الدرس في شرح مختصر السيرة 108، الدرس الثامن بعد المائة:من( قصة الردة أعاذنا الله منها ... حتى رأى هلال المحرم سنة إحدى عشرة فبعث المصدقين في العرب ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
تنبأ النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالفتن والردة بعد وفاته، وأخبر عن كذابين يخرجان بعد وفاته. كما أخبر عن أمور تنجي من الفتن.
أصر أبو بكر الصديق على قتال المرتدين لمنعهم الزكاة رغم اعتراض بعض الصحابة، وقرر عدم التراجع عن الإسلام.
استشار أبو بكر الصحابة في قتال المرتدين وقرر الاستمرار في الجهاد حتى استعادة ما كانوا يؤدونه في زمن النبي.
اجتمع الصحابة على نفس المنهج النبوي واستمروا في العمل به بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله. يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، في كتابه «مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم»: قصة الردة أعاذنا الله منها. قال: قد تقدم من رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبار بالفتن الكائنة بعده، وإنذاره عنها، وإخباره خاصة عن الردة، يعني وجود ناس يرتدون بعده. وسيشير إلى بعض هذه الأحاديث. قال: من ذلك ما في الصحيح -يعني البخاري ومسلم- فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وجاء في البخاري من حديث ابن عباس، قال: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه -لا أعرفه- ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد. ويراجع هل جاء معناه في أحد الصحيحين أو فيه معناه. بأسيد. وإلا في الحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وفي البخاري من حديث ابن عباس، قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بينما نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب، فكرهتهما، فنفختهما، فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان». وهذان الكذابان إشارة إلى الردة، وهو الأسود العنسي ومسيلمة الكذاب. وقد قتل الأسود العنسي فيروز الديلمي، وقتل مسيلمة وحشي، كما روي في السير. والشاهد في هذا الحديث إخبار بحصول ردة بعده عليه الصلاة والسلام، وقد وقع بعضها في زمنه عليه الصلاة والسلام. وفيه كذلك بيان شيء من تأويل الرؤى، وأن من رأى في منامه أنه يفعل شيئًا محرمًا، فإن زال في آخر المنام، فهو شيء من الشر يزول عنه. إن ظهر في المنام أنه يكرهه وزال عنه، فهو شيء من الشر يزول عنه، كما في هذا الحديث: «في يدي سوارين من ذهب». والذهب لا يجوز للرجال. قال: «فكرهتهما» كره لباس الذهب، «فنفختهما فطارا، فأولتهما كذابين يخرجان». قال: وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من نجى منهن فقد نجى: من موتي، ومن قتلي، خليفة مصطبر بالحق معطيه، ومن الدجال». وهذا الحديث لم يتيسر لي الوقوف عليه بهذا اللفظ، لكن جاء معناه عند ابن أبي عاصم من حديث ابن حوالة: «من نجى من ثلاث فقد نجى ثلاث مرات». قالوا: ماذا؟ فذكر هذا الحديث، وهو حديث حسن. وأما من حديث ابن مسعود فيحتاج إلى مراجعة، لم يتيسر لي الوقوف عليه في مسند الإمام أحمد. قالوا في الصحيح: والشاهد منه أن في هذا الحديث ذكر لبعض الفتن التي تقع بعد موته عليه الصلاة والسلام. قالوا في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر، وكفر من كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها». فقال أبو بكر: «فإن الزكاة من حقها». والله لا أقاتل الناس إلا من فرق بين الصلاة والزكاة. والله لو منعوني عناقًا -والعناق صغير المعز- كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق. قال عمر: والله لرجح إيمان أبي بكر... قال: لو رجح -والله لرجح- إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة جميعًا. لعله هكذا خبر. قال: والله لرجح إيمان أبي بكر بإيمان هذه الأمة جميعًا في قتال أهل الردة، يعني لصار راجحًا بموقفه وتباته، رضي الله عنه وأرضاه. قال: وذكر يعقوب بن سعيد، والحديث كما أشار أصله في الصحيحين، في صحيح البخاري ومسلم، قال: وذكر يعقوب بن سعيد بن عبيد، ومحمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن جماعة، قالوا: كان أبو بكر أمير الشاكرين الذين ثبتوا على دينهم، وأمير الصابرين الذين صبروا على جهاد عدوهم، وهم أهل الردة. وهذا الأثر كما ترون مرسل، ومعناه صحيح، يؤيده ما سبق من الأحاديث. وأما المرسل فهو من قسم الضعيف، وبعض أهل العلم يحسنه لكثرة ما روي من مراسيل في هذا الباب. قال: وذلك أن العرب افترقت في ردتها، وقالت فرقة: لو كان نبيًا ما مات. وقالت فرقة: إنقضت النبوة بموته، فلا نطيع أحدًا بعده. وفي ذلك يقول قائلهم: أطعنا رسول الله ما كان بيننا فيا لعباد الله من لأبي بكر أيورثها بكر إذا مات بعده فتلك لعمر الله قاصمة الظهر وأمثال هؤلاء كفرهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم. قال: وقالت فرقة: نؤمن بالله. وقال بعضهم: نؤمن بالله ونشهد أن محمدًا رسول الله، ولكن لا نعطيكم أموالنا. فجادل الصحابة أبا بكر رضي الله عنهم، وقالوا: احبس جيش أسامة، فيكون أمانًا بالمدينة -يعني ليحفظ أهل المدينة- قال: وارفق بالعرب حتى يتفرج هذا الأمر. فلو أن طائفة ارتدت، قلنا: قاتل بمن معك من ارتد. وقد أصفقت العرب على الارتداد -يعني أطبقوا- كادوا جميعًا أن يتفقوا على عدم الطاعة لأبي بكر رضي الله عنه، وحصول ما سبقت الإشارة إليه. قال: وقدم على أبي بكر عيينة بن حصن والأقرع بن حابس في رجال من أشراف العرب، فدخلوا على رجال من المهاجرين، فقالوا: إنه قد ارتد عامة من وراءنا عن الإسلام، وليس في أنفسهم أن يؤدوا إليكم ما كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن تجعلوا لنا جعلًا كفيناكم -يعني اجعلوا لنا شيئًا من المال نكفيكم شر هؤلاء-. قال: فدخل الصحابة على أبي بكر، فعرضوا عليه ذلك، وقالوا: نرى أن تطعم الأقرع وعيينة طعمة يرضيان بها، ويكفيان كمن وراءهما حتى يرجع إلينا أسامة وجيشه، ويشتد أمرك. فإن اليوم قليل في كثير. فقال أبو بكر: فهل ترون غير ذلك؟ قالوا: لا. قال: قد علمتم أن من عهد نبيكم إليكم المشورة فيما لم ينض فيه أمر من نبيكم -يعني فيما ليس فيه نص- فالمشورة كما كان يفعل فيه النبي عليه الصلاة والسلام. قال: ولا نزل به الكتاب عليكم، وأنا رجل منكم تنظرون فيما أشير به عليكم. وإن الله لن يجمعكم على ضلالة، فتجتمعون على الرشد في ذلك. فأما أنا فأرى أن ننبذ إلى عدونا، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر. وأن لا ترشون على الإسلام -ومعنى أي أن لا ترضوا نقصًا في الإسلام- بل ينبغي أن تقفوا وقفة من يحب الدين ويدافع عنه. قال: فنجاهد عدوه كما جاهدهم أي النبي عليه الصلاة والسلام. والله لو منعوني عقالًا -والعقال معروف، الخيط الذي يستعمل في أشياء كثيرة، قد تربط به الدابة، وقد يلف على العمامة، وقد يكون لحمل المتاع، ولغير ذلك- قال: لأجاهدنهم عليه حتى آخذه -يعني لن يترك لهم شيئًا كان يؤدونه في زمن النبي عليه الصلاة والسلام- لأنه يرى أن ذلك من التغيير والتبديل، والواجب بقاء الدين كما كان. قالوا: أما قدوم علينا وأصحابه إليكم، فهذا أمر لم يغب عنه علينا هو راضيه ثم جاء له -ومعنى أن علينا من هؤلاء الذين عندهم عدم الرضا والردة-. قال: ولو رأوا ذباب السيف لعادوا إلى ما خرجوا منه أو أفناهم السيف فإلى النار. ومعنى لو رأوا وقوفكم وثباتكم وقتالكم خافوا ورجعوا للحق، أو من مات منهم فموت إلى النار. قال: قتلناهم على حق منعوه، وكفر اتبعوه -يعني لا يقل قائل أن قتلناهم ظلمًا-. قال: فبان للناس أمرهم، فقالوا له: أنت أفضلنا رأيًا، ورأينا لرأيك تبع. فوافقوه، وكانت المشورة منتهية بقتال أهل الردة. قال: فأمر أبو بكر رضي الله عنه الناس بالتجهز، وأجمع على المسير بنفسه. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صدر من الحج سنة عشر، وقدم المدينة أقام حتى رأى هلال المحرم سنة إحدى عشرة، فبعث المصدقين في العرب. ومعنى أنهم اجتمعوا على ما كانوا عليه زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان ذلك أن يفعل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأراد إمضاه واستمرار عليه، فبقي والأمر على ما هو عليه. طيب إلى هنا والله تعالى أعلم.