الدرس في التعليق على شرح الشيخ العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام 10، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتحدث الشيخ عن الوجه الخامس من أوجه إبطال قول من ألحق بعض المفطرات بالصيام، وهو أن الصيام يمنع الأكل والشرب والجماع ويضعف الشيطان. كما يشير إلى أن الصيام يحبس الشياطين ويضعفهم، مما يؤدي إلى الإقبال على الطاعات.
يناقش المقطع حكم استخدام الكحل والحقنة أثناء الصوم، ويبين أنها لا تعتبر مفطرة لأنها لا تدخل من مدخل الطعام والشراب. كما يشير إلى أن الأحكام الشرعية تستند إلى النصوص والإجماع.
يشرح الشيخ تعليل كون الجماع مفطرا لعلتين: الاستفراغ والشهوة، ويوضح أن الشهوة هي العلة الأوضح. كما يبين أن الجماع يحرك الشهوة والدم أكثر من الأكل، مما يبرر كونه مفطرا.
يتناول المقطع أحكام الاعتكاف وضرورة اعتزال الناس، ويجيب على أسئلة تتعلق بتدريس كتب الفقه، وحكم كثرة الرؤى في المنام، وأحكام قضاء الصيام لمن فاتها رمضان السابق.
يصر إخوانكم بموقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام بن تيمية، رحمهم الله تعالى. تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس العاشر. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، هذا هو المجلس العاشر من مجالسنا في القراءة والتعليق في كتاب حقيقة الصيام لشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله، مع تعليق شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى، بالوقوف على ما يتيسر من كلامه رحمه الله. وانتهينا في الدرس الماضي إلى الكلام على الوجه الرابع مما ذكره رحمه الله من الأوجه التي يجيب فيها على بطلان قول من قال بإلحاق بعض المفطرات وهي ليست كذلك، كالكحل ونحوه مما أشار إليه رحمه الله. وقبل البداية بدرسنا، تنبيه لما سبق في قول المؤلف رحمه الله: «وهو متولد عن ما استنشق من الماء». وقد مر معنا أن شيخنا رحمه الله ذكر في التعليق: كأن في العبارة سقط، وذلك لأن عود الضمير ليس بظاهر. فكأن هناك سقط، ولكن نبهني بعض الأفاضل، وعودًا على ما ذكره رحمه الله، أنه يمكن بشيء من التأمل - والله أعلم - ممكن بشيء من التأمل ندرك أن العبارة كأنه ليس فيها سقط، وذلك أن قوله رحمه الله: «وهو متولد عن ما استنشق من الماء» يعود إلى ما ذكر قبل ذلك من أمر الدم المتولد من الطعام والشراب. فكأنه قال: كما تقدم حين ذكر أن الماء الذي هو من الشراب، وكذلك الأكل يتولد منه الدم الكثير الذي يجري فيه الشيطان، فيضيق على الشيطان بالصوم، وذلك أن لا يدخل إلى الجوف شيء من الطعام والشراب. فلذلك كان المبالغة في الاستنشاق، وقد سبق الكلام على هذا في الصفحة التي قبلها: أنه أي المبالغة في الاستنشاق مظنة دخول الماء الذي يتقوى به الجسد ويتكون منه الدم الذي هو يقوى الجسد. فما كان بمعنى ذلك، أي أنه فيه معنى الطعام والشراب الذي يتقوى به الجسد، فإنه يحصل به الإفطار، وليس كذلك في الكحل ونحوه. إذن قوله: «وهو متولد عن ما استنشق من الماء» أي: الدم الكثير يتولد من الطعام والشراب، ومن الشراب الماء الذي قد يدخل بالخطأ أو بالمبالغة، لكن معفو عن الخطأ كما تقدم، والمبالغة وتعمده لا يجوز. وهذا هو قوله: «لأن الماء مما يتولد منه الدم» إلى آخر كلامه رحمه الله. قال رحمه الله تعالى: «الوجه الخامس: أنه ثبت بالنص والإجماع منع الصائم من الأكل والشرب والجماع». وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم». تقدم معنا أنه حديث صفية في الصحيحين، وفيه قصة، وجاء معناه في صحيح مسلم من حديث أنس رضي الله عنهم أجمعين. والشاهد منه قوله: «يجري من ابن آدم مجرى الدم»، أي: أن الشيطان يتقوى بكثرة الدم الذي يزيد، أي: الدم بالطعام والشراب. فلذلك أمر بالصيام؛ لأن الصيام يضيق - يقلل - الدم، فيضيق جريان الشيطان فيه. وهكذا الشاب أمر لأجل ألا يعين الشيطان على نفسه بالصيام إذا لم يستطع الزواج. يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء - أي: يحفظه من أن يتقوى الشيطان عليه - مع ما في الصوم من جلب التقوى وتزكية وتهذيب النفس، فيكون أدعى لطاعة الله وأحفظ أن يقع في شيء من المعاصي. قال رحمه الله تعالى: «ولا ريب أن الدم يتولد من الطعام والشراب، وإذا أكل أو شرب اتسعت مجاري الشياطين». ولهذا قال: «فضيقوا مجاريه بالجوع». تقدم معنا أن هذا اللفظ لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن معناه صحيح كما في حديث ابن مسعود المتقدم: «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصاء؛ فإنه له وجاء». وغيره من الأحاديث الأخرى. قال: «وبعضهم يذكر هذا اللفظ مرفوعًا». ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين». يشير إلى حديث أبي هريرة في الصحيحين، ولكن بلفظ: «وسلسلت الشياطين». وأما لفظ: «وصفدت الشياطين» فهو رواية لحديث أبي هريرة، لكن في صحيح مسلم تفرد بهذا اللفظ مسلم رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «والشاهد من هذا الحديث قوله: "وصفدت الشياطين"». هكذا لفظ الإمام مسلم. وفي لفظ الصحيحين: «وسلسلت الشياطين». وهي تسلسل من جهتين: أولًا: أنها تحبس وتسلسل، فلا تؤذي بني آدم ولا تتسلط عليهم كما هو الحال في غير رمضان. ولهذا جاء في بعض الأحاديث والروايات: أن السلسلة تكون لكبار الشياطين؛ لأنه قد يقول: كيف يعصى الرب سبحانه وتعالى في رمضان؟ كيف تقع المعصية بغير وسوسة الشيطان؟ فيقال: هؤلاء صغار الشياطين. والوجه الثاني: أنه بالصيام يضيق على الشيطان، حتى هذا الصغير الذي لم يسلسل ولم يصفد؛ بالصيام يضيق عليه؛ لأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم. فإذا صام الإنسان ضيق مجرى الدم بقلة الدم؛ لعدم وجود الطعام والشراب الذي يكثر الدم. فيتقوى على الإنسان، فيصير الشيطان ضعيفًا. مع ما في الصيام من معاني التقوى والتزكية والتهذيب التي يحصل بها تقوى الله والإقبال على الطاعات والانكسار والبعد عن المعاصي. ولهذا نرى المسلمين في شهر رمضان عندهم من الإقبال على الطاعات والعزوف والبعد عن المعاصي والسيئات ما لا نراه في غير شهر رمضان؛ لهذين المعنيين وغيرها من المعاني التي تجلب تقوى الله في شهر رمضان. قال رحمه الله تعالى: «فإن في مجاري الشياطين - الذي هو الدم - قال الشيخ معلقًا: لعل الصح: "لأنه" - جمع - قال: "ضاقت"». وإذا ضاقت انبعثت القلوب إلى فعل الخيرات التي بها تفتح أبواب الجنة، وإلى ترك المنكرات التي بها تفتح أبواب النار. وصفدت الشياطين؛ فضعفت قوتهم وعملهم بتصفيدهم؛ فلم يستطيعوا أن يفعلوا في شهر رمضان ما كانوا يفعلونه في غيره. ولم يقل: «إنهم قتلوا» أو «ماتوا»، لعله - ولا ماتوا - قال: «صفدت». والمصفد من الشياطين قد يؤذي، لكن هذا أقل وأضعف مما يكون في غير رمضان. وكما تقدم معنا: هذا أحد الوجهين، والوجه الآخر ما تقدم. قال: «لكن هذا أقل وأضعف مما يكون في غير رمضان؛ فهو بحسب كمال الصوم ونقصه». فمن كان صومه كاملًا دفع الشيطان دفعًا لا يدفعه الصوم الناقص. فهذه المناسبة ظاهرة في منع الصائم من الأكل والشرب. والحكم ثابت على وفق كلام الشارع. وقد دل على اعتبار هذا الوصف وتأثيره. وهذا المعنى منتفي في الحقنة والكحل وغير ذلك؛ يعني الحقنة الشرجية التي ليست هي بطعام ولا شراب، ولا هي فيها هذا المعنى. وكذلك الكحل، وكل ما كان بمعنى هذين المعنيين مما ليس هو بطعام ولا شراب، ولا يدخل من مدخل الطعام والشراب، وهو ليس كذلك. قال رحمه الله: «فإن قيل: بل الكحل قد ينزل إلى الجوف، فيستحيل دمًا - إلى هذا - كما قد يقال في البخار الذي يصعد من الأنف إلى الدماء، فيستحيل دمًا. وكالدهن الذي يشربه الجسم - يعني: ليس من الفم، إنما يوضع على الجلد أو في موضع الجراح - قال: والممنوع منه إنما هو ما يصل للمعدة، فيستحيل دمًا ويتوزع على البدن». يعني: لو حصل مثل هذا - وهذا كله من باب التنزل، احتمالات من باب التنزل - وإلا الأمر ليس كذلك. لو حصل هذا ما ضر؛ لأن الشرع لم يعتبر هذا المعنى مفطرًا من المفطرات. وهذا الباب توقيفي؛ لأنها عبادة، فلا يجوز أن نتقول على الله ولا على رسوله ولا على دين الله بغير علم كما تقدم معنا. ولا تخف ما ليس لك به علم؛ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولًا. قال رحمه الله: «ونجعل هذا وجهًا سادسًا، فنقيس الكحل والحقنة ونحو ذلك على البخور والدهن ونحو ذلك». يعني: الكحل والحقنة أشبه ما يكون بالبخور والدهن مما وليس بمفطر؛ من أن يكون أشبه بالطعام والشراب الذي هو مفطر. قال: «لجامع ما يشتركان فيه من أن ذلك ليس مما يتغذى به البدن، ويستحيل في المعدة دمًا». وتقدم معنا معنى ذلك. فإذن: لا يجوز إفساد الصوم بهذه الأقيسة الفاسدة التي هي ليست بصحيحة. وهنا تنبيه: نبه الشيخ رحمه الله في قوله: «وهذا المعنى منتفي في الحقنة». قال: «في نسخة: "وهذا المنع"». والظاهر أن الصواب ما هو في الأصل عندنا: «وهذا المعنى». قال رحمه الله: «وهذا الوصف هو الذي أوجب أن لا تكون هذه الأمور مفطرة». وهذا موجود في محل النزاع. والفرع قد يتجاذبه أصلان، فيلحق كل منهما بما يشبه من الصفات المعتبرة في الشرع. وقد ذكرنا الصفة المعتبرة في الشرع. فإن قيل: طيب، معناه أنه لو لم نعرف حكم شيء وأردنا أن نعرف حكمه بالقياس، وصار يتجاذب هذا الشيء أمران، فينبغي أن يلحق بأكثره ما شبها. فالكحل والحقنة أشبه ما يكون بالدهن والبخور؛ من أن يشبه بالطعام والشراب. فلذلك لا يصلح - لا من قريب ولا من بعيد - لا بدليل ولا بتعليل صحيح أن يلحق الكحل والحقنة وما كان بمعنى هذين بالطعام والشراب. قال رحمه الله: «فإن قيل: فلو أكل ترابًا أو حصى أو غير ذلك مما لا يغذي غذاء نافعًا؟ قيل: هذا تطبخه المعدة، واستحيل دمًا ينمي عنه البدن، لكنه غذاء ناقص؛ فهو كما لو أكل سمًا أو نحوه مما يضره». وبمنزلة من أكل أكلا كثيرًا أورثه تخمة ومرضًا؛ فكان منعه في الصوم عن هذا أوكد؛ لأنه ممنوع عنه في الإفطار؛ ففي الصوم أوكد. وهذا كمنعه من الزنا؛ فإنه إذا منع من الوطء المباح، فالمحظور أولى - أو لا - فإن قيل: «فالجماع مفطر، ودم الحيض مفطر، وهذه العلة منتفية فيهما» - يريد التغذي والاستحالة أولًا - قوله رحمه الله: «لو أكل ترابًا إلى آخره» يريد أنه قد يجادل مجادل فيقول: كيف تقولون بالإفطار في أكل التراب والحصى، وهو ليس طعام وشراب، وليس بمعنى الطعام والشراب؟ ولا تقولون في الكحل والحقنة؟ فأجاب رحمه الله: بأن الطعام والشراب مثله مثل أكل السم؛ ما كان بمعنى؛ لأن الجسد لا ينتفع به ويتضر؛ فمن أكل الحلال المباح وصار به مفطرًا، فإذا كان أكل الممنوع الضار - وهو كذلك - من باب أولى يكون مفطرًا. ومثله مثل الوطء؛ الوطء الحلال ممنوع؛ فإذا بطء وطءًا حرامًا فهو كذلك ممنوع؛ يفسد الصوم من باب أولى؛ مع ما فيه من الإثم. هذا وجه، والوجه الثاني: أن يقال: أن أكل التراب وما كان بمعنى مما هو ليس بطعام وشراب هو وقع في معنى الأكل والشرب، ولكن الكحل والحقنة لم يقع على وجه الأكل والشرب؛ إذن لا وجه للقياس أصلا؛ فهو قياس غير صحيح؛ فلا يلزم أن يلحق الكحل بمن أكل التراب والحصى؛ لماذا؟ لأن التراب والحصى وإن لم يكن طعامًا ولا شرابًا - بغض النظر أن الجسم ينتفع به أو لا ينتفع - هو أصلا دخل مدخل الأكل والشراب، وليس الكحل كذلك، وليس ذي الحقنة كذلك؛ فإذن هذا قياس مع الفارق؛ ليس بالصحيح. وقوله رحمه الله: «فإن قيل: فالجماع مفطر، ودم الحيض مفطر، وهذه العلة منتفية فيهما»؛ يعني: يريد رحمه الله أن يقول: قد يجادل مجادل من هؤلاء فيقول: كيف قلتم أن الجماع مفطر، وهو ليس فيه معنى التغذي والاستحالة التي سبقت الإشارة إليهما - أي: استحالة الطعام والشراب لدم - وهكذا دم الحيض. قال رحمه الله مجيبًا على هذا: «قيل: تلك أحكام ثابتة بالنص والإجماع؛ فلا يحتاج إثباتها إلى القياس». بل يجوز أن تكون العلل مختلفة؛ فيكون تحريم الطعام والشراب والفطر بذلك لحكمة، وتحريم الجماع والفطر به لحكمة، والفطر بالحيض لحكمة. فإن الحيض لا يقال فيه: إنه يحرم. وهذه لأن المفطرات بالنص والإجماع لما انقسمت إلى أمور اختيارية تحرم على العبد؛ كالأكل والجماع - وإلى أمور لا اختيار له فيها؛ كدم الحيض - كذلك تنقسم عللها. يشير رحمه الله: أن هذا أولًا دل عليه النص؛ فقوله: «تلك أحكام ثابتة بالنص والإجماع» يريد: الجماع والحيض. وقد تقدم معنا أن الشرع ذكر المفطرات وأسبابها؛ وأنها لم تنحصر بالطعام والشراب؛ لأننا ندور مع الدليل حيث دار. تقدم معنا من كلام الإمام ابن القيم رحمه الله: أن أسباب الفطر: الحيض والخوف والسفر والمرض. فالحاصل: ينبغي أن ندور مع الدليل حيث دار. هذا وجه، والوجه الآخر: أن يقال: مهما يكن من شيء، فليس في هذا - لا من قريب ولا من بعيد - أن يقاس الكحل والحقنة وما كان بمعناها به؛ فإنه لا يصلح أن نقول: الكحل مفطر، والحقنة الشرجية مفطرة؛ لأنها مثل الجماع أو مثل دم الحيض؛ أبدًا لا يمكن أن يقال هذا؛ لا بدليل ولا بتعليل؛ لا بنص ولا بقياس. فإذن: فسد قولهم هذا. وقد أشار شيخنا رحمه الله تعالى كذلك في تعليقه على الكلام الأول. وهذا من باب إتمام الفائدة في مسألة أكل التراب؛ ذكر استطرادًا رحمه الله: بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يربط على بطنه الحجر من الجوع؛ لأن المعدة تتلاءم؛ فلا تتسع؛ فلا يحتاج إلى الطعام بهذا الربط. فقال الشيخ رحمه الله: «كذلك نقول هنا: أن أكل ما لا يغذي لا يرد ها هنا» - يعني: لا يصلح الاستدلال به - قال: «لسببين: السبب الأول: أنه داخل في العموم؛ فيسمى أكلا وشربًا». أي: أكل التراب وما كان بمعنى - بما ليس هو مغذي، ولا يستحيل دمًا - حصل معه الأكل. قال: «والسبب الثاني: أنه يملأ المعدة؛ فيحصل به تلاءم المعدة؛ فيمنعه من الجوع». إذن: هل التلاءم المعدة مفطر من المفطرات؟ الجواب: لا. لكن ما كان يدخل من جهة مدخل الطعام والشراب؛ فهو مفطر؛ لكونه يدخل من جهة الطعام والشراب. ولذلك صارت الملاءمة التي من خارج؛ كوضع الحجر وربطه على البطن؛ ليس بمفطر. وأشار رحمه الله إلى الكلام على الخرز، واختلف أهل العلم فيها. ومع ذلك اختلف كلام أهل العلم باختلافه في معنى التراب والحجر الذي قد يتفتت. ومع ذلك يقال: الأحوط ألا يتساهل في هذا؛ فدخوله مفطر. فإن قيل: فكيف بالناظور وما كان بمعناه الذي قد يدخل ويخرج؟ هل يدخل في حكم الخرز؟ وفي حكم كذلك الحصى والتراب؟ الجواب: لا؛ لأن الذي يتعمد الأكل؛ فهو بتعمده هذا فعل ما يشبه الطعام والشراب. أما من لم يتعمد الأكل، وإنما - مثلا - دخلت الخرز خطأ، أو أدخل الناظور للعلاج والفحص؛ فهذا ليس طعام وشراب، ولا دخل مدخل الطعام والشراب. وكونه أدخل وأخرج من هذا المكان؛ هذا لا حرج فيه. والشرع لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع. وهكذا نقول ها هنا - والله أعلم - قال رحمه الله تعالى - أي: شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله - قال: «فنقول: أما الجماع؛ فإنه باعتبار أنه سبب إنزال المني؛ يجري مجرى الاستقاء والحيض والاحتجام - كما سنبينه إن شاء الله تعالى - فإنه من نوع الاستفراغ؛ لا الامتلاء؛ كالأكل والشرب». يعني: لا يصلح أن يقاس الكحل والحقنة والحقنة الشرجية بالجماع؛ لأن الجماع معناه معنى الاستفراغ. وتقدم معنا: أننا ندور مع الدليل حيث دار. كذلك لا يصلح أن نقول: كل استفراغ مفطر؛ لماذا؟ لأن الدليل لم يدل على هذا التعميم. فما دل الشرع على أنه مفطر؛ فهو مفطر. ولم يدل - ومن لم يدل الشرع على أنه مفطر - فليس من مفطر. ولهذا وقع الخلاف في القيء على الأقوال التي سبقت الإشارة إليها. وعلمنا الراجح في ذلك كما تقدم. ومن باب أولى ما هو دون القيء من معاني الاستفراغ الكثيرة؛ فليس كل استفراغ ما في الجسد وما في الجوف يكون مفطرًا. فمثلا: استفراغ المعدة من الأسفل بالإسهال ونحوه؛ هو استفراغ؛ ويخرج به الطعام والشراب - خصوصا إذا كان مريضًا - ومع ذلك ليس مفطرًا؛ هو يفطر لأجل المرض؛ له الرخصة في ذلك؛ لكن ليس لأنه استفرغ صار مفطرًا. كذلك لو حصل الاستفراغ بكثرة خروج العرق الذي يكون سببًا في إضعاف الجسد - سواء برياضة أو جهد أو شدة حر أو نحوه - فهذا الاستفراغ ليس هو مفطرًا. وإن كان تعب الجسد ومرضه قد يكون سببًا للإفطار؛ لكن ليس هذا الخارج هو بحد ذاته مفطرًا. ومثله على الصحيح: إخراج الدم - سواء خروجه ودخوله - كالذي عنده فشل كلوي يحتاج إلى تصفية الدم بالأجهزة؛ فالصحيح أن مثل هذا ليس بمفطر. كذلك الذي يتبرع بالدم؛ الصحيح أنه ليس بمفطر؛ لكنه يضعف الجسد؛ ولهذا صار من معاني الاحتجام: ضعف الجسد؛ كما سيأتي الكلام على الاحتجام إن شاء الله. فإذن: ليس كل استفراغ يعد مفطرًا؛ بل ندور مع الدليل حيث دار. قال رحمه الله: «ومن جهة أنه إحدى الشهوتين؛ فجرى مجرى الأكل والشرب». أي: الجماع. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن الله تعالى قال: «الصوم لي وأنا أجزي به؛ يدع شهوته وطعامه من أجلي». يعني: أن نترك الشهوة من تمام الصيام الذي أمر الله عز وجل به. قال: «فترك الإنسان ما يشتهيه لله وعبادة مقصودة؛ يثاب عليها كما يثاب المحرم على ترك معتاده من اللباس والطيب ونحو ذلك من نعيم البدن». والجماع من أعظم نعيم البدن وسرور النفس وانبساطها؛ وهو يحرك الشهوة والدم والبدن أكثر من الأكل؛ يعني: لأجل هذا صار الجماع مفطرًا من المفطرات. إذن كما قال الشيخ رحمه الله معلقًا - شيخنا محمد بن صالح العثيمين -: «الجماع تتجاذبه علتان: العلّة الأولى: الاستفراغ، والعلّة الثانية: الشهوة». فالاستفراغ مقيس على الحجامة والقيء، والشهوة مقيسة على الأكل والشرب. وأشار الشيخ رحمه الله: أن العلّة الأخيرة - أي: الشهوة - أوضح وأظهر وأعم. ولكن كما تقدم معنا: نحن أثبتنا هذا بالدليل الذي به عرفنا التعليل؛ لأجل ألا نعمم؛ فنقول: كل استفراغ يكون له نفس الحكم، ولا كل شهوة لها نفس الحكم. فالشهوة التي لا يكون معها الإنزال؛ كالتقبيل والمباشرة؛ ليست بمفطرة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم - من قوله وفعله - ما يدل على ذلك؛ بخلاف لو أنزل؛ فإن عموم الدليل يدل أنه يحصل به الإفطار. فليس الإفطار بالجماع؛ بل بالإنزال؛ ولو جامع ولم ينزل؛ كذلك أفطر. إذن هما علتان: علة الاستفراغ الذي هو الإنزال، وعلة الشهوة الذي هو الجماع. فلو أنزل من دون جماع؛ أفطر. ولو جامع من دون إنزال؛ أفطر كذلك. ولو جامع بإنزال؛ تأكد الفطر؛ لأنه حصل إنزال وجماع؛ والدليل دل على كلا الأمرين؛ فننتبه لهذا. فنحن ندور مع الدليل حيث دار. قال رحمه الله تعالى: «قال: وهو يحرك الشهوة والدم والبدن أكثر من الأكل». يعني: الجماع. فإذا كان الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، والغذاء يبصّد الدم الذي هو مجاريه - يعني: يزيد - فإذا أكل أو شرب؛ بسط نفسه إلى الشهوات؛ وضعفت إرادته ومحبته للعبادات. فهذا المعنى في الجماع أبلغ - يعني: يحصل هذا الانبساط بالجماع - مع أنه استفراغ، أو حتى مباشرة وليس باستفراغ. لكن كما تقدم معنا: في أول هذا الكتاب: الأمور الشرعية ليست عقلية؛ بل هي تعبدية. فقد ينظر إلى الشيء من جهة الحس، وقد ينظر إلى الشيء من جهة المعنى. وهذا في باب الطهارة، في باب الصلاة، في باب الصيام، في باب الحج، في أبواب كثيرة. فمثلا: في باب الطهارة كما تقدم معنا من نواقض الوضوء: أكل لحم الإبل؛ وهو أمر معنوي؛ ليس حسي. وهكذا كذلك في باب الصيام ها هنا؛ قد يقع الإفطار بأمر معنوي؛ ليس حسي. مع أن فيه شيء من الحس؛ لكن ليس هو كغيره. فمثلا: الجماع من دون إنزال؛ ليس فيه استفراغ؛ وليس فيه معنى الطعام والشراب الذي يتغذى به الجسد. لكن لأنه تتغذى به الروح؛ الذي به يكون حركة الدم فيها من القوة ما يضعف الإنسان على العبادات والطاعات؛ صار الجماع كذلك مفطرًا من المفطرات؛ لأن من حكمة الصيام: إعانة هذا الجسد على تقوى الله. والجماع لا يفعل ذلك. ولهذا لما طلب الصائم في العشر الأواخر بالاعتكاف - كثرة التقرب إلى الله - منع من مخالطة الناس؛ الذي به ماذا؟ تنشرح نفسه. وهكذا كذلك الجماع؛ حتى في الليل - يعني: ليس من كمال الصيام، ليس من كمال الاعتكاف - ولا يبطل الاعتكاف في هذا؛ خلاف سيأتي الكلام عليه إن شاء الله: هل يبطل الاعتكاف إذا جامع المعتكف في ليل رمضان؟ الجواب: لا يبطل الاعتكاف؛ ولكنه قد يضعف الاعتكاف؛ وهذا هو الواقع. ومثله المعتكف المخالط للناس المنشغل بالقيل والقال؛ لم يحصل له معنى الاعتكاف؛ فنقص بذلك أجر اعتكافه. ولهذا شرع للمعتكف أن يعتزل الناس؛ وأن ينشغل بعبادة ربه وطاعته. وإذا احتاج؛ فكما قالت عائشة: «يمُرّ مرورًا» إذا زار مريضًا أو غيره؛ لماذا؟ لأنه يريد أن يوجه جسده في عبادة الله. وهذه الأمور الأخرى منافية لذلك؛ فلهذا هو يعتكف. طيب، نقف عند هذا الحد لانتهاء الوقت، ونكمل إن شاء الله في درس لاحق. وننظر إن شاء الله الآن ما تيسر من الأسئلة. يقول السائل: ما رأيكم في تدريس كتاب عمدة الفقه للمقدسي رحمه الله؟ هذا الكتاب من أجود كتب الحنابلة. وكما تقدم معنا: معرفة مقاصد أهل الكتب مهم جدًا لطالب العلم. لكن مع ذلك كما تقدم وسبق معنا: تدريس الكتب المذهبية فيه خلاف. وباختصار حتى لا يرجع التمذهب من جديد، ويبقى في المجتمع مذاهب وتفرق؛ فإننا لا ننصح - وهذه نصيحة عدد من مشايخنا وعلمائنا وأمتنا قديمًا وحديثًا - لا ننصح بتدريس كتب التمذهب؛ بل ننصح بتدريس الكتب التي فيها الفقه المقارن؛ هذا هو الأفضل والأكمل. وإذا احتيج لتدريس هذه الكتب؛ فتكون مقترنة بشروح أحد العلماء الموثوقين المحققين الذين يعينون على معرفة الراجح؛ فيأخذ الطالب المسائل مع معرفة راجحها من أول الأمر. مثلا: شرح شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أو شروحه، أو بعض المشايخ السلفيين من أهل السنة الذين يعتنون بالتحقيق والراجح؛ كشروح شيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله. ومن كان بمعنى هذا؛ فإنه كذلك يستفاد من كتبه - والله أعلم - طيب، السؤال الثاني: يقول السائل: شخص يشتكي من كثرة الرؤى في المنام، يقول: كلما نام رأى رؤياه. عليك أن تحرص على الأذكار. إن كانت هذه الرؤى تؤذيه؛ يحرص على الأذكار؛ أذكار النوم؛ أذكار المساء؛ ونحوها من الأذكار التي تعين - إن شاء الله - على عدم تسلط الشيطان عليه. ومن ذلك: الحرص والمواظبة على آية الكرسي؛ فهي آية عظيمة. تعرفون حديث أبي هريرة حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدقك وهو كذوب». السؤال الثالث: يقول السائل: ما حكم المرأة التي عليها قضاء، ويدركها رمضان، وهي بقي عليها قضاء من رمضان الماضي؟ الجواب: إن استطاعت أن تصوم؛ صامت. وإلا بقي عليها. ولا يجوز للمرأة أن تتساهل وتفرط؛ حتى يدركها رمضان الثاني. كان عندها سنة كاملة؛ أين هي في هذه السنة؟ أين هي في هذه السنة؟ فإذا حرصت؛ ما ستحتاج لمثل هذا السؤال. لكن مع ذلك إذا ضاق عليها الوقت؛ فتصوم رمضان الحاضر، وما بقي من قضاء العام الماضي تصومه بعد رمضان - بعد رمضان - ليس أنها تقضي أولًا في رمضان؛ ثم تقضي رمضان هذا في ما بعد رمضان؛ هذا ليس بصحيح. بل هي تؤدي رمضان الحاضر؛ وتقضي بعد ذلك؛ إذا لم يتيسر لها قبل رمضان. طيب، نكتفي بهذا. وإلى هنا - والله تعالى أعلم - وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرًا.