الدرس في شرح الأصول الثلاثة 2، الدرس الثاني : (10 جمادى الأول 1431هـ) (الثانية العمل به ... الرابعة الصبر على الأذى فيه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الدرس أهمية العمل بالعلم في الإسلام، حيث يعتبر ثمرة العلم، ويحذر من عواقب عدم العمل به. يشدد على شمولية العمل في جميع جوانب الإسلام.
الدعوة إلى الله واجبة على كل مسلم بقدر استطاعته، وهي من خصائص هذه الأمة. الدلائل من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية تؤكد أهميتها في تحقيق الإيمان.
يتناول الدرس مراتب العلم والدعوة إلى الله، ويشدد على أهمية العلم قبل الدعوة، وأهمية الصبر على الأذى في سبيل العلم والعمل والدعوة.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. متابعة وتتمة لما سبق في درسنا السابق، وكنا قد أخذنا في الدرس الأول مقدمة هذا الكتاب العظيم، أو شيئًا من مقدمة هذا الكتاب العظيم المسمى بالأصول الثلاثة أو ثلاثة أصول. وأخذنا فيما سبق أول المسائل الأربع التي ذكرها المؤلف رحمه الله، مما يجب أن يتعلمه المسلم، ألا وهي العلم. ثم قال رحمه الله تعالى: الثانية العمل به. ومعناه أن مما يجب أن يتعلمه المسلم كذلك أمر العمل بهذا العلم، فالعمل بالعلم هو ثمرة هذا العلم، كما قال العلماء: العلم شجرة والعمل ثمرة. فمن علم دين الإسلام وجب عليه أن يعمل به. وكما لا يخفى على الكثير منا ما جاء من الوعيد الشديد في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام فيمن لا يعمل بالعلم. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾. وهل كذلك غضب الله وصَختُه وعذابه ولعنته لمن ظل من أهل الكتاب إلا بسبب عدم عملهم بالعلم ما علمهم به. وفي حديث النبي عليه الصلاة والسلام، حديث أبي هريرة المشهور، بما رواه أحمد وإسناده حسن، ذكر نبينا عليه الصلاة والسلام الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار، وفيهم عالم لم يعمل بعلمه. حتى قال الشاعر: «عالم بعلمه لم يعمل، معذب من قبل عباد الوثن». ومعناه أن الأحاديث جاءت بتقديم عذاب من لم يعمل بعلمه، ولم يذكر فيها تقديم المشرك، وهذا يدل على الوعيد الشديد الذي توعد به من لم يعمل بالعلم. ومراده من التنبيه على هذا المعنى أن الكثير من الناس يعلم دين الإسلام، ولكنه لا يعمل به. والمقصود بالعمل به شمولية العمل فيما يتناول العقيدة والعبادة والمعاملة والمنهج والسلوك والأخلاق وغير ذلك. كما قال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ أي: أدخلوا في هذا الإسلام من جميع جوانبه. وقال ربنا جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ أي: ولا يدرككم الموت إلا وأنتم آخذون بهذا الإسلام من جميع جوانبه، قد حققتم هذا الإسلام التحقيق الصحيح بالعمل به. وإذا عمل أهل الإسلام بالإسلام نالوا خير الدنيا والآخرة. قال الله عز وجل: ﴿مَن عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. وكما ذكر بعض أهل العلم: إذا قرنا الإيمان بالعمل الصالح، صار الإيمان معنى يتناول في داخله العلم والعمل الصالح. معنى يتناول في داخله العمل بهذا العلم. فالعمل بالعلم سبب للحياة الطيبة في الدنيا وفي الآخرة، والعكس بالعكس، عدم العمل بالعلم سبب لعذاب الله وصَخته في الدنيا، وهكذا كذلك في الآخرة. ثم قال رحمه الله: الثالثة الدعوة إليه. أي: المسألة الثالثة التي يجب علينا تعلمها هو أمر الدعوة إلى هذا العلم. والدعوة إلى هذا العلم وإلى هذا العمل، ليس مهمة خاصة بالأنبياء والعلماء، بل كل واحد من أفراد أهل هذا الدين يتعلق عليه أو به نصيب من هذا الواجب، بقدر ما عنده من العلم والعمل. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «بلغوا عني ولو آية». فكل من وفق للعلم بهذا الدين، ووفقه الله للعمل به، وجب عليه الاجتهاد بقدر استطاعته في الدعوة إلى هذا العلم والعمل. وهذا من خصائص هذه الأمة. قال الله عز وجل: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعد من الدعوة إلى الله، فخيرية هذه الأمة بالقيام بهذا الواجب العظيم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيح في صحيح مسلم وغيره، من حديث أبي سعيد: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». وهذا يدل على أنه يجب على كل مسلم ومسلمة، بحسب استطاعته، أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، على هذه المراتب الثلاث. وقال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾. قال العلماء: في هذه الآية دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمثابة أركان الإسلام التي تجب على أهله. ولهذا قال بعضهم: هو الركن السادس من أركان الإسلام، بما ذكر في هذه الآية وما كان بمعناه من أدلة الكتاب والسنة. فتحقيق الإيمان بتحقيق هذا المعنى الثالث، والواجب الثالث، والمسألة الثالثة التي ذكرها المؤلف رحمه الله، ألا وهي الدعوة إلى الله، وهي وظيفة الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام. ولما كان نبينا عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء والمرسلين، كان كل فرد من هذه الأمة يتعلق به نصيب من هذا الواجب بقدر استطاعته. فكأن كل فرد من أفراد هذه الأمة نبي ورسول يبلغ ما أمر بتبليغه نبيه ورسوله. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما مات نبي خلفه آخر، وأما هذه الأمة فليس بعد نبينا عليه الصلاة والسلام نبي، ولكن العلماء هم ورثة الأنبياء». كما جاء في حديث أبي الدرداء وغيره: «ألا إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، ولكن ورثوا العلم، فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر». وبهذا استدل العلماء على أن من أخذ شيئًا من تركة النبي عليه الصلاة والسلام وجب عليه تبليغه، قليله وكثيره، بحسب ما علم. كما قال: «بلغوا عني ولو آية». وهذا من أشرف الأعمال وأحسنها وأفضلها. كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. والتقديم بهذه الأصول الثلاثة اهتمام بما يجب على أهل هذا الدين تجاه دينهم، فليست المسألة مسألة عواطف، ولا المسألة مسألة ادعاء باللسان، ثم لا يحقق ما أوجب الله عز وجل في أمر هذا الدين من العمل به والدعوة إليه والنصرة والولاء والبراء وغير ذلك مما أمر به أهل هذا الدين العظيم. وذكر العلماء أن للعلم مراتب، ومن أعلى مراتب العلم الدعوة إلى هذا العلم. ومن الدعوة إلى هذا العلم بيان ما يجب، والتحذير مما لا يجوز ويحرم، لأن هذا الدين نفي وإثبات، نفي لما لا يجوز في حق الله وحق عبادته وشرعه ودينه، وما يجب في حقه وفيما أمر به في شرعه ودينه. وأعظم ذلك التوحيد، وأعظم منهي عنه الشرك. وهكذا تدرج في منازل الأصول والتوابط في هذا الدين أمرًا أمرًا، وواجبًا واجبًا، حتى تستوعب كل ما جاء في دين الله عز وجل، حتى الوسائل والذرائع يبتدأ فيها بالأهم ثم المهم، تبعًا لما جاء من الأمر والنهي في هذا الباب. وهنا يناسب أن يذكر أن الدعوة إلى الله لها أركان وشروط وواجبات، بالتفقه فيها يتحقق المقصود الشرعي من هذا الواجب العظيم، وبالجهل بها يحصل الخبط وتكثر المفاسد وتتبعثر الجهود بسبب عدم تحقيق ما يجب في هذا الواجب. ولهذا كان هذا الواجب هو الواجب الثالث بعد العلم والعمل، لأنه لا يصلح أمر الدعوة بغير علم. فمن ليس عنده علم لا يجوز له أن يتصدر للدعوة، دعوة لا تقوم على علم فهي دعوة فاسدة، وضررها وشرها أكثر من خيرها. ولا ينافي ذلك أن الإنسان إذا علم مسألة بلغها، لأنه علمها بموجب العلم الذي أخذه من أهل العلم، وسيؤديها كما سمعها وعلمها بشروطها وضوابطها، وبهذا تؤمن الفتنة. أما أن يتصدر للدعوة عمومًا بهذا الإطلاق والعموم من ليس عنده علم، فهذا هو الخطأ، حتى لا يقع اللبس فيما يجوز وما لا يجوز في هذا الباب. ثم قال رحمه الله: الرابعة الصبر على الأذى فيه. أي: المسألة الرابعة الصبر على الأذى في هذه المراتب الثلاث، في العلم وتحصيله وما يلحق به، والعمل وتحقيقه وما يلحق به، والدعوة إلى العلم والعمل وما يلحق بها. فكل ذلك يحتاج إلى صبر. فالصبر هو السبب الأعظم الذي تتحقق به هذه الخصال الثلاثة. ولهذا قرن ذلك في أسباب النجاة. ولهذا ذكر المؤلف رحمه الله سورة العصر التي سيأتي إن شاء الله الكلام عليها في الدرس اللاحق. وقد ذكرت هذه السورة العظيمة هذه المسائل الأربع. لأن كل من قام بالعلم وحرص عليه وعمل به ودعا إلى العلم والعمل، فقد تحمل بهذا مسؤولية عظيمة وطريقًا شاقًا مليئًا بمعاني المشقة والمعاناة والابتلاء. فلذلك ينبغي أن يوطن المسلم نفسه إذا سار في هذه الطريق على الصبر. لأنه أولًا حين يحصل العلم يسلك طريقًا يخالف شهوات نفسه وأهواءها، ويخالف شهوات الناس وأهواءهم. وهكذا إذا عمل بالعلم صار غريبًا، كما قال عليه الصلاة والسلام: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبا كما بدأ». وأعظم من ذلك إذا دعا إلى العلم والعمل، فإنه يكون بهذا محل امتحان وابتلاء في المجتمع، لأنه يحول بينهم وبين شهواتهم وأهوائهم وعقائدهم الباطلة ومسالكهم الفاسدة. فحينئذ يحصل الابتلاء، فهنا وجب الصبر والاحتساب. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل». بل قال الله عز وجل: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾. نكتفي بهذا القدر هذا اليوم، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق. وإلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرًا.