا يجوز قرض الحرام كما لا يجوز بيع الحرام. فإذا لم يجوز بيع الحرام من باب أولى أنه لا يجوز استقراض وإقراض الحرام. استقراض يعني طلب القرض، وإقراض يعني إعطاء من يطلب الشيء الحرام. فلا يجوز استقراض شيء فيه معنى الحرام الذي لا يجوز بيعه. قال رحمه الله تعالى: ويجوز أن يكون أفضل أو أكثر إذا لم يكن مشروطا. يجوز أن يكون القرض أفضل أو أكثر مما أخذت بشرط أن لا يكون ذلك مشروطا. وأشار في الشرح إلى دليل ذلك وأنه من باب الإحسان، وعموم الأدلة تدل على جواز ذلك. ولا يجوز أن يجر القرض نفعا للمقرض، وهذا لأنه ورد في هذا الباب آثار كثيرة جاءت عن عدد من الصحابة وهي موقوفة وصحيحة ولها حكم الرفع. فإن مثل هذا التحريم من هؤلاء الصحابة مع عدم وجود المخالف لها حكم الرفع. فكل قرض جرى نفعا فهو ربا لا يجوز إقراره والرضى به. مثاله إذا اقترض إنسان من آخر قرضا على أن يكون لهذا الذي اقترض منه منفعة مثل أن يأخذ منه مالا في مقابل أن يضع عنده دابته أو سيارته ينتفع بها. وبهذا يكون قد انتهى رحمه الله من باب القرض. وهناك مسائل مهمة تلحق في باب القرض. من هذه المسائل إذا وقع قرض بعملة من العمل الحاضرة ثم حصل زوال لهذه العملة، كأن تكون مثلا انتهت، فبأي شيء يردها؟ اختلف أهل العلم في ذلك. والصحيح في ذلك التفصيل: إن كان لهذه العملة قيمة قد قومها السلطان فبما قومت به، وإن كان لها صرف فبصرفها، فإن لم يكن فبقيمتها يوم حصول القرض. هذه ثلاثة أحوال. وهكذا كذلك من مسائل القرض أن الأصل أن يرد المثلي بمثله والمقوم بقيمته. المثلي بمثله والمقوم بقيمته، فمثلا إذا استقرض إنسان شيئا له مثل نقول مثلا قلما له قيمة معينة وله مثل، فهل يرده بقيمته أم يرده بمثله؟ قال العلماء: يرده بمثله. هذا هو العدل وهو الحق والإنصاف، مع أن قيمة هذا المثلي قد تزيد وقد تنقص. مثلا إنسان استعار قلما أصليا كان في زمن سابق ربما قيمته عالية جدا. فاستقرض هذا القلم وطبعا إذا استقرضه سيملكه، فماذا يجب عليه أن يرد؟ هو لم يشتريه شراء، وإنما استقرضه قرضا. فإنه يرد قلما مثله، ما دام أنه لم يكن بينهما شرط. بخلاف لو باعه قال له: أبيع لك هذا القلم، وقيمة هذا القلم دين عندك. فرق بين المسألتين. لو قال له: بعت لك هذا القلم بكذا وكذا، إذن الذي وجبت عليه في ذمته من القرض ليس قلما وإنما قيمة هذا القلم يؤديه في وقت السداد على ما اتفق عليه. أما إذا أخذ منه قلما فإنه يرد له قلما، سواء زاد قيمة القلم أو نقص قيمة القلم. وهذه المسألة نبه عليها العلماء لأجل أن يزول الخلاف وتنقطع الخصومات بين الناس، لأن أسعار المثليات قد تزيد وقد تنقص. فمن أخذ مثليا إنما وجب عليه بالشرع وهو العدل بعمومات الأدلة أن يرد المثلي بمثله. ومن أخذ مقوما فإنه يرد المقوم بقيمته. مثال المقوم أن يأخذ بضاعة شراء دين، كأن مثلا إنسان يبيع أقلاما ويبيع كتبا ويبيع كراريس، فأخذت منه بضاعة لأولادك دينا. هذا من القرض، كم قيمة البضاعة؟ قيمة البضاعة مثلا نقول ألف ريال. فالذي وجب عليه قيمة البضاعة للبضاعة، لأنه لم يستقرض مثليات وإنما استقرض مقومات. استقرض أشياء مقومة، أخذ أشياء تباع، ولكن لم يكن عنده مال لسداد قيمة هذه الأشياء. فإذن لا يجوز وقت السداد أن يختلفا فيقول مثلا البائع: زادت سلعة، قيمة هذه الأشياء التي أعطيتك أنت صحيح أخذتها بألف، لكن اليوم هذه الأشياء تساوي ألفين، إذن عليك الدين ألفين. لا يجوز له أن يقول ذلك، لأنه أخذ مقوما. وقد نص العلماء أن المثلي بمثله والمقوم بقيمته.