الدرس في القواعد والأصول الجامعة 31، الدرس الحادي والثلاثون : فيه من قوله ( القاعدة العاشرة:البينة على المدعي واليمين ... والله أعلم ويقارب هذا الأصل الذي بعده وهو ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تنص القاعدة العاشرة على أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، وهي قاعدة متفق عليها إجمالا. استدل عليها بأدلة عامة وخاصة منها حديث نبوي.
البينة تلعب دورا حاسما في إثبات الحقوق وإزالة الشبهات، وتختلف باختلاف المشهود عليه. اليمين يستخدم في نفي الدعوى عند عدم وجود بينة.
يقع عبء الإثبات على المدعي في قضايا الدين والميراث والوقف. إذا لم تكن هناك بينة، قد يطلب من المدعى عليه أداء اليمين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر بن مسعدي، رحمه الله تعالى: القاعدة العاشرة: «قال البينة على المدعي واليمين على من أنكر في جميع الدعاوى والحقوق وغيرها». وهذه القاعدة هي من القواعد الفرعية، وليست من القواعد الكلية، ولكنه، رحمه الله تعالى، ذكرها في هذا الموضع لمناسبة الرجوع إلى العرف والعادة؛ لأن البينة تعرف حسب عرف الناس، وربما تكون البينة كتابة، شيئًا مكتوبًا، وربما تكون البينة شهودًا. وهكذا تختلف البينة بحسب العرف، كما سيأتي إن شاء الله في تفاصيل وفروع هذه القاعدة. ودليل هذه القاعدة أدلة كثيرة، ومن أدلتها أولًا عموم الأدلة الدالة أن الأصل براءة الذمة، أن الأصل براءة الذمة، وهي سبقت في القواعد السابقة، وهكذا أن الأصل في الحقوق العدم، وهي من ضمن القاعدة الكلية: «الشك لا يزيل اليقين»، الشك لا يزيل اليقين. ومن اليقين أن لكل شيء أصل، فالأصل براءة الذمة، والأصل في الحقوق العدم، وكل هذا مما له تعلق بهذا المعنى: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر». وله دليل خاص، وسيشير إليه المؤلف، رحمه الله. قال، رحمه الله تعالى: «وقد أجمع أهل العلم على هذا الأصل العظيم في الجملة». ومعنى «في الجملة» أن القاعدة والأصل بالجملة أجمع العلماء عليه، وخرج على الجملة تفاصيل فيها خلاف، سيأتي إن شاء الله الإشارة إليها. قال: «قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: البينة على المدعي واليمين على من أنكر، رواه البيهقي، وأصله في الصحيحين». أصل الحديث في الصحيحين؛ يعني حديث ابن عباس في «البينة على المدعي» أصله في الصحيحين، لكن بغير هذا اللفظ. وقد جاءت ألفاظ وله كذلك معانٍ وقصص كثيرة تدل على هذا المعنى. فمنه، مثلًا، ما جاء في البخاري في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «البينة وإلا حد في ظهره»، بقصة الملاعنة. فمثل هذا يدل على هذه القاعدة: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر». قال: «وهذا الأصل يحتاجه القاضي والمفتي وكل أحد لشدة الحاجة إليه». وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ أن فصل الخطاب هو أن «البينة على المدعي واليمين على من أنكر». وهذا الذي يقول كما ذكره بصيغة التمريض والتضعيف؛ لأنه شيء لا دليل عليه، لكنه قول بعض أهل العلم، قول بعض أهل العلم. وإلا فصل الخطاب أوسع من أن يحصر في «البينة على المدعي واليمين على من أنكر»، لكن فصل الخطاب هو كل ما يكون به الصواب في الحكم، كل ما يكون به الصواب في الحكم. ومن ذلك عدم الاستعجال في السماع من الخصمين، وكذلك الإنصاف في السماع من الخصمين، لا الاستماع من طرف واحد، ونحو ذلك مما يكون به الصواب في الحكم. فمثلًا منه: «لا يقضي القاضي وهو غضبان»، يقاس عليه: لا يقضي وهو مشغول، لا يقضي وهو حاقن أو حازق أو حاقة، أو غير ذلك مما فيه معنى أو مظنة الاستعجال في الحكم. قال، رحمه الله: «لأن به تنفصل الشبهات وتنحل القصومات»، ولا شك أن ذلك داخل في فصل الخطاب؛ يعني ما في شك أن هذا من فصل الخطاب، لكن كما قلنا: أن بعض أهل العلم يفسر التفسير ببعض المعنى، وليس هذا حصرًا للتفسير، ولكنه ذكر لبعض المعنى الذي يقرب بهذا المعنى. قال: «لأنه الفصل بين الحق والباطل في الديانات والأموال والحقوق». فهذا فصل الخطاب هو الصواب في الحكم، سواء الحكم في شيء ديني أو في أشياء تتعلق بأموال أو حقوق أخرى، ليس أشياء دينية ولا أموال، وإنما حقوق أخرى؛ كحقوق زوجة وعشرة، أو غير ذلك من الحقوق الأخرى. قال: «فكل من ادعى عينًا عند غيره أو دينًا على غيره أو حقًا من الحقوق، فعليه البينة». فكل من ادعى شيئًا، سواء كان هذا الشيء عينًا؛ يعني مثلًا متاع أو نحو ذلك، أو دينًا مال، أو حقًا من الحقوق؛ نفقة أو مبيت أو غير ذلك. قال: «فعليه البينة، ويكل ما أبان الحق». ويختلف نصابها وحالها باختلاف المشهود عليه؛ يعني باختلاف الشيء الذي يشهد عليه. فمثلًا بعض البينات شهود، وهؤلاء الشهود يختلفون؛ فمثلًا شهود الزنا أربعة، وشهود السرقة أقل من ذلك، وشهود الأمور الخاصة بالنساء ربما تكفي امرأة واحدة. وما هو الذي دل على ذلك الدليل الدليل الشرعي. الدليل الشرعي كما سيأتي إن شاء الله: أن الشهود يختلفون. فهذا قوله: «ويختلف نصابها وحالها باختلاف المشهود عليه». فلما كان المشهود عليه الدماء، وكان فيه الحدود؛ مثل حد الزنا الذي يكون به الرجم أو الجلد، اشترط فيه أربعة شهداء. ولما كان الأمر أقل من ذلك في السرقة، اكتفي فيه بشاهدين. ولما كان الأمر أقل من ذلك في الرضاع، اكتفي فيه بشاهد واحد، ولو كان الشاهد امرأة. وهذا له أدل وفاصيل تذكر في كتب الفقه في كتاب الحدود والجنايات والرضاع ونحوها، وسيأتي إن شاء الله التمثيل من المؤلف، رحمه الله. قال، رحمه الله: «ويختلف نصابها وحالها باختلاف المشهود عليه، فإن لم يأتِ ببينة تشهد بصحة دعواه، فعلى الآخر اليمين التي تنفي ما ادعاه المدعي». وهذا كما قلنا دل عليه الدليل، الدليل في حديث ابن عباس. وسيأتي إن شاء الله أن اليمين هذه تنتقل بين من عليه البينة وبين من عليه اليمين. فإذا لم تكن بينة، ولم يحلف الذي اتهم، فترد اليمين على من عليه البينة إذا استطاع أن يحلف على يمينه. ويدل عليه قصة القسامة، القسامة التي وقعت في المدينة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. أصلها كان في فعل الجاهلية، ولكن لما وقعت في زمن النبي عليه الصلاة والسلام في رجل من الأنصار قتل في أرض اليهود، فاتهم هؤلاء اليهود. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «البينة». قالوا: ليس عندنا بينة. قال: «إذن تحلفكم يهود أو تحلفون وتأخذون دم صاحبكم». فقالوا: كيف يحلف من كفر بالله؛ يعني اليهود قالوا. قالوا: تحلفون. قالوا: كيف نحلف ونحن لم نشهد ولم نرَ؟ فلما امتنعوا من هذا وذاك، وداه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من نفسه؛ يعني يعطيهم الدية من عنده، عليه الصلاة والسلام. والحديث في صحيح مسلم. فدل هذا على أن اليمين ترد على من عليه البينة إذا حصل التنازل من الأول أو من من عليه اليمين. قال: «وكذلك إذا ثبت الحق بدمة إنسان، ثم ادعى أنه فرج منه بقضاء أو إبراء أو غيرهما، فالأصل بقاؤه». فإن جاء بينة تشهد بدعواه، وإلا حلف صاحب الحق أن حقه باقٍ ولم يستوفِ، وحكم له به. فإذا اختلف مثلًا اثنان؛ أحدهما عليه دين، والآخر مدعي عدم السداد، فالذي عليه الدين اعترف أن عليه دين، لكن ادعى أنه قد سدد الدين. فهنا على من نقول البينة؟ الأصل بقاء الدين؛ لأنه اعترف بثبوت الدين. بقي الآن هو ادعى السداد، وذاك ادعى عدم السداد. نقول للذي ادعى السداد: البينة، البينة أنك سددت هذا الدين؛ إما مكتوب أو شهود أو استلام أو غير ذلك مما تكون به بينة بحسب العرف. فإن لم يكن شيء من ذلك، فيقال للرجل الذي ادعى أن الآخر لم يسدد: تحلف يمين وتستحق المال. فإذا لم يحلف، فإنه لا يستحق حتى يحلف. «البينة على المدعي واليمين على من أنكر». قال: «وكذلك من ادعى استحقاقًا بوقف أو ميراث، فعليه إقامة البينة التي تثبت السبب الذي يستحق به ذلك، وإلا لم يثبت له شيء». وهذا مثلًا ثاني وفرع من فروع هذه المسألة. لو ادعى رجل استحقاقًا في وقف أو ميراث؛ في وقف مثلًا، أوقف بيت معين على آل فلان من الناس، فجاء الرجل وقال: أنا استحق أن أسكن في هذا البيت أو هذا الوقف؛ كان لطلبة العلم أو كان للأيتام. إذن نطالب هذا الذي يدعي الاستحقاق بماذا؟ بالبينة. هات البينة أنك من أهل هذه القبيلة؛ لأن الوقف موقوف عليها. أو كان الوقف لطلبة العلم، هات البينة أنك من طلبة العلم حتى تستحق السكنى في هذا المكان. أو كان من الأيتام، وكان الوقف على الأيتام، هات البينة أنك من الأيتام حتى تستحق هذا الأمر. وأراد المؤلف، رحمه الله، أن يمثل بهذا بمثال عام في حق عام أو حق خاص. نذهب إلى الحق الخاص: الميراث. ادعى رجل أنه له شيء في هذه التركة. كيف ادعيت؟ إن كان لك سبب، هذا السبب الذي به تثبت أن لك شيء في هذا البيت في هذه التركة؛ كأن يكون مثلًا له علاقة نسب أو له كذلك علاقة أخرى؛ سبب من أسباب الإرث. وأسباب الإرث ثلاثة: من يذكرها؟ هاه، الذين يدرسون المواريث. هاه، ملك وولاء ونسب. نعم، ملك وولاء ونسب. فإذا لم يكن ملك ولا ولاء ولا نسب، يقال: بماذا تستحق من هذه التركة؟ هل عندك وصية من الميت؟ فإن ادعى أنه له وصية، أُعطي بما كان من شروط الوصية. على حسب ما هو من شروط الوصية شرعًا. طيب. قال: «وإن لم يثبت له شيء». يعني إذا لم يأتِ بما يثبت ذلك، فليس له شيء. طيب. قال: «فإن كان المال بيد من لا يدعيه لنفسه؛ كاللقطة والأموال التي غاب أصحابها، فبينة المدعي أن يصفه بصفاته المعتبرة». إذن البينة تختلف من شيء لآخر. ادعى رجل أن هذه اللقطة له، نقول له: البينة. إيش البينة؟ هل شهود؟ نقول: لا، ما نحتاج شهود. نريد وصفًا فقط لهذه اللقطة. فإن وصفتها بصفاتها الحقيقية، فهي لك. كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن يحفظ ويعرف وعاءها ووكاءها؛ يعني الوعاء الذي تحفظ به، والرباط الذي تربط به. فكانت الأموال في ذلك الزمان تحفظ في أشياء؛ يعني مثل الخرقة الصغيرة، وتربط بذلك. فيحفظ الوعاء الذي يحفظ به المال، والوكاء. قال: «وجميع الدعاوى مضطرة إلى هذا الأصل». يعني كل دعوى مضطرة إلى هذا الأصل. فلو ادعى رجل أن فلانًا ابنه من الرضاع، فنقول له: البينة. هات البينة أن فلانًا ابنك من الرضاع. فإن أتى بالبينة؛ لأن الرجل لا يرضع، لكن المرأة ترضع. فإن شهدت المرأة بذلك، فقبلت هذه الدعوة؛ كما في حديث عقبة، رضي الله عنه، في الرضاعة. فإن امرأة سوداء ادعت أنها أرضعته ومرأته، فأتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسأله. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «كيف هو؟ قد قيل». قال: والله أعلم. ويقارب هذا الأصل الذي بعده. طيب. ونفصل هذا إن شاء الله إلى الدرس اللاحق، إن شاء الله إلى الدرس اللاحق.