الدرس في حاشية الأصول الثلاثة لابن قاسم 12، تابع : الأصل الأول-معرفة الله تعالى . الأصل الثاني:معرفة دين الإسلام بالأدلة . مراتب الدين . ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
النذر عبادة يجب إخلاصها لله تعالى، ودين الإسلام يقوم على التوحيد والطاعة والبراءة من الشرك.
ينقسم النذر إلى أقسام، فالنذر المشروط مكروه وقد يكون محرمًا، والنذر غير المشروط مكروه أيضًا.
المقطع يشرح مراتب الدين الثلاث ويوضح أحكام حمل الجنسية الأجنبية، ويبين أهمية أخذ العلم من الكبار والعلماء الثقات.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قوله: «ودليل النذر»، قال: «وأنه عبادة»، قال: أي وأنه عبادة يجب إخلاصها لله تعالى. والنذر في اللغة الإيجاب والإلزام، إيجاب وإلزام النفس. قال: ومنه قولهم: «نذرت دم فلان»، أي إذا أوجبته. وشرعًا: إيجاب المكلف على نفسه ما ليس بواجب عليه شرعًا، تعظيمًا للمنذور له. وحكمه: اختلف أهل العلم فيه، والصحيح الذي دلت عليه الأدلة أن النذر ينقسم إلى أقسام. فما كان منه مشروطًا فهو مكروه، بل حكم عليه بعض أهل العلم بالتحريم إذا كان معه سوء ظن بالله سبحانه وتعالى؛ لأن صاحبه أساء الظن بالله عز وجل، فعامل ربه بالمقايضة: «إن تشفى مريضي أصوم كذا وكذا، إن توفقني لكذا أصلي كذا وكذا، إن يكون لإبني كذا أفعل كذا وكذا». هذا النذر المشروط مكروه، وبعض أهل العلم ذهب إلى أنه محرم إذا كان معه سوء ظن بالله سبحانه وتعالى. وقسم منه ليس مشروطًا، ليس فيه شرط، لكن يقول: «لله علي أن أفعل كذا، لله علي أن أصوم كذا». وهذا كذلك على الصحيح من أقوال أهل العلم مكروه؛ لأن هذا الإنسان ألزم نفسه بشيء لم يلزمه الله به سبحانه وتعالى، ولعله لا يستطيع، فيكون قد أوقع نفسه في الحرج. والله سبحانه وتعالى رحيم بنا. لكن إذا أردت أن تتطوع لله تطوعًا من دون إلزام، من دون نذر، تطوع لله بأنواع التطوعات من دون هذا الإلزام؛ لأن النذر إذا وقع وجب الوفاء به. إذا وقع النذر وجب الوفاء، فهو بمثل اليمين. ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم كفارة النذر كفارة يمين، جعل كفارة النذر كفارة يمين. فلا يجوز للمسلم أن يتساهل في النذر، خصوصًا المشروط منه. وإذا وقع النذر وجب الوفاء به، والله يحب الوفاء بالنذر؛ لأنه من إبرار النذر، فهو مثل إبرار القسم تعظيمًا لله سبحانه وتعالى، ولهذا صار عبادة؛ لأن الله يحب أن يعظم. فإذا فهمنا وعلمنا أن معنى النذر فيه معنى التعظيم والإبرار لمن نذر له، فكيف يجوز أن يصرف لغير الله؟ صرفه لغير الله من أعظم الشرك؛ لأن معنى تعظيم هذا المنذور له. وأعظم من هذا: إن كان النذر مشروطًا، وقصد به جلب خير أو دفع شر، فقد نزل هذا المخلوق الذي أشرك به مع الله منزلة الخالق الرب الذي له صفات الربوبية؛ لأنه لا ينفع ولا يضر إلا الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾، قال: «يوفون بالنذر»، أي يتعبدون لله بما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر، فأثنى الله عليهم بالإيفاء به. فالثناء للوفاء، ليس للعقد. العقد لا يحبه الله، وإنما الذي يحبه الوفاء بالنذر إذا وقع. ولهذا قال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾. ولن تجد في نصوص الكتاب والسنة الوفاء الثناء على عقد النذر، بل جاء على خلاف ذلك. ففي حديث ابن عمر في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «إنما يستخرج أي النذر من البخيل». فالبخيل هو الذي يعامل ربه بالمقايضة: «إما إن تعطيني أعطيك». والله غني سبحانه وتعالى عن خلقه وعباده. قال رحمه الله تعالى: بما قال: فأثنى الله عليهم بالإيفاء به، وهو سبحانه لا يثني إلا على فاعل عبادة. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾، يعني كونه أريد به وجه الله أو لم يرد به وجه الله. قال: يعني وسيجازيكم عليه، فدل على أنه عبادة، فصرفه لغير الله شرك أكبر. وفي الحديث: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، وهو حديث عائشة في الصحيح، بخاري وغيره. والمعنى: من نذر لغير الله فقد أشرك؛ لأن النذر عبادة وطاعة، لا يجوز أن تصرف إلا لله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: وقوله: ﴿كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾، أي منتشرًا فاشيًا عامًا بين الناس، إلا من رحمه الله. ولرحمة الله أسباب، ومن أعظم أسبابها التوحيد. ومن فروع التوحيد أصناف العبادات والطاعات التي يخلص لله عز وجل فيها. فإذا لم يخلص لم ينتفع به، حتى الجهاد في سبيل الله، وحفظ العلم والقرآن، والصدق بأنواعها، ومنه النذر. إذا لم يخلص لله لم ينتفع به، كما في حديث أبي هريرة في الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار. قال رحمه الله تعالى: قوله: «الأصل الثاني معرفة دين الإسلام بالأدلة»، قال: لما فرغ المصنف قدس الله روحه من الأصل الأول وشرحه وبسطه، شرع في ذكر الأصل الثاني من أصول الدين الذي لا ينبني إلا عليها، وهو معرفة دين الإسلام بالأدلة من الكتاب والسنة. والدين: الطاعة والتوحيد، وجميع ما يتعبد به، يعني كله يدخل في معنى الإسلام. فالدين ما يدان لله عز وجل به، وما تدين به الناس. فإن كان لله فهو دين حق، وإن كان لغير الله فهو دين باطل. قال رحمه الله: وقوله: «بالأدلة»، تنبيه على أنه لا يسوغ التقليد في ذلك. فيصير الرجل إن معه بل لا بد أن يكون معه أدلة من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على ما خلق له، يعني من العبادة؛ ليكون على نور وبرهان وبصيرة من دينه. قال رحمه الله تعالى: قولوا: وهو الاستسلام لله بالتوحيد، قال: أي الذل والخضوع لله بإفراده بالربوبية والخلق والتدبير، وإفراده بجميع أنواع العبادة، مشتق من التسليم. قال: من التسليم للمنية، واستسلم فلان للقتل، أي أسلم نفسه وانقاد وذل وخضع. قال رحمه الله: قوله: «والانقياد له بالطاعة»، قال: أي بفعل المأمورات من الطاعات وفعل الخيرات وترك المنهيات والمنكرات، طاعة لله تعالى، وابتغاء وجهه، ورغبة فيما عنده، وخوف من عقابه. قال رحمه الله تعالى، وقوله: «والبراءة من الشرك وأهله»، أي فلابد أن يتبرأ من أهل الشرك في الاعتقاد والعمل والمسكن، بل من كل خصلة من خصالهم، ومن كل نسبة من النسب إليهم، معاديًا لهم أشد معاداة، غير متشبه بهم في قول أو فعل. قال رحمه الله تعالى: وهو ثلاث مراتب، أي قال: المرتبة والرتبة المنزلة العالية. ورتب الشيء ترتيبًا: نظمه وقرن بعضه ببعض. وهذا؛ لأن أدلة الكتاب والسنة دلت على ذلك. فالإسلام هو العمل الظاهر، الأعمال الظاهرة. والإيمان أشد من الإسلام؛ فهو يدخل فيه أعمال القلب. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، فدل أن الإيمان أخص من الإسلام. فكل من أظهر الأعمال الظاهرة فهو مؤمن، ولكن المؤمن من تحقق في قلبه من اليقين والإخلاص، وكذلك التوحيد. ما كان مصدقًا له تلك الأعمال الظاهرة، فهو أعلى مرتبة من الإسلام. وهكذا كذلك الإحسان أخص؛ لأنه يقين صاحبه صار فيه معنى المراقبة، حتى أنه يعبد الله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فهو يعلم وعلى يقين أن الله عز وجل يراه. قال رحمه الله تعالى: وكل مرتبة لها أركان، قال: أي وكل مرتبة من مراتب الدين الثلاث لها أركان لا تقوم إلا عليها. وأركان الشيء أجزاؤه في الوجود التي لا يحصل إلا بحصولها، وداخلة في حقيقته. وسؤال يقول: هل يجوز للمسلم أن تكون له جنسية فرنسية وأمريكية إذا قد ولد هناك؟ فكيف يعيش وهو ملزم بهذا؟ ليس عنده خيار آخر، مع تخفيف الشر وتحاشي ما يوقعه في المخالفات الشرعية. وأما مسلم عنده ما يقوم به في دنياه، ثم يسعى ويجتهد في البحث عن تلك الجنسية، فهذا لا يجوز؛ لأنه أولًا من معنى الموالاة، ثانيًا وهو أعظم: لا يصل إليه إلا بأنواع من المعاصي، بل ربما والعياذ بالله بالكفر. قال: بعض العلماء رخص لبعض الناس، لكن بشروط ولضرورة. كما رخص شيخنا مقبل رحمه الله في فترة سابقة ماضية لبعض الليبيين حين وقع لهم ما وقع من القتل والتتبع من قبل تلك الدولة في ذاك الزمان، أن يأخذوا أي جنسية تيسر لهم، إن تيسرت المسلمة فذاك، وإن لم تتيسر فمن غيرها. وكان في ذاك الزمان من الصعب أن يأخذوا شيئًا إلا تلك الدول تتساهل بأوصاف وشروط، فيبحثون عن الذي هو أخف شرًا لدفع الضرورة ونحو هذا. كلام للشيخ الألباني رحمه الله. قال: ومن الخطأ أن يستغل مثل هذا الكلام فيعمم على كل أحد، فهذا حرام لا يجوز. يقول بعض الناس: يقولون أن علم العقيدة والتوحيد لا يأخذ إلا عن العلماء الكبار، وأنهم علماء الرياض؛ لأنهم هم المختصون، فهل هذا صحيح؟ قال: إن أردت العلماء الكبار ففي أي مكان نعم. وقد يكون هناك علماء يجتهدون بقراءة هذه الكتب وأخذوها عن أهل الاعتناء بها، وهؤلاء لا شك هم أعلم، سواء في الرياض أو في القصيم أو في المدينة أو في مكة أو حتى في اليمن أو في أي بلاد من بلاد الدنيا. وأما تخصيصه بالمكان فهذا ليس بصحيح. قد تجد في الرياض أناس تكفيريون ولهم دروس ويدرسون كتب العقيدة، لكن بفهمهم المنحرف، ليس بفهم المشايخ الموثوقين من مشايخ علماء أهل السنة. قال: وهذا كثير، ربما إنسان يدرس كتاب التوحيد، الأصول الثلاثة، وإذا به يبث الفكر التكفيري من خلال هذه الدروس. فدراسة العقيدة أمرها عظيم، فينبغي أخذها ممن أمن أنه أخذها من أهلها. قال: وهذا المعنى صحيح، إذن من أي مكان، ليس شرق من بلد، إنما أخذه إن استطعت من الكبار أو عمن أخذه عن الكبار، وشهد له بالرسوخ في هذا الباب.