شرح الأصول الثلاثة  12

شرح الأصول الثلاثة 12

الدرس في شرح الأصول الثلاثة 12، الدرس الثاني عشر : (25صفر1432هـ) (الأصل الثاني ...والإنقياد له بالطاعة). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تعريف دين الإسلام ومراتبه

دين الإسلام هو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله، وله ثلاث مراتب: الإسلام، الإيمان، والإحسان. الإسلام يطلق على دين الأنبياء جميعا ودين محمد صلى الله عليه وسلم الذي نسخ الأديان الأخرى.

أهمية التوحيد وتحقيق الانقياد

التوحيد هو إفراد الله في عبادته ويتطلب اليقين المنافي للشك، ويتحقق بالعلم والعمل. الانقياد لله ولرسوله يعني الطاعة المطلقة لأوامر الله ورسوله، مع البراءة من الشرك وأهله.

شروط قبول العبادة وتحقيق كلمة التوحيد

لا تقبل العبادة إلا بتحقق الإخلاص والبراءة من الشرك وطاعة الله ورسوله. الإخلاص والمتابعة هما الشرطان الأساسيان لقبول العبادة عند الله، ويتطلبان البراءة من الشرك وأهله.

  • 21 جمادى الآخرة 1432هـ - 24/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «ثلاثة أصول»: «الأصل الثاني معرفة دين الإسلام بالأدلة، وهو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، وهو ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان، وكل مرتبة لها أركان». قوله، رحمه الله: «الأصل الثاني» أي من الأصول الثلاثة، أو ثلاثة أصول على ما تقدم وسبقت الإشارة إليه في أول الكتاب، فالأصل الثاني مما يجب على المسلم معرفته، ولا يجوز الجهل به. معرفة دين الإسلام بالأدلة، ثم عرف رحمه الله هذا الأصل، وهو دين الإسلام ما هو. وينبغي أن نعلم أولا أن المؤلف، رحمه الله تعالى، قد سبق وأن ذكر لنا ما يتعلق بالأصل الأول، وبين تفاصيل كثيرة، وهي كما تقدم ليست استيعابا لكل مباحث الأصل الأول وما يتعلق به من مسائل، ولكنه نبه على الأهم، بما يكون فيه الإشارة إلى غيره. وكذلك يقال في هذا الأصل، فهو رحمه الله تعالى ينبه ويشير إلى أهم المسائل المتعلقة بهذا الأصل، الأصل الثاني وهو الإسلام، مشيرا بذلك إلى غيرها من المسائل. والإسلام يطلق باعتبارين: يطلق ويراد به الاستسلام، استسلام العبد لربه بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله، كما ذكر رحمه الله، وهو بهذا الاعتبار والمعنى دين الأنبياء جميعا، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، وكما قال عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ويأتي دين الإسلام، ويراد به هذا الدين الذي بعث به نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وختم الله عز وجل به الأديان، فلا يقبل من الناس أجمعين دينا سواه، فهو الناسخ لجميع الأديان. وفي هذا المعنى قول الله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، فلا يقبل من يهودي ولا نصراني، فضلا عن غيرهما، دينا إلا دين الإسلام بهذا المعنى الثاني. وها هنا تنبيه آخر، وهو أن الإسلام يطلق ويذكر، فيراد به هذا الدين كما تقدم، الذي بعث به نبينا عليه الصلاة والسلام، فتدخل فيه سائر مراتبه التي أشار إليها بقوله: «وهو ثلاث مراتب» أي الإسلام، والإيمان، والإحسان. فإذا أطلق لفظ الإسلام، أريد به دين الله الذي بعث به نبينا عليه الصلاة والسلام، وفيه هذه المراتب الثلاث: الإسلام، والإيمان، والإحسان. وإذا أطلق وذكر معه الإيمان أو الإحسان، فإنه يراد به أعمال الجوارح خاصة، والإيمان أعمال القلوب المؤكدة لصدق تلك الأعمال التي ظهرت في الجوارح. قوله، رحمه الله تعالى: «معرفة دين الإسلام بالأدلة» إشارة منه رحمه الله وتنبيه أنه لا يسوق ولا يقبل في هذا الدين التقليد، فلا يصلح أن يكون المسلم إمعة، بل لابد أن يدخل في هذا الدين عن عقيدة وعلم يصل به إلى اليقين. ولهذا كان من شروط التوحيد وكلمته اليقين المنافي للشك، وهذا لا يحصل للمقلد، وإنما يحصل لمن عنده علم بما دخل فيه. وقد جاءت الأدلة الكثيرة تدل على هذا المعنى، قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾. و«صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم وغيره أن العبد إذا أدخل إلى قبره جاءه ملكان فيسألانه عن ربه وعن دينه وعن نبيه، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في هذا المنزل الذي هو من أول منازل الآخرة، كما كان ثابتا في الدنيا». ومن أعظم أسباب الثبات في هذا السؤال أو هذه الأسئلة تحقق هذه المعرفة بهذا الدين بالحجج والبراهين، وهي الأدلة. وهكذا كذلك العمل به، فليست المسألة مسألة معلومات، ولكن المسألة مسألة علم يصل بصاحبه إلى اليقين المنافي للشك. ومن تمام اليقين تحقيق هذا العلم بماذا؟ بالعمل. وقوله، رحمه الله: «وهو الاستسلام لله بالتوحيد» معنى الاستسلام أي الخضوع والذل مع المحبة والتعظيم، وهذا هو معنى العبادة، كما قال ابن القيم رحمه الله في تعريف العبادة: «عبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده، هما قطبان بالأمر قال الله، قال رسوله، لا بالهوى والنفس والشيطان». فعلم بهذا أن الاستسلام هو غاية الذل والخضوع مع المحبة والتعظيم. وقوله: «لله بالتوحيد» أي هذا الاستسلام لله جل وعلا وحده، كما أنه جل وعلا المتفرد بصفات الكمال ونعوث الجلال وسائر أفعاله جل وعلا من خلق وتدبير ورزق وغيره، فكذلك يجب أن يفرد جل وعلا في عبادته بتوحيده. ومن تمام الاستسلام عدم المنازعة، لا منازعة حسية ولا منازعة معنوية، وهذا هو اليقين المنافي للشك، كما قال جل وعلا: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾. من تمام الاستسلام أن يكون هناك مسالمة وانقياد تام، لا يكون معه حرج القلب والنفس، فضلا عن تأخر استجابة الجوارح. وقوله، رحمه الله: «بالتوحيد» أي بإفراده جل وعلا في أنواع العبادة، كما تقدم من خوف وتوكل، ورجاء وذبح ونذر وغير ذلك من العبادات التي مرت معنا. ثم قال، رحمه الله: «والانقياد له بالطاعة» أي من دين الإسلام، ومعناه أن ننقاد لله جل وعلا بالطاعة، وهكذا كذلك لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم. فالانقياد لله بالطاعة هذا هو الذي جاءت به جميع الرسل بالمعنى العام، دين الإسلام بالمعنى العام. ولكن المراد هنا قلنا بالطاعة لله عز وجل، هذا الذي جاءت به الرسل، فهو من معنى الإسلام بالمعنى العام. وأما الإسلام الذي بعث به نبينا عليه الصلاة والسلام، فهو تخصيص ذلك بالطاعة لله جل وعلا، وكذلك لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به. فإن مما جاء به نسخ ما سبق من رسالات الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، فنحن نؤمن بهم جميعا عليهم الصلاة والسلام، وبما جاء به من الحق من الله جل وعلا، ولكننا نعلم أن ما بعث به نبينا عليه الصلاة والسلام نسخ ذلك كله. فنحن ننقاد لهذا الدين بالطاعة لله ولرسوله عليه الصلاة والسلام محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك بفعل المأمورات وترك المنهيات، ابتغاء وجه الله، ورغبة في ثواب الله وفضله، وخوفا من غضبه وعقابه. وطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم طاعة مطلقة، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. وما أمر الله عز وجل به من طاعة من أمر بطاعته كأولي الأمر أو الوالدين أو نحوهما، فهي طاعة مقيدة بموافقة طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، فأولي الأمر لم يذكر فيه واو العطف في الطاعة، ما قال: «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر»، إنما عطف أولي الأمر على ما قبله. قال أهل العلم، ونبه على ذلك الإمام ابن القيم رحمه الله، أن ذلك لأن طاعة الله وطاعة رسوله عليه الصلاة والسلام طاعة مطلقة، فإذا جاء الأمر من الله أو من رسوله عليه الصلاة والسلام، فإن ذلك يقتضي الاستجابة مباشرة، بخلاف طاعة أولي الأمر ومن أمر الله بطاعته، فهي موقوفة على موافقة طاعة الله ورسوله وعدم مخالفة ذلك. فإن كانت مخالفة لطاعة الله ورسوله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهذا أمر عظيم في مسألة الطاعة في هذا الدين. وقوله: «والبراءة من الشرك وأهله» المراد بالبراءة تأكيد تحقيق كلمة التوحيد، فإنها نفي وإثبات، نفي وإثبات، فلابد أن يتبرأ من الشرك كما يثبت لله عز وجل التوحيد، لا إله إلا الله، فيثبت لله عز وجل المعنى الألوهية، وينفيها عما سوى الله، يثبت لله عز وجل وحدها العبادة، وينفيها عما سواه. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «قال الله عز وجل: من أشرك معي فيه غيري تركته وشركه، أنا أغنى الشركاء عن الشرك». فلا تقبل العبادة إلا بتحقق الإخلاص، والذي منه البراءة من الشرك، وتحقق المتابعة، الذي هو طاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم.