شرح الأصول الثلاثة  14

شرح الأصول الثلاثة 14

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 14، الدرس الرابع عشر : (30ربيع أول1432هـ) (وهو ثلاث مراتب ... كما أنه ليس له شريك في ملكه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في مراتب الدين الإسلامي وأركانه

يتناول المقطع مراتب الدين الإسلامي الثلاث ويشرح أركان كل مرتبة مع التركيز على أركان الإسلام الخمسة. يُفصّل في هذه الأركان ويبين أهميتها في الإسلام.

شرح وتفصيل ركن الشهادة ودليلها

يشرح المقطع ركن الشهادة وأهميتها، ويوضح دليلها من القرآن الكريم. يُبين معنى لا إله إلا الله ويحذر من سوء الفهم لهذه الكلمة.

تفسير كلمة التوحيد ومعناها العميق

يفسر المقطع كلمة التوحيد 'لا إله إلا الله' ويبين معناها الحقيقي. يُؤكد على أهمية توحيد العبادة والألوهية لله وحده مستندًا إلى القرآن والأحاديث.

ختام الدرس والإشارة إلى ما سيأتي

يختتم المقطع الدرس الحالي مع الإشارة إلى استكمال الموضوع في درس قادم. يشير إلى أن هناك تفاصيل أخرى سيتم مناقشتها لاحقًا.

  • 21 جمادى الآخرة 1432هـ - 24/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: حرام وغيرها من العادات والآداب، ما كان ناسخًا لغيره من أحكام جاء بها الأنبياء والرسل قبله، عليه الصلاة والسلام. ثم بهذا المعنى الثاني، دين الإسلام ثلاث مراتب، والمراد بالمرتبة: المنزلة. ومعنى أن منازل الناس في هذا الدين بحسب قيادهم له، في توحيدهم وطاعتهم وضراءتهم من الشرك وأهله، على ثلاثة منازل. فالمرتبة الأولى، ونستطيع أن نسميها المنزلة الأولى، وقد رتبت هذه المراتب والمنازل ترتيبًا تصاعديًا، ابتدئ بالأصغر، وثني بالأكبر. فأول هذه المراتب الإسلام، أي من يقال له مسلم، وثانيها الإيمان، أي من يقال له مؤمن، وثالثها الإحسان، أي من يقال له محسن. وبه نعرف أنه بهذا التقسيم ليس كل مسلم مؤمن، وليس كل مؤمن محسن. انتبهوا لهذا، بهذا التقسيم نعلم أنه ليس كل مسلم مؤمن، وليس كل مؤمن محسن، ولكن كل محسن هو مؤمن مسلم، وكل مؤمن مسلم، ولكن لا يلزم أن يكون محسنا، قد يكون محسنا، وقد يكون غير محسن. فمثلا إذا علمنا، كما سيأتي معنا إن شاء الله، على وجه الاختصار، أن الإسلام مرتبة الإسلام هو إظهار الأعمال الظاهرة بالجوارح، وأن الإيمان هو وجود التصديق واليقين في القلب مع أعمال الجوارح، وأن الإحسان وهو الثالث، وجود معنى التصديق واليقين في الباطن، أي في القلب، مع أعمال الجوارح، مع حصول ثالثًا معنى المراقبة، مع حصول معنى المراقبة لله عز وجل في الأعمال الظاهرة والباطنة. وبه نعرف أن أعلى مراتب هذا الدين الإحسان، وأن أوسطها الإيمان، أعلى الإحسان، وأوسطها الإيمان، وأدناها الإسلام. لأن الإسلام هو إظهار أعمال الجوارح، فبذلك نحن لا ندري هل هذا المسلم صادق في إسلامه أم لا، مستيقظ من إسلامه أم لا. فقد يدخل في صفوف المسلمين بعض المنافقين، لأنهم ربما يظهرون الأعمال الظاهرة، يصلون مع الناس، ويصومون مع الناس، ويحجون مع الناس، ويتصدقون مع الناس، كما كان في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك في زماننا هذا، يوجد من الناس من يظهر الإسلام رياء وسمعة ومسايرة للمجتمعات، رياء وسمعة ومسايرة للمجتمعات. فإذا خرج من المجتمع المسلم انسلخ من أعمال الجوارح، تركها بالكلية، لم يصل ولم يصم ولم يحج ولم يتصدق ولم يقف عند حرام ولم يفعل طاعة وواجب. ولهذا لما قالت العرب: «آمنا»، قال الله عز وجل لهم كما أنزل في كتابه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، ومعناه أن هؤلاء الأعراب الذين كانوا حديث عهد بإسلام، وعلى جهل كثير بدينه، بدين الإسلام، أرادوا أن يوصفوا بالإيمان، فنفى عنهم ربنا جل وعلا اسم الإيمان، وأثبت لهم اسم الإسلام. وبهذا قال العلماء: أن الإيمان والإسلام لفظان، إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا. فإذا قيل: هذا مسلم، فقد يكون مؤمنًا، وإذا قيل مؤمن، قد يكون مسلمًا. لكن إذا وضع لفظ الإسلام والإيمان، فإنه يفرق بهذا التفريق في هذا التقسيم، فيقال لمن أظهر أعمال الجوارح الظاهرة، ولا يدرى بسريرته، وبكذلك صدقه، لأنه حديث عهد بإسلام، الصدق يعرف بشيئين: إما وحي من الله يخبر بسريرة هذا الإنسان، كما أخبر الله عز وجل في حق عدد من الصحابة بإيمانهم، ومنهم المهاجرون والأنصار، ومنهم أهل بيعة الرضوان، وغيرهم كثير. وقد يعرف ذلك بشهادة وتزكية المؤمنين خالطوه وعرفوه، فعلموا أنه من أهل الصدق إن شاء الله. فبهذا نعلم معنى هذا التفريق في هذا التقسيم. وسيأتي معنى إن شاء الله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وكل مرتبة لها أركان». قوله رحمه الله: «وكل مرتبة»، أي من مراتب الدين الثلاثة المتقدمة: الإسلام، والإيمان، والإحسان، فكل واحد من هذه الثلاثة له أركان. والركن يعرفه العلماء بأنه جزء من ما هو الشيء الذي لا يتم ذلكم الشيء ولا يحصل إلا بتمامه وحصوله، وهو داخل في حقيقة ذلكم الشيء. مثل أركان البيت، لا يقوم البيت إلا بأركانه، فالبيت الذي ليس فيه أركان يسقط ولا يقوم. فكذلك الأشياء المعنوية العلمية لها أركان. فالإسلام له أركان، أركانه خمسة، علم ذلك بالأدلة كما سيأتي إن شاء الله. فلا يقوم ولا يتم ولا يحصل ولا يتحقق حقيقة هذا الإسلام إلا بهذه الأركان، كما أن البيت لا يتم ولا يحصل ولا تتحقق حقيقته إلا بأركانه. فقوله: «وكل مرتب لها أركان»، فهمنا معنى الأركان، وعلاقة الأركان بهذه المسميات الثلاثة. ثم قال رحمه الله: «فأركان الإسلام خمسة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام». فهذه أركان الإسلام الخمسة، وعلم بهذا بالأدلة الكثيرة من الكتاب ومن السنة، كما سيأتي معنا إن شاء الله. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين أنه قال: «بني الإسلام على خمس». وقوله: «بني»، يؤكد أن هذه أركان الإسلام، كأركان البيت الذي يبنى البيت عليه. فهذه الخمس الخصال هي قواعد ودعائم وأركان الإسلام، فصار الإسلام كأنه أقيم على خمسة أعمدة لا يستقيم إلا بوجودها. ونلاحظ أن المؤلف رحمه الله ذكر هذه الخمسة بهذا الترتيب، تبعًا لما جاء في حديث بن عمر في ترتيب هذه الأركان الخمسة. وهذا الترتيب في حديث بن عمر الذي حدث به عن النبي عليه الصلاة والسلام، وهو الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، إنه إلا وحي يوحى. فالنبي عليه الصلاة والسلام تكلم به بوحي الله، وقد رتبت ترتيبًا تنازليًا، ابتدأ بالأهم وانتقل إلى المهم، أو قل الأهم فالأهم. وكل خصلة من هذه الخصال، كما سيأتي معنا إن شاء الله، مما يجب أن يتحلى بها المسلم. وبه نعرف كذلك، كما سيأتي معنا إن شاء الله، في أركان الإيمان مقارنة مع أركان الإسلام، أن أركان الإسلام تدور في معنى ووصف أوسع من أركان الإيمان. ولذلك فالمسلمون كثير، لتحقق هذه الخصال والأعمال الظاهرة، والمؤمنون قليل بالنسبة لمن للمسلمين، وهم الذين حققوا خصال الإسلام، أي أركانه التي سبقت، وأضافوا إليها أركان الإيمان، كما سيأتي إن شاء الله. ثم قال رحمه الله: «وسيأتي معنى كل ركن». قال: «فدليل الشهادة قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾». ومعنى كلامه رحمه الله: «فدليل الشهادة»، أي مما دل من القرآن على أن شهادة لا إله إلا الله من أركان الإسلام، هذه الآية. فهذه الآية دليل واضح وظاهر في لزوم وركنية شهادة التوحيد، لا إله إلا الله، في أركان الإسلام. ويزداد ذلك وضوحًا مع حديث ابن عمر المتقدم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله»، ثم ذكر باقي الأركان. وهكذا حديث ابن عمر الآخر في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم»، الحديث. وفي هذا الحديث كذلك تأكيد لركنية شهادة التوحيد، شهادة أن لا إله إلا الله، وأنها ركن بل أعظم أركان الإسلام. ومعنى لا إله إلا الله: لا معبود بحق في الوجود إلا الله. معنى لا إله إلا الله: أي لا معبود بحق في الوجود إلا الله، فهو الإله الحق وحده سبحانه وتعالى، وما دعي من معنى الإلهية في غيره فهو من الباطل والضلال. فالإله الحق الذي يستحق العبادة هو الله وحده. وبه نعرف خطأ تفسير الكثير من الناس لمعنى كلمة التوحيد بقولهم: لا خالق إلا الله، أو قولهم: لا رازق إلا الله، أو لا مدبر ولا صانع إلا الله. فكل هذه العبارات خاطئة قاصرة، ليس هذا هو المقصود من معنى كلمة التوحيد. فمعنى كلمة التوحيد إفراد الله جل وعلا في الألوهية والعبادة، وذلك يتضمن إفراده جل وعلا بالربوبية. أما إذا فسرنا كلمة التوحيد بإفراد الربوبية لله عز وجل، فإننا نقع في الخطأ من جهتين: أولا من جهة التفسير الخاطئ لمدلول هذه الكلمة في اللغة، فضلا عن الشرع، لأن معنى الإله مأخوذ من الألوهية، وهي العبودية. فلا إله إلا الله: أي لا معبود بحق إلا الله، أي في الوجود. فاللغة فضلا عن الشرع تدل على هذا المعنى. والخطأ الثاني: أننا بحصر تفسير كلمة التوحيد بمعنى الربوبية، يحصل به خطأ عظيم، وهو إقرار فعل المشركين قديما وحديثا. فإن الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، إنما دعوا أممهم إلى توحيد العبادة والألوهية. فتوحيد العبادة هو توحيد الألوهية، وأما توحيد الربوبية، وإن وجد في الأمم من أنكره، فهم قليل، وأكثر الأمم أقرت به، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾. ولهذا التفسير الخاطئ لهذه الكلمة، بسبب ذلك وقع الكثير من المتأخرين في مواضع خلل وزلل في عقائدهم، ومن ذلك عقيدة الباطنية أهل وحدة الوجود، الذين زعموا أن كل ما في الوجود هو الله، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. فالحاصل يجب أن ننتبه لهذا التفسير لمعنى كلمة التوحيد، وهو أن معنى لا إله إلا الله: أي لا معبود بحق في الوجود إلا الله. وأورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية، ومعناها ظاهر، ففيها شهادة الله جل وعلا لنفسه على وحدانيته سبحانه وتعالى، وشهادة الملائكة وأولو العلم. وفيه فضل الملائكة وفضل أهل العلم، فمن أعظم مناقب وفضائل أهل العلم أن الله استشهدهم على أعظم مشهود، فشهدوا به. فمن فضل العلم أنه يدل على التوحيد ويهدي إليه. فالملائكة شهدت لله جل وعلا بالوحدانية في ألوهيته، وهكذا يتضمن هذا معنى ربوبيته. وهكذا شهد أهل العلم، وأول أهل العلم هم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. ويتضمن ذلك فضل وتزكية أهل العلم، وهذا يحث كل مسلم على أن يتعلم العلم الشرعي، لأن تعلم العلم الشرعي يحقق له معنى كمال توحيده لربه جل وعلا، كما كان ذلك في حق أهل العلم، فقد شارك أهل العلم الملائكة في شهادتهم لله بأعظم مشهود، وهو وحدانيته سبحانه وتعالى في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته سبحانه وتعالى. وإذا أطلق العلم في الشرع، فالمراد به العلم الشرعي. فالمراد بأهل العلم ها هنا أهل العلم الشرعي الدائني. والعلوم الأخرى توصل إلى هذا المعنى، لكن ليس كالعلم الشرعي الدائني، ليس كالعلم الشرعي الدائني. ثم قال رحمه الله تعالى: «ومعناها: لا معبود بحق إلا الله، فلا إله نافيا جميع ما يعبد من دون الله، إلا الله مثبتا العبادة لله وحده لا شريك له في عبادته، كما أنه لا شريك له في ملكه». وتفسيرها الذي وضحها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، وقوله: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾. أتبع المؤلف رحمه الله بتفسير معنى كلمة التوحيد: لا إله إلا الله. فقال: «ومعناها: لا معبود بحق إلا الله». وتقدم معنى بعض ما يتعلق بهذا التفسير. فلا معبود بحق في الوجود إلا الله، أي لا مألوه بحق إلا الله وحده دون من سواه. فكل من سواه إن عبد فقد عبد بباطل وظلال. فهذا هو معنى كلمة التوحيد، وموضوعها العظيم: إفراد الله جل وعلا بجميع أنواع العبادة. وهذا الذي جاءت به الرسل ودعت إليه، وأنزلت لأجله الكتب. وما أكثر الآيات في كتاب الله، وهكذا الأحاديث في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تدل على ذلك. ومن ذلك، وهو يبين ويدل ويؤكد على هذا المعنى، قول الله جل وعلا عن المشركين، حين دعتهم رسلهم إلى توحيد الله جل وعلا. فما بعث الله عز وجل من نبي ولا رسول إلا قال لقومه: «اعبدوا الله ما لكم من إله غيره». وقال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾. فمعنى الدعوة إلى لا إله إلا الله: أي عبادة الله واجتناب عبادة ما سواه. ولهذا قال المشركون، كما أخبر الله عز وجل عنهم: «أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب». وذلك لأنهم جعلوا بين عبادتهم لله عز وجل وصائط وشركاء، فعبدوا مع الله غيره، وظنوا أن ذلك يقربهم إلى الله سبحانه وتعالى. وهذا هو الشرك. ولهذا كذلك كان نبينا صلى الله عليه وسلم إذا أرسل رسله، يمرهم بدعوة الناس إلى توحيد الله جل وعلا في عبادته. ومن ذلك ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس، ومعناه من حديث معاذ، أنه أرسل معاذًا إلى اليمن، فقال له: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله». وفي رواية للبخاري: «ليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله». فدل على أن معنى لا إله إلا الله: أي لا معبود بحق إلا الله. وننتبه هنا إلى تقدير أهل العلم بحق، فهو أمر لا بد منه، لأن المعبود من عبد من غير الله موجود، فقد عبدت الأشجار والأحجار والأصنام، بل والأنبياء والملائكة، وهذا على مر تاريخ بني آدم في الأرض. فلذلك لا بد من هذا القيد. فمعنى لا إله إلا الله: أي لا معبود بحق إلا الله. فهي كلمة فيها نفي وإثبات، وهذا النفي والإثبات هما ركنا كلمة التوحيد. فكلمة التوحيد ركن من أركان الإسلام، وكلمة التوحيد نفسها تتضمن لركنين: نفي وإثبات. النفي هو نفي الألوهية عما سوى الله، فما عبد من دون الله فقد عبد بباطل وظلال، من أشجار وأحجار، بل وأولياء وغيرهم. والإثبات هو إثبات الألوهية لله جل وعلا وحده. وقوله رحمه الله: «لا إله نافيا جميع ما يعبد من دون الله»، يقول أهل اللغة: أن «لا» ها هنا نافية أهل الجنس. لا ها هنا نافية أهل الجنس، فيتشمل نفي الإلهية عن كل إله إلا الله سبحانه وتعالى المستثنى. فصار معنى الكلمة: نفي الألوهية عن جميع ما يعبد من دون الله، وإثبات الألوهية لله جل وعلا وحده. وهذا هو قوله: «لا إله نافيا جميع ما يعبد من دون الله، إلا الله مثبتا العبادة لله وحده لا شريك له في عبادته، كما أنه لا شريك له في ملكه». وذلك كما تقدم: أن معنى الإله مأخوذ من الألوهية، وهو العبودية. فالإله هو المعبود المطاع. فمعنى لا إله: إله فعال، كما يقول أهل اللغة: بمعنى مفعول، مثل كتاب بمعنى مكتوب. هذه أوزان في لغة العرب صرفية، أي في علم الصرف، يعرف بها اشتقاق الكلمة. وهذا مهم لنعرف معنى الكلمة. وهذه الأوزان أحيانا تتضمن معاني لأوزان أخرى، مثل فعال تتضمن معنى مفعول. فكتاب يتضمن معنى مكتوب. وهكذا كذلك كساء يتضمن معنى مكسوب. وهكذا يقال هنا: إله يتضمن معنى مألوف. والمعنى أننا توصلنا بهذا إلى أن معنى لا إله: أي لا مألوف، أي لا معبود. وهذا هو المقصود: أن الكلمة تفسر بنفي العبودية عما سوى الله، وإثباتها لله جل وعلا وحده. وهو يتضمن كذلك كما تقدم: يتضمن إثبات معنى الربوبية لله عز وجل وحده. فنقف هذا اليوم إلى هنا، ونترك الباقي إن شاء الله إلى درس لاحق.