شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 17

شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 17

الدرس في شرح سلم الوصول للشيخ حافظ الحكمي رحمه الله 17، الدرس السابع عشر: (كذا له العلو والفوقية ... إلى قوله ... بعلمه مهيمن عليهمو). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم علو الذات وتوحيد الأسماء والصفات

يتناول المقطع مفهوم علو الذات لله تعالى وأهميته في توحيد الأسماء والصفات، حيث يبين أن أهل السنة والجماعة يولونه اهتمامًا خاصًا. هذا المفهوم هو أحد أنواع العلو الثلاثة ويُعد أساسيًا في فهم توحيد الله تعالى.

أدلة إثبات علو الله تعالى من الكتاب والسنة

استعرض ابن القيم أكثر من ألف دليل من الكتاب والسنة لإثبات علو الله تعالى، حيث قسم الأدلة إلى عشرين نوعًا. شملت الأدلة آيات قرآنية مثل استواء الله على العرش وأحاديث نبوية تثبت علو الله تعالى.

الآثار المروية عن السلف في إثبات علو الله تعالى

استشهد المقطع بآثار مروية عن الصحابة والتابعين مثل أبي بكر وعمر وعبد الله بن عباس في إثبات علو الله تعالى. هذه الآثار تدعم معنى علو الله على عباده واطلاعه عليهم وإحاطته بهم بعلمه وقدرته.

التوفيق بين صفتي العلو والمعية الإلهية

يُظهر المؤلف التوافق بين صفتي العلو والمعية لله تعالى، حيث إن الله رغم علوه فوق العرش، فهو محيط بخلقه ولا يخفى عليه شيء من أمورهم. هاتين الصفتين مترابطتان ولا تنفي إحداهما الأخرى.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذين البيتين كذلك ليبين ما يتعلق بباب العلو، وأن لله جل وعلا نوع ثالث من أنواع العلو، وهو علو الذات. ولهذا قال: «وكذا له العلو والفوقية على عباده بلا كيفية»، أي: من أنواع العلو علو الذات. والسياق الذي سلكه المؤلف رحمه الله بهذا السياق يبين أن هذا العلو علو عند المؤلف له نوع اهتمام، لماذا؟ أولًا: لأنه أفرده ببيت، وثانيًا: تأكيده بقوله: «وكذا له العلو والفوقية»، وثالثًا: تأكيده بقوله: «الفوقية». ولم يكن هذه المؤكدات الثلاث من المؤلف رحمه الله هذا الاهتمام الخاص إلا لأن هذا النوع من التوحيد أو هذا النوع من العلو الذي هو أحد الصفات التي هي من توحيد الأسماء والصفات كان مما ينفيه أهل الباطل من أهل البدع والضلال. بل قد اجتمعوا جميعًا على نفيه، اجتمع جميع فرق أهل الضلال الذين ضلوا بباب الأسماء والصفات على نفي هذا النوع من العلو. ولهذا كان أهل السنة والجماعة يولون هذا النوع من العلو اهتمامًا خاصًا، فألفوا بذلك الكتب المفيدة، وأفردوا بذلك الفصول في الكتب، وجعلوا له الرسائل، وجعلوا له المباحث. وهكذا كذلك في جميع أبواب العلم، فيما يتعلق بكتب الاعتقاد خاصة، وما كان له التعلق بالأسماء والصفات خاصة، فإنهم يولون هذا القسم من مباحث الأسماء والصفات اهتمامًا خاصًا، لماذا؟ لأن جميع أهل البدع والضلال الذين ضلوا بباب الأسماء والصفات قد اجتمعوا على نفي هذه الصفات، بينما أئمة الكتاب والسنة، وكلام سلف الأمة في هذا الباب كثير يبين ويثبت هذه الصفات. وهكذا؛ لأن أهل البدع والضلال الذين نفوا هذه الصفة كذلك أكثروا من الشبه، ومن الأمور التي يريدون بها أن يصرفوا الناس عن إثبات هذه الصفة. فلأجل هذين الأمرين صار أهل السنة والجماعة يولون هذه الصفة اهتمامًا خاصًا في جميع مباحث تأليفهم ومصنفاتهم وغير ذلك. هذا هو السبب الذي جعل المؤلف رحمه الله يولي هذا الباب نوعًا من الاهتمام والاختصاص، فقال رحمه الله: «وكذا له العلو والفوقية على عباده بلا كيفية»، يعني: كذلك مما يختص لله جل وعلا من أنواع العلو علو الذات، الذي جاء بإثباته أدلة الكتاب والسنة، وهكذا تواثرت فيه كلمات سلف الأمة. وأدلة الكتاب كثيرة، قد أورد رحمه الله في شرحه عزًا كثيرًا من الأدلة أو من الآيات. وقد قسم ابن القيم رحمه الله الأدلة الواردة في إثبات العلو إلى عشرين نوعًا، وأنها تصل إلى أكثر من ألف دليل، فجعل المعراج نوعًا، وجعل الصعود نوعًا، وجعل الارتفاع أو الرفع نوعًا، وجعل النزول نوعًا، وجعل الإشارة نوعًا، وجعل الإقرار نوعًا، وجعل إثبات الفوقية نوعًا، وجعل الاستواء نوعًا، وهكذا عدد رحمه الله عشرين نوعًا في أكثر من ألف دليل من الكتاب ومن السنة. فمن أدلة الكتاب قول الله جل وعلا: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿مِمَّنْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾، وقوله جل وعلا: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، ثم استواء على العرش بستة مواضع، وهكذا غيرها من الآيات الكثيرة التي فيها إثبات العلو لله جل وعلا من أوجه كثيرة. ومن السنة جاءت أيضًا أدلة كثيرة، منها ما كان بقوله، ومنها ما كان بفعله، ومنها ما كان بإقراره. وما كان من قوله كثير، ومن ذلك ما جاء بالصحيحين من حديث أبي سعيد «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء»، فأثبت أن الله جل وعلا في السماء. ومن ذلك ما جاء كذلك عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال، كما جاء عند أبي داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، وهذا كذلك من تقريره. وما جاء في صحيح حديث معاوية بن الحكم السلمي أنه أقر الجارية في قصة معاوية المشهورة حين ضرب الجارية، فتندم، فسأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يعتقها، فأمر وأتى بها، فقال لها: «أين الله؟»، قالت: «في السماء»، قال: «من أنا؟»، قالت: «أنت رسول الله»، قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أعتقها؛ فإنها مؤمنة». أو الذي جاء بالسنة ما جاء كذلك عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من إقرار بعض ما قاله الصحابة رضي الله تعالى عنهم إن تعلق بإثبات العلو لله جل وعلا. فقد روي أن زينب رضي الله عنها كانت تقول: «زوجتنا أهاليكم، وزوجني الله من فوق سبع سماوات»، وهكذا. كذلك النوع الثالث مما جاء بالسنة ما جاء من فعله عليه الصلاة والسلام، فقد جاء بمسلم من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال في خطبته في الحج: «اللهم هل بلغت؟ اللهم اشهد»، يرفع ويشير بإصبعه إلى السماء، ويمدها على الناس. ومعنى ذلك أنه أثبت العلو بإشارته لله جل وعلا. وهكذا كذلك الآثار المروية عن الصحابة والتابعين كثيرة جدًا، ومن ذلك ما جاء عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال في مرض أو في موت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله الذي في السماء فإن الله حي لا يموت»، ثم تلا قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ إلى آخر الآيات. وهكذا كذلك ما جاء عن عمر رضي الله عنه حين روي وهو على حمار دخل إلى الشام، وهو على حمار، فقالوا له: «لو أنك ركبت برذونًا فيكون بذلك لك العلو كملوك الأرض»، فقال رضي الله عنه: «ألا إنما الأمر من عند الله الذي في السماء»، يعني: الذي يرفع الناس هو الله جل وعلا الذي في السماء، وليس الحمار ولا البرذون. وهكذا ما جاء عن عبد الله بن عباس أنه حضر وفاة عائشة رضي الله عنها وأرضاها، ولما حضر وفاةها أراد أن يرثيها بربها، فذكر شيئًا من فضائلها، فقال: «ألستِ كنتِ أحب نساء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليه؟ ألستِ قد أنزل الله عز وجل فيك قرآنًا من فوق سبع سماوات يبرئك فيه مما نسب إليك؟ وهل من مساجد المسلمين إلا ويثنى فيه تبرئة الرب جل وعلا لك؟». وهذه الآثار صحيحة، فذكرها الشارح رحمه الله تعالى، وذكر ما جاء عن التابعين ومن بعدهم من الأئمة مما ذكره الإمام الذهبي رحمه الله في كتاب العلو، فهو كاد أن يختصر كتاب العلو برمته في هذا الموضع الذي هو موضع عظيم جدير بالاهتمام لأهمية هذا الموضع. ثم قال رحمه الله: «على عباده بلا كيفية». وقوله: «على عباده» أي: أن علو الله جل وعلا علو على عباده سبحانه، وبلا كيفية، ليس المراد بلا كيفية نفي لوجود الكيفية، وإنما المراد نفي لمعرفة الكيفية، وبينهما فرق، بين نفي وجود الكيفية فهو نفي لوجود الصفة، وبين نفي معرفة الكيفية فهو إثبات لوجود الصفة، لكن نفي لمعرفة الحقيقة والكنه، وبين الأمرين فرق ينبغي أن ننبه لذلك. ثم قال رحمه الله: «ومع هذا مطلع عليهم مهيمن». ومع هذا مطلع عليهم، أي: يريد نبيه رحمه الله أي أنه مع علوه فهو سبحانه يحيط بخلقه بعلمه وقدرته، فهو سبحانه معهم بعلمه وقدرته التي بها يكون مهيمنًا على خلقه أجمعين. وهذا هو واقع قوله سبحانه: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ﴾، ومعنى قبضته: يعني أن الله جل وعلا محيط بها وممن فيها، لا يفوته منها ومن أمرها شيء بعلمه وهيمنته وإحاطته وقوته وقدرته سبحانه. ويريد بذلك أن يثبت المعية مع إثبات العلو، ولا منافاة بين العلو والمعية، فهو فوق عرشه مستوٍ سبحانه، ومع ذلك ومع خلقه لا يفوته من أمرهم شيء، ولا يعجزه من أمرهم شيء، فإنه إذا أراد شيئًا قال له: «كن فيكون»، بعلمه وقوته وقدرته وإحاطته التي بها يهيمن على الخلق أجمعين. فأراد المؤلف رحمه الله أن يبين ارتباط هاتين الصفتين بعضها ببعض حتى لا يظن ظان أنه إذا أثبت الصفة يثبت بذلك نفي الأخرى، والأمر ليس كذلك، بل بينهما ارتباط وتلازم، فإنه مع كونه فوق عرشه مستوٍ هو كذلك محيط بخلقه سبحانه وتعالى، والأمر كما قال جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِهِمْ﴾.