الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 49، الدرس التاسع والأربعون : (فصل في بيان أمور يفعلها العامة ... وكله الله إلى ما علقه ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتناول الشيخ بيان الأفعال الشركية التي يفعلها العامة مثل تعليق الودع والناب والخرز اعتقادًا في جلب النفع أو دفع الضر، ويوضح أنها تُعتبر من الشرك وتوجب التعلق بالله وحده.
يناقش المقطع تعليق التمائم والحروز والخيوط مثل خيوط سوداء أو أوتار أو أعين الذئاب، ويبين أنها من المعتقدات الجاهلية التي لا تنفع ولا تضر، وإنما الاعتقاد الحقيقي هو التوكل على الله.
يشرح أن استخدام ريش النسور أو مخالبها أو التربة من القبور لأغراض طبية أو وقائية يعتبر من الأمور الجاهلية والشركية، ويذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يحذر من تعليق شيء ما.
يختتم المتحدث الفصل ببيان أن الأفعال المذكورة من أفعال الجاهلية التي لا يجوز للمسلم فعلها، ويشير إلى أن هناك تتمة لهذا الفصل في درس قادم.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. نص في بيان أمور يفعلها العامة، منها ما هو شرك ومنها ما هو قريب منه، وبيان حكم الرقى والتمائم. جعل المؤلف -رحمه الله تعالى- هذا الفصل في بيان بعض الأفعال التي يفعلها العامة، وهي من الشرك، إما الشرك الأكبر أو الشرك الأصغر. وقد مر معنا أن الشرك الأصغر قد فسر بتفسيرين، فمنهم من قال: هو محصور معدود، ومنهم من قال: هو كل وسيلة توقع في الشرك الأكبر. وهذا الثاني هو قول أكثر أهل العلم، وهو الذي تكتضي الأدلة بعموماتها. ولأجل ذلك أورد -رحمه الله تعالى- هذا الفصل بعدما ذكر نوعي الشرك: الأصغر والأكبر، كأنه يقول: ومن تطبيقات الشرك الأصغر والأكبر عند العامة وأفعالهم ما يأتي ذكره في هذه الأبيات وفي هذا الفصل. قال -رحمه الله تعالى-: «ومن يتك بــودعة أو ناب أو حلقة ... أو أعين الذئاب أو خيط أو عضو من النسور أو وتر أو تربة القبور لأي أمر كائن تعلقه ... وكله الله إلى ما علقه» أورد -رحمه الله تعالى- هذه الأبيات الثلاثة في الكلام على ما يعلقه العامة من هذه الأشياء المذكورة. قال: «ومن يتك بودعة أو ناب»، ومعنى «ومن يتك»: يعني يتعلق قلبه به، فيظن أنه يجلب نفعًا أو يدفع ضرًا. والودعة هي ما يكون من البحر من الصدف، وما كان بمعناها. أو ناب، والناب هو نوع من السن المعروف، وخص هؤلاء الناب لاعتقادهم أن الناب يدفع الضر ويخوف به الجن والشياطين، فربما اختاروا ناب كلب أو ناب ذئب أو ناب ضبع أو غيرها من ناب الحيوان المفترس. أو حلقة، والحلقة قد تكون من خيط، وقد تكون كذلك من وتر أو غيره. ومنه ما يفعله بعض العامة من تعليق الخيوط السوداء التي يزعمون أنها تذهب بالآلام، آلامًا متفاوتة. وفي الحقيقة لا تذهب بالآلام، ولكنه اعتقاد يعتقده هؤلاء، فصاروا يتناقلونه، وليس كذلك؛ لأنه لا يشد بل يبقى مرتخيًا، ولا يوجد له سبب، وكذلك ليس شيئًا معروفًا لا بكلام أهل الخبرة من أهل الطب، ولا كذلك بالتجربة مما يدل على أنه ينفع. ومنها تعليق الأوتار، سواء الوتر الذي تعلق عليه تمائم، أو الوتر الذي لا تعلق عليه التمائم. وهذه الأشياء تلحق بالتمائم وما كان بمعناها، كما سيأتي -إن شاء الله- من كلام المؤلف -رحمه الله تعالى-. كذلك أعين الذئاب، والمراد ليس نفس العين، وإنما ربما بعضهم يعلق الرأس كاملًا. والله أعلم: هل يوجد في بعض البلاد أن تجفف الأعين فتوضع؟ وإلا الذي يفعله بعض الناس: أن يجعل الرأس في مدخل البيت، في مدخل البيت. وهذا كذلك من أفعال أهل الجاهلية. قال: «أو خيط أو عضو من النسور»، كذلك الحلقة التي تحلق، والخيط الذي يتدلى، مثل ما يفعل في بعض أهل البادية: يعلقون الخيوط على أعناق الأطفال من الذكور والإناث، ربما يظن الظان أنه ابتداء هو زينة، ولكنه في الحقيقة ليس بزينة، إنما يفعلون ذلك على وجه الاعتقاد، سواء هذا الخيط من جلد -وهذا الغالب ما يفعله أهل البادية- يعلقون على الصدر خيوطًا من الجلد، فتكون حليًا لهم، والمقصود من ذلك دفع العين، وكذلك الحفظ والتحرز من الشياطين. وهذا اعتقاد جاهلي؛ لأنه كما مر معنا: لا ينفع ولا يضر إلا الله عز وجل، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾. قال: «أو عضو من النسور كذلك»، أي عضو من النسور. وغالب ما يستخدم من النسر: إما رأسه، وإما ريشه، وإما مخالب أرجله، فهذا الذي يستخدم من النسور، فيعلق على الدواب، أو يوضع في مداخل البيوت، أو كذلك يعلق على أعناق بعض الأطفال: إما ريشة، وإما شيء من المخالب، أو ما كان بمعنى ذلك، على اعتقاد أنها تجلب نفعًا أو تدفع ضرًا. قال: «أو وتر»، كذلك الوتر، والوتر هو هذا الخيط المعروف، يستخدمونه كذلك لأجل هذا المعنى. وربما خاطوه وجعلوه على أوجه معينة: إما من يعلق في طرف الوتر ودعة، أو يعلق في طرف الوتر عظمًا، أو يعلق في طرف هذا الوتر ريشة، أو غير ذلك مما يفعله العامة، زعمًا منهم أنه يحفظ من العين أو يدفع الضر. قال: «أو تربة القبور كذلك»، تربة القبور، منهم من يشربها مع الماء، ومنهم من يتمسح بها، ومنهم من يربطها في خرقة ويضعها في خاصرته، أو في عضده، أو كذلك في عنقه. وكل هذا من فعل أهل الجاهلية؛ لأنه لا ينفع ولا يضر إلا الله عز وجل. وهذه أمور شركية بين الشرك الأكبر والشرك الأصغر. قال: «لأي أمر كائن تعلقه»، يعني فعل هذا لأي شيء تعلقه، سواء لمرض خاص، مثل ما يفعله بعض الناس: يأتي بولده الذي هو مريض إلى تربة القبر، فينفث على رأسه من هذا التراب، أو ربما حتى جعله يشرب منه، أو علقه على أطرافه، أو نثره على الجرح الذي فيه، ونحو ذلك. فهذا كله من الأمور الجاهلية. قال: «وكله الله إلى ما علقه»، أي جعله الله جل وعلا إلى ذلك الشيء. وهل هذا الشيء ينفع ويضر؟ الجواب: لا، لا ينفع ولا يضر. وسأتي معنا بعض الأحاديث في هذا الباب، ومنها قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من تعلق شيئًا وكله الله إليه». فالخلاصة: أن هذه الأفعال كلها من أفعال الجاهلية التي لا يجوز للمسلم أن يفعلها. وسأتي معنا -إن شاء الله- في درس قادم تتمة لهذا الفصل. وإلى هنا، والحمد لله رب العالمين.