منزلة السماحة في الإسلام

الخطبة بعنوان منزلة السماحة في الإسلام، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر ٨ ذو القعدة ١٤٣٤هـ ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في أهمية خلق السماحة

يتناول أهمية خلق السماحة في الإسلام وتحسين معاملات الإنسان. يشير إلى أن السماحة تعني اليسر والمساهلة والعفو والرفق.

السماحة في الشدة والرخاء وأثرها

يُشدد على أهمية التحلي بخلق السماحة والرفق في التعامل مع الآخرين، خاصة في أوقات الشدة. يُبين أن هذا الخلق يعد من أعظم أسباب النجاة من النار.

سماحة النبي صلى الله عليه وسلم وأثرها في الدعوة

يُظهر سماحة النبي ورفقه في تعامله مع الآخرين، ويبين كيف كان هذا الخلق سببًا في إسلام الكثيرين. يشير إلى أهمية الاقتداء بالنبي في السماحة والعفو.

التعامل مع المكر والظلم والصبر عليه

يُناقش كيفية التعامل مع الأشخاص الذين يُظهرون خلاف ما يُبطنون، ويُشير إلى أن الله سيعاقبهم. يُؤكد على أهمية الصبر والاحتساب في مواجهة الابتلاءات.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعين ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، عباد الله، إن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدى هدى محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكل مُحدثةٍ بدعةٍ، وكل بدعةٍ ضلالةٍ، وكل ضلالةٍ في النار. عباد الله، إن الله سبحانه وتعالى أنزل على نبينا عليه الصلاة والسلام في ديني وشرعه من الأحكام المُحكمة والتشريعات المُتقنة ما هي كفيلةٌ لسعادة هذا الإنسان في دنياه وفي أُخراه. ومن ذلك عباد الله أنه أرشد أهل هذا الدين إلى عددٍ من الآداب وخيار الفعال مما يكونوا خيرًا لهم في هذه الدنيا وفي الآخرة. دينُنا عباد الله دينٌ تكفَّل بإصلاح الظاهر والباطن، وإصلاح الدنيا والدين والمعاد والمعاش. كيف لا؟ وهو المُنزَّل من عند الله سبحانه وتعالى، وهو القائلُ جل وعلا: ﴿ألا يعلمُ من خلق وهو اللطيفُ الخبير﴾. ولهذا عباد الله نجدُ شمولية هذا الدين في اعتنائه بالظاهر والباطن، وإصلاحه للأقوال والأفعال، وكذلك تناوله لأمور الدنيا وأمور الآخرة. ومن تأمَّل هذا المعنى وقفَ مُعظِّمًا ومُجِلًّا لما أنزلَ الله عز وجل من شرعٍ ودين. فمهما حمِدَ الله سبحانه وتعالى وشكَرَه لم يُؤدِّي ما أنعمَ الله عز وجل من أمر هذا الدين العظيم. ولهذا لم يأمرنا الله عز وجل بالفرح بشيء بمثل الفرح بدينه وشرعه، الفرح بالإيمان والإسلام، الفرح بنع. قال الله عز وجل: ﴿قُل بِفَضلِ اللَّهِ وَبِرَحمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. ولم يأمرنا الله عز وجل ولم يمنَّ علينا ويمتن علينا بشيء بمثل ما امتن علينا بأمر هذا الدين، كما قال سبحانه: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. ومن هذا عباد الله اعتناء هذا الدين العظيم بجوانب عديدة من الأداب والأخلاق التي تصلح هذا الإنسان في ظاهره وتصلحه في باطنه، تصلحه في نفسه وتصلحه مع غيره، تصلحه في أمر معاده وتصلحه في أمر معاشه، تصلحه فيما يتعلق كذلك بأمر عبادته وتصلحه فيما يتعلق بأمر عاداته ومعاملته. تصلحه في حق الله عز وجل أن يؤديه على الوجه الذي يحبه ويرضاه، وتصلحه فيما يتعلق بحق الخلق أن يؤدي ذلك على الوجه الذي يحمد عند الله ويحمد عند الناس، بالعدل الذي يحبه الله سبحانه وتعالى وشرعه. ومن هذه الأخلاق الكريمة والآداب الرفيعة أدب وخلق السماحة، هذا الخلق عباد الله الذي هو من أرفع الأخلاق والآداب. هذا الخلق عباد الله الذي به يتحقق عبودية العبد لربه سبحانه وتعالى. هذا الخلق عباد الله الذي متى ما حققه العبد في نفسه وحققه في غيره، فإن ذلك دل على كمال فطرته واستواء ورجاحة عقله. إذ حقيقة السماحة عباد الله هي اليسر والمساهلة والعفو والرفق، بما يكون له الخير في نفسه وفي غيره. فما يتعلق بحق الله سبحانه وتعالى أن يكون سمحًا في قضاء الله جل وعلا وقدره. فما أنزل الله عز وجل من قضاء وما كان من قدر، فإنه يقابل ذلك بالرفق، ويقابله كذلك بالرضى، ويقابل ذلك بالصبر والإدعان. بل إذا تأمل عظيم أمر الرب سبحانه وتعالى، ونظر إلى ضعف نفسه ونقصها وتقصيرها، علم أن ذلك من لطف الله سبحانه وتعالى به، ومن منته عليه، ومن رحمته جل وعلا كذلك بخلقه أن كان مثل هذا القضاء والقدر. فعند ذلك بهذا الخلق ينظر إلى عظمة الرب وعظيم حكمته ولطفه بخلقه، وواسع رحمته، وينظر إلى نفسه وإلى تقصيرها وإلى نقصها وإلى عجزها، فيورثه ذلك رضًا وشكرًا، فضلًا عن الصبر. يقابل قضاء الله وقدره سبحانه وتعالى بالرضى والشكر، فضلًا عن الصبر، لما تقدم من هذين النظرين العظيمين. ثم كذلك يحقق في قلبه وفي نفسه أن الله عز وجل الحكيم العليم إنما قضى بما قضى لعلمه سبحانه وتعالى أن هذا هو الذي يصلح الخلق، والذي فيه الحكمة. فلله الحكمة البالغة سبحانه وتعالى. ويتذكر كثيرًا قول الله عز وجل: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا﴾. فربما تكره شيئًا اليوم، فترى بعد ذلك الأمر على خلاف ذلك. وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يضربون بيوم الحديبية مثلًا في هذا المعنى العظيم. فقد كرهوا ذلكم الصلح حتى أنهم لو قيل لهم بأدنى إشارة أن يقاتلوا لقاتلوا المشركين على ما منعوهم من دخول بيت الله الحرام ومن أداء العمرة لله سبحانه وتعالى. ولكن كان الخير فيما قضاه سبحانه وتعالى وأمر به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الصلح، فكان خيرًا عظيمًا حتى سماه الله سبحانه وتعالى فتحًا، كما قال جل وعلا: ﴿إنا فتحنا عليك فتحا مبينا﴾. سمى صلح الحديبية فتحًا، بما كان من دخول الكثير في دين الله، وتعرُّفهم على دين الله عز وجل عن قرب، بما كان من أمانٍ في سنوات الهدنة وسنوات الصلح. فلله حكمةٌ بالغة، عبد الله، لله حكمةٌ بالغة. يا عبد الله، بما يجري في هذا الكون، فإن أصابك شيءٌ من السرَّاء شكرت، فكان خيرًا لك، وإن أصابك شيءٌ من الضرَّاء صبرت، فكان خيرًا لك. وليس ذلك إلا للمؤمن، كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا كذلك من معاني هذا الخلق العظيم في هذا الباب أنك كذلك تنظر إلى هذا القضاء والقدر، وأنه مما لا يمكن رفعه ولا يمكن دفعه ولا يمكن تغييره. فإذا كان كذلك، كان أحسن ما يعالج به البلاء ما يكون من توطين النفس، وهكذا كذلك تسلية القلب بالشكر والرضا لقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره، والنظر إلى ما يأتي من مستقبل أمرك بما فيه الخير لك، تفاؤلًا وحسن ظن بالله سبحانه وتعالى. وما أحسن أحد ظنه بالله إلا وأعطاه من عظيم خيره وواسع عطائه ومننه ما يكون خيرًا له في الدنيا وخيرًا له في الآخرة. وهكذا كذلك يوطن نفسه فيما هو في حاله في ذلكم الوقت، حين وقع البلاء وحين وقعت الشدة، ما يكون عونًا له على إمضاء هذه الشدة. فلو تفكر بعقل سديد وتأمل برأي رشيد لوجد أن التسخط لا يزيده إلا مصيبة فوق مصيبة، ولا يزيده إلا داء فوق داء، ولا يزيده إلا نصبا فوق نصب. فما ينفعه ذلك بما علم من الشرع، وما تفكر وتأمل بالعقل. فعند ذلك لا يجد بدًا إلا أن يأخذ هذا الخلق الكريم الذي كان من أعظم أخلاق المرسلين عليهم الصلاة والسلام. فهذا نبينا عليه الصلاة والسلام بلي بلاء عظيمًا في مواضع عدة، وأزمنة متكررة، ولم يكن ذلك سببًا في تغيير أمره أو كذلك تبديل مواقفه. بل هو عليه الصلاة والسلام على ما هو عليه من كريم خلقه وواسع كذلك آدابه عليه الصلاة والسلام. فهو الذي قال لأهل مكة حين ما كان منهم فتح الله عز وجل عليه مكة بعدما كان من أذيتهم وما كان من تسلطهم: عفى عنهم وتركهم. وقال عليه الصلاة والسلام: «من وضع السلاح فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل بيت فلان فهو آمن». انظروا إلى سماحته عليه الصلاة والسلام مع ما جرى في تاريخ سيرته من المشركين الشيء العظيم. أوذي عليه الصلاة والسلام أعظم الأذية، كاد أن يقتل مرات وكرات، حتى أنه عليه الصلاة والسلام دعا ربه سبحانه وتعالى أن ينجيه من تلك البلدة الظالم أهلها، فأذن الله عز وجل بالهجرة بعد أن فقد كل قريب وكل من ينصر. فكان ما كان من أمر نصرة نبيه صلى الله عليه وسلم، عذب أصحابه وقتل من قتل ومثل بمن مثل، حتى أن أحدهم كان لا يعرف من شدة ما فعل الأعداء بأجساد المسلمين. ومع ذلك انظروا سيرته عليه الصلاة والسلام، وهكذا لنا فيه صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة. وهكذا كذلك عباد الله من مواضع هذا الخلق ما يكون من حسن خلق المرء مع نفسه أولًا بالرفق بها. وهكذا كذلك مع أهله ومع ولده والأقرب فالأقرب، وهكذا حتى مع خدمه ومع عماله، يظهر ذلك عند مواضع الشدة وعند مواضع الامتحان. فليس الخلق الحسن ولا السماحة والرفق الممدوح هو الذي يكون في وقت الرخاء، بل هو الذي يكون في وقت الشدة. فعند الشدة يظهر المحسن من المسيء، ويظهر كذلك من وفقه الله لهذا الخلق الكريم ومن حرمه. ولهذا كان خير الدين كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الحنيفية السمحة». كما جاء عند الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أي الأديان أحب إلى الله؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: الحنيفية السمحة». ومعنى الحنيفية التوحيد الذي يميل صاحبه به عن الشرك، والعدل الذي يميل به صاحبه عن الظلم، وكل معاني الاستقامة والخير والبر الذي يميل بها عن كل معاني الإعوجاج والفجور والإثم. وهكذا كذلك السمحة ما يتضمنه هذا اللفظ من معنى السهولة واليسر والرفق الذي به يصلح الله عز وجل لصاحبه دينه. فكم من صاحب دين بما يكون من عدم حنيفيته أو عدم سماحته يهلك نفسه ويهلك غيره، فيخسر دنياه ويخسر آخرته. ولكن من وفقه الله عز وجل لهذا الدين بهذين الأصلين العظيمين أن يكون حنيفيًا سمحًا، فإنه رزق خير الدنيا ورزق كذلك خير الآخرة. خير الدنيا بما يكون من كمال استقامته على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه، وهكذا خير الآخرة بما يكون من حسن ثواب الله سبحانه وتعالى وواسع عطائه وعظيم وعده للمؤمنين الذين حققوا هذا الإيمان. وسئل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن أكثر ما يدخل الجنة، فقال: «تقوى الله وحسن الخلق». وإن من حسن الخلق معاشر المسلمين أن يكون عند المسلم تحقيق لهذا الخلق العظيم، خلق السماحة وخلق كذلك اليسر. فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا إلى ذلك في أحاديث كثيرة. فصح عند البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، سمحًا إذا اشترى، سمحًا إذا أعطى أو اقتضى». وثبت عند الترمذي بإسناد حسن عنه رضي الله عنه أرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلًا من الأمم السابقة غفر الله له فيما كان من سماحته في بيعه وشرائه وأخذه واقتضائه. فدل ذلك على حث أهل الإسلام على هذا الخلق العظيم الذي حث عليه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وعند أحمد عن ابن مسعود رضي الله عنه أرضاه بإسناد حسن بمجموع طرقه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ما ينجي من النار أو عن الرجل ينجو من النار أو لا يدخل النار، قال عليه الصلاة والسلام: «أن يكون هينًا لينًا سمحًا». أو قال: «سهلًا». فانظروا عباد الله، إن من أعظم أسباب النجاة من النار أن يكون الرجل هينًا لينًا سمحًا في سائر مواقفه وأقواله وأفعاله. انظروا إلى أعظم الذنوب التي يقع فيها العبد من الشرك والبدع والكبائر وما دون ذلك. فإنه لو تأمل المتأمل فيما يوقع العبد في ذلك، فإنه سيجد إن من معاني الوقوع في ذلك عدم السماحة وعدم كذلك الرفق بنفسه. فإنه لما لم يرفق بنفسه ولم يعرف كذلك حق خالقه وقع بهذا الأمر العظيم الذي كان به خسارة الدنيا وخسارة الآخرة. وانظروا عباد الله إلى آثار الغضب وآثار الانتقام وآثار كذلك الغلظة والجفاء، كم تورث من مصائب في الدنيا ومصائب في الآخرة. وعلاج ذلك أن يدفع ذلك بهذا الخلق العظيم الذي به يعصم نفسه من آثار الغضب ومن آثار الانتقام وآثار كل خلق ذميم يكون به خسارة المرء في الدنيا وخسارته كذلك في الآخرة. عباد الله، إن هذا الخلق العظيم يتناول جوانب عديدة من حياتك. فأنت تحتاجه فيما يتعلق بأمرك في عبادتك لربك سبحانه وتعالى أن تكون رفيقًا بنفسك بما تعلم من أمر الله سبحانه وتعالى العظيم وما وعد به المؤمنين وما توعد به الكافرين والفاجرين. وهكذا كذلك أن تكون رفيقًا في نفسك فتجعلها على الدين الذي يحبه الله دون شطط، لا جفاء ولا تساهل، ولكن لزومًا لهذا الصراط المستقيم والدين القويم والوسط الحق الموزون بميزان الكتاب والسنة وشرع الله جل وعلا. وبهذا يكون الخيار كما قال سبحانه: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾. جاء في البخاري عن نبي سعيد: «العدل الخيار الوسط العدل الخيار». وهكذا كذلك فيما يكون من معاملتك مع غيرك، فإن ذلك خيرٌ لك في نفسك، وفيما يكون مع إخوانك ومع من معك من أهلك وذويك وأهل قرابتك. رفيقًا في معاملتك لأهلك، رفيقًا في معاملتك لولدك، رفيقًا كذلك سمحًا في معاملتك لكل ذوي المعاملات في هذه الدنيا، حتى من يخدمك أو يعمل عندك، فإنك تكون سمحًا معه. وانظر إلى خلق نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما جاء في الصحيحين في حديث أنس رضي الله عنه أرضاه أنه خدم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عشر سنين، فما قال له يومًا لشيء فعله: «لو أنك فعلت»، ولا لشيء لم يفعله: «لما لم تفعل؟». فإنه عليه الصلاة والسلام كان من حسن خلقه وسماحته ورفقه أنه كان لا يلوم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وجاء في رواية للبخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أنسًا يومًا فقال له: «ألا تذهب إلى كذا؟» فسمى له حاجة. فقال أنس: «وكنت أشتهي أن ألعب مع الأولاد»، فقلت: «لا والله لا أذهب». فخرجت مغضبًا. قال: «وفي نفسي أني أذهب حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم». قال: «فبينما أنا ألعب مع الأولاد جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلفي، فأخذ بمنكبي، فقال: هل ذهبت يا أنس؟». قال: «فقلت: الآن أذهب يا رسول الله، الآن أذهب يا رسول الله». انظروا إلى رفقه عليه الصلاة والسلام في أمره، وحسن خلقه كذلك في طلبه. وهكذا نحن معاشر المسلمين ينبغي علينا أن نقتد به صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومما كذلك يدلنا على سماحته وحسن خلقه ذلكم الرجل الذي استل السيف من فوق رأس النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم قائلٌ مطجعٌ تحت شجرة في ظلها، فأخذ السيف وقال: «وهو ينادي: يا محمد، من يمنعني منك اليوم؟» كررها ثلاثًا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الله». فسقط السيف من يده، ارتعد وسقط السيف من يده. فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «من يمنعك مني اليوم؟» فقال ذلكم الأعرابي: «تعفوا يا رسول الله»، أو قال: «أخٌ كريم». فعفى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث بالصحيح. وجاء في رواية خارج الصحيح أن كان سببًا في إسلامه وإسلام جماعة من قومه. فانظروا إلى عفوه وسماحته كيف كان سببًا في إسلام هذا الرجل على يديه عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك ما صنع يوم الفتح مع ما فعلوا بالمؤمنين من التعديد والقتل وغير ذلك. فلما عفى عنهم عليه الصلاة والسلام كان سببًا في إسلامهم جميعًا، فلم يذكر أن رجلًا واحدًا أو امرأة إلا ودخل في دين الإسلام. وبه نعرف كذلك ما كان عليه قادة المسلمين من الخلفاء الراشدين ومن بعدهم من الصحابة كذلك، وأتباع التابعين على هذا الخلق، خلق السماحة مع الأمم التي دعوها إلى دين الإسلام. فكان سببًا في دخول الكثير في دين الإسلام، رغبةً لا رهبةً، وحبًا لا خوفًا، كما يظنه أو يدعيه الكثير من الكفار والمنافقين. وما ذلك إلا لتحقق هذا الخلق العظيم. وانظروا إلى كتاب عمر فيما كتبه لأهل الشام، ومعاهدة أبي عبيدة مع أهل الشام. وهكذا ما صنعه المسلمون مع المسلمين فيما وراء النهر، ولم يزل ذلك مكتوبًا مأثورًا إلى يومنا هذا. وفيه من معاني الرفق ومعاني الإحسان والسهولة والسماحة ما هو سبب لإسلام الناس ودخولهم في دين الله أفواجًا. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبقينا في أمور ديننا، وأن يبصرنا بأمور شرعنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، ومن غير ضالين ولا مضلين. والحمد لله رب العالمين. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولي الصالحين. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم الصادق الأمين. أما بعد، عباد الله، وإن من المواضع التي يحتاجها المسلم في هذا الخلق العظيم ما يكون بينه وبين إخوانه، أو بينه وبين بعض أهله وقرابته، مما ينزغ به الشيطان، فينبغي أن يعالج ذلك بهذا الخلق الكريم، وهذا الأدب الرفيع الذي به يصلح أمره وأمر غيره. ليعلم أولًا أنه كذلك يخطئ كما يخطئون، ويظلم كما يظلمون، وكذلك يقصر كما يقصرون. فإذا عرف مثل هذا كان ذلك سببًا لإعذاره لغيره، أن يعذرهم حتى يعذره الله سبحانه وتعالى. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: «من أقال مسلمًا في عثرته أقال الله عثرته يوم القيامة». وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من ستر مسلمًا في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة». قال ابن القيم رحمه الله تعالى في «الكلم الطيب»: «وإن من سنة الله سبحانه وتعالى أن من رفق بعباده رفق الله به، وأن من أحسن إلى خلقه أحسن الله إليه، وأن من ستر أحدًا من خلقه ستره الله في الدنيا والآخرة». إلى أن قال رحمه الله بمثل ما فعل بخلقه، ثم ذكر عددًا من الأحاديث التي سمعنا بعضها مما يدل على هذا المعنى. فهذه سنة الله، عبد الله، فإذا استيقنت مثل هذا علمت أن سترك لأخيك سببٌ لستر الله سبحانه وتعالى لك في الدنيا وفي الآخرة، وأن عفوك عن أخيك سببٌ لعفو الله عز وجل لك في الدنيا والآخرة، وأن رفقك بأخيك سببٌ لرفق الله سبحانه وتعالى بك في الدنيا والآخرة. وهكذا لا تكرم أحدًا بخلق إلا وأكرمك الله الكريم بمثله في الدنيا وكذلك في الآخرة، سنة الله سبحانه وتعالى العادلة، وأمره جل وعلا الماضي الذي لا يتغير ولا يتبدل. وهكذا لا يكون أحدٌ غليظًا جافيًا باغيًا إلا ووجد من عدل الله سبحانه وتعالى ما يكون سببًا للعضة والعبرة، فينتقم منه بالدنيا فضلًا عن الآخرة، سنة الله سبحانه وتعالى في خلقه. فهو يمهل جل وعلا ولا يهمل. ومن ذلك أن تعلم أن هذا الذي تعفو عنه وتستره وترفق به وتحسن إليه وتسهل أمرك معه، إن كان ممن هو أهلٌ لذلك، فهو خيرٌ فعلته، وسابقت إليه حتى تصل إلى الأجر قبل أن يصل إليه. قال عليه الصلاة والسلام فيما يقع من الخصوم بين أهل الإسلام: «وخيرهما الذي يبدأ بالسلام». ومعنى خيرهما من يبدأ بالخير، سواء كان السلام الحسي أو كان السلام المعنوي، كما صح معناه عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث. وإن لم يكن ممن يستحق ذلك، فلا أقل أن تريح قلبك، وأن كذلك تبعد الضجر عن نفسك بهذه الخصومة، وهذه المباغضة التي تشغلك، فتدفع السيئة بالحسنة، وهكذا تبعد أهل السوء بالمدارة كما كان حال النبي صلى الله عليه وسلم، راحةً للنفس، وإقامةً لها. وأن لا تصرف نفسك عن الخير الذي أنت فيه من خير الدنيا وخير الآخرة. فما أكثر المشاحنات والمباغضات والمخاصمات التي تصرفك عما فيه الخير لك في دنياك وفي آخرتك. فادفع السيئة بالحسنة وبالمدارة تدفع أهل السوء والبغي والفساد. دخل رجلٌ على النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح من حديث عائشة، فتبسم في وجهه. فلما خرج قال: «بإساءته العشيرة». فسألت عائشة عن قوله، فقال: «إنا نبتسم في وجوه قوم وقلوبنا تلعنهم، ولكن اتقاء شرهم». أو كما قال عليه الصلاة والسلام. فإن من الناس من يتقى شره، ويدفع بترك تطويل المباغضات وإثارة الخصومات. فإن كان فيه خير رده الله وهداه وأصلحه، وإن لم يكن كذلك فأمامه أعماله التي يعجل الله له عقوبته في الدنيا، فضلًا عن الآخرة. سنة الله سبحانه وتعالى. هل رأيت أعظم ظلمًا من فرعون؟ انظر ماذا فعل الله عز وجل به. هل رأيت أحدًا بغى بغيًا قارون؟ انظر ماذا فعل الله عز وجل به. وهكذا لو تأملت في تاريخ البشرية، كم كان فيها من ظالم وكم كان فيها من فاجر وكم كان فيها من باغٍ. فسنة الله سبحانه وتعالى أن لا يحيق المكر السيء إلا بأهله، ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾. وهكذا حال هؤلاء، اعلم علمًا يقينيًا أن الله عز وجل سيعاجلهم في ذلك في الدنيا فضلًا عن الآخرة، ويرجعوا إلى الله. فاترك أمرهم إلى الله، ووكل أمرك إليه سبحانه وتعالى، واعلم أنك بهذا ترتاح في دنياك وترتاح في آخرتك. وهكذا كذلك لتعلم لن تسير في هذه الدنيا دون مشاحنة أو مباغضة أو دون كدر أو تعب أو نصب. فهذه الدنيا دار امتحانٍ وابتلاء، يبتليك الله عز وجل بالطاعات، ويبتليك الله سبحانه وتعالى بالمعاصي والسيئات. الطاعات أن تفعلها وتصبر على ما حُفَّت عليه به من المكاره، والمعاصي أن تجتنبها وأن تحذر ما حُفَّت به من الشهوات. وهكذا على المصائب والأقدار وما يكون من أمر هذه الدنيا مما يمر بك، فأنت إن صبرت واحتسبت، وكذلك سرت على ما يحب الله عز وجل ويرضى، نجحت وفُزت في الدنيا وفي الآخرة. وإن لم تفعل ذلك خسرت الدنيا وخسرت الآخرة، مع ما لا يخفى من الضيق ومن الهم ومن الغم ومن الكدر ومن إضاعة الوقت، وربما إضاعة المال، وغير ذلك مما لا خير لك لا في دنياك ولا في آخرتك. ولهذا قيل: إن السماحة لا يتخلق بها إلا رجلٌ كامل، أكمل الله عز وجل له الدين، وأكمل له الفطرة، وأكمل له العقل. أما الدين بامتثال أوامر الله، وأما العقل لأنه يعلم أن حال الناس على اختلافٍ وعلى افتراق، ولا يمكنه أن يُصلِح ذلك. فضلًا عما لا يخفى عنه أنه محل تقصيرٍ ومحل خطأ ومحل زلل، فغيره من باب أولى لا يُدفع ولا يُمكن أن يُرفع. فكان من رجاحة العقل أن يُساير بما يكون به الرفق وما فيه الحكمة مما فيه الخير له. وأما سلامة الفطرة فلما فيه من كمال الأقوال والأفعال والمواقف التي يكون بها دليلٌ على استواء فطرته. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الأخلاق الحسنة، وأن يجعلنا هداة مهتدين، وأن يصلحنا ويصلح أحوال المسلمين. اللهم أصلح أحوال بلادنا هذه وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين. اللهم أصلح إمتنا وأولات أمورنا، واجعل ولايتنا في من خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.