الدرس في شرح الأصول الثلاثة 22، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
مرتبة الإحسان هي أعلى مراتب الدين وهي أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. يستدل على ذلك بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.
حديث جبريل عليه السلام يبين مراتب الدين الثلاثة: الإسلام والإيمان والإحسان، ويشير إلى علامات الساعة. النبي صلى الله عليه وسلم علّم أصحابه هذه المراتب وأهميتها.
من فوائد حديث جبريل بيان مراتب الدين وأساليب أخذ العلم وأدب المتعلم مع العالم. كما يشير إلى أهمية الزي في التأثير على الشخص.
النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أصحابه بعظم العلم الذي جاء به جبريل عليه السلام ليجعلهم يعتنون بهذا العلم. يشدد على أهمية هذا العلم النبوي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فبين أيدينا رسالة ثلاثة الأصول التي سبق أن قرأنا فيها، ونكمل إن شاء الله من حيث وقفنا. وكان آخر ما وقفنا عليه هو ما ذكره المؤلف رحمه الله في المرتبة الثالثة، مرتبة الإحسان. وقرأنا أول ما ذكره رحمه الله في هذه المرتبة، ونكمل إن شاء الله ما يتبع ذلك مما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى. قال المؤلف رحمه الله تعالى: المرتبة الثالثة الإحسان، ركنٌ واحدٌ، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾، وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. وتقدم معنا شرح ذلك. قال رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾. وهذه الآية الثالثة أو الدليل الثالث من القرآن على هذه المرتبة، مرتبة الإحسان. ووجه الشاهد منها أن فيها معنى المراقبة. قال رحمه الله تعالى: والدليل من السنة حديث جبرائيل المشهور عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم، اطلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرف منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفّيه على فخذيه، فقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام. فقال: «أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا». فقال: صدقت. فعجبنا له يسأله ويصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر خيره وشره». قال: صدقت. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». قال: فأخبرني عن الساعة. قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل». قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان». قال: فمضى. فلبثنا مليًا. ثم قال: «يا عمر، أتدري من السائل؟». قلت: الله ورس، ورسوله أعلم». قال: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم». قال المؤلف رحمه الله تعالى: أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الحديث ليستدل به على هذه المراتب الثلاثة التي ذكرها من مراتب الدين. قال رحمه الله تعالى: ومن السنة السنة هي كل ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله وتقريره. وهذا حديث من أقواله عليه الصلاة والسلام مما يرويه الصحابة فيما جاء عنه عليه الصلاة والسلام مع جبريل. قال رحمه الله تعالى: وفيه فوائد عدة ومسائل كثيرة نذكر أهمها على وجه الاختصار. أولًا: الشاهد من هذا الحديث بالنسبة للمؤلف رحمه الله تعالى أن الحديث ذكر مراتب الدين الثلاثة: الإسلام، والإيمان، والإحسان. قال رحمه الله تعالى: وثانيًا: أن هذا الحديث فيه دليل على أوجه أخذ العلم وإعطائه. فالعلم يكون من الأعلى للأدنى، ومن الأدنى للأعلى. وكل ذلك موجود في هذا الحديث. قال رحمه الله تعالى: وفيه كذلك من المسائل التعليم بأسلوب الحوار. فإنه أسلوب من أساليب التعليم. فلا بأس أن يعلم العلم بعدة وسائل يقصد منها إيصال هذا العلم. قال رحمه الله تعالى: وفيه كذلك من المسائل أدب المتعلم مع العالم. فمن ذلك التفاف الصحابة حول النبي صلى الله عليه وسلم أخذهم للعلم منه. وهكذا ينبغي أن يكون طلاب العلم مع العالم ملتفون حوله يستفيدون من علمه. قال رحمه الله تعالى: وهكذا كذلك مجيء جبريل عليه الصلاة والسلام في صورة السائل هو معنى آخر من معاني أخذ العلم. فجاء في هيئة رجل غريب. وهذا معناه أنه يعلم الصحابة أن من وسائل أخذ العلم الرحلة في سؤال أهل العلم. قال رحمه الله تعالى: وفيه كذلك هيئة طالب العلم. فأتى جبريل عليه الصلاة والسلام في هيئة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر. قال بعض أهل العلم في شرح هذا الحديث: فيه إشارة إلى أن طالب العلم وحامل العلم ينبغي أن يكون متحليًا بهذه الصفة. فصفة طالب العلم لبس البياض. قال رحمه الله تعالى: وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مواضع من كتبه أثر الزي على الشخص. وقال: وإنك تجد أن من لبس لباس العسكرية يجد في نفسه من أخلاق هؤلاء وميل الميل إلى طباعهم ما يدفعه إلى ذلك التزي بزيهم. وهكذا كذلك قل في سائر الألبسة. قال رحمه الله تعالى: ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل أن يلبس لبسة المرأة، والمرأة أن تلبس لبسة الرجل. بل صح عنه عليه الصلاة والسلام أنه لعن الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل. قال رحمه الله تعالى: فلذلك ينبغي أن يحرص طالب العلم أن يلبس لبسة طالب العلم؛ لأنها تؤثر عليه في هيئته وأخلاقه. ولأنها كذلك تحث غيره على ما يدل عليه هذا الزي. قال رحمه الله تعالى: وكان مشايخنا يشددون في قضية أن يلبس طالب العلم لباسًا يليق بطالب العلم. وكان شيخنا مقبل رحمه الله يغضب إذا رأى بعض إخواننا من أهل عدن وحضرموت يلبسون الإزار والرداء، ويقول: يا أهل عدن وحضرموت، أكرموا العلم بالثوب. أكرموا العلم بالثوب. قال رحمه الله تعالى: وهكذا كذلك من صفات طالب العلم في هذا الحديث أنه جلس جلسة الطالب الراغب في العلم. فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه. إشارة إلى التواضع والرغبة في تحصيل العلم. قال رحمه الله تعالى: وهكذا ينبغي لطالب العلم أن يقترب من شيخه حسًا ومعنًى ليستفيد من العلم. وهذا هو الواقع. الطالب إذا اقترب من شيخه أخذ العلم على وجه أوفر. وإذا ابتعد من شيخه فاته من العلم بقدر ما؟ بقدر بعده. قال رحمه الله تعالى: وكلما اقترب أكثر استفاد أكثر. إذن على الطالب أن يصبر نفسه في ملازمة شيخه. ولذلك نجد أنبغ العلماء كانوا من أكثر الناس ملازمة لمعلميهم. قال رحمه الله تعالى: وذكر في هذا الحديث مراتب هذا الدين الثلاثة. أولها الإسلام، وذكر أركانه. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «صدقت». قال: فعجبنا له يسأله ويصدقه. وفي هذا دليل على جواز السؤال للتقرير. قال رحمه الله تعالى: فلا بأس أن يكون من أساليب التعليم السؤال للتقرير. وكان يسأل الشيخ مثلا سؤالًا، ثم يجيب الطالب فيقره على سؤاله. أصاب، صدقت، أحسنت، ونحو ذلك. قال رحمه الله تعالى: ثم سأله فقال: فأخبرني عن الإحسان. وأخبره بالركن الوحيد للإحسان، وهو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. وهي المراقبة. قال رحمه الله تعالى: ثم قال: فأخبرني عن الساعة. قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل». وفي هذا إشارة لو أن الصحابة تدبروا وتأملوا في هذا أن هناك معرفة بين السائل والمسؤول. قال رحمه الله تعالى: وقوله: قال: فأخبرني عن أماراتها. أماراتها يعني علاماتها. كما تقدم. ومعناه أن وقتها غير معلوم، لكن جعل الله عز وجل لها علامات وأمارات تقدمها. قال رحمه الله تعالى: ومن هذه العلامات والأمارات ويتنقسم إلى ثلاثة أقسام: صغرى، ووسطى، وكبرى. فمن هذه العلامات أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. قال رحمه الله تعالى: ذكر علامتين اثنتين. وهاتان العلامتان من العلامات الوسطى. يعني أنه ذكر هذه العلامات بما يغني عن غيرها من العلامات. ومعناه إذا رأيت هذه العلامات فهذا علامة قرب الساعة. قال رحمه الله تعالى: ومعنى أن تلد الأمة ربتها اختلف أهل العلم في تفسير هذه الجملة. منهم من قال: معناه أنه يكثر أمهات الأولاد فيحصل أن الأمة تلد ربتها؛ لأن ربتها تكون حرة. ومنهم من قال: يكثر العقوق فتصير البنت بمنزلة الأم في تسلطها وتحكمها بحال أمها. وكلا الأمرين صحيح. قال رحمه الله تعالى: ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عمر، أتدري من السائل؟». قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم». وتقدم وجهه، وأنه عليه الصلاة والسلام علم بذلك وأخبرهم بهذا ليخبرهم بعظم العلم الذي جاء به جبريل عليه الصلاة والسلام حين سأله عن هذه الأسئلة لأجل أن يعتني الصحابة رضي الله عنهم وارضاهم بهذا. والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.