الدرس في التعليق على شرح الشيخ العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام 14، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يتطرق الدرس إلى شرح أحاديث الحجامة للصائم ونسخ الرخصة فيها، مع التركيز على التفريق بين الحاجم والمحجوم. يُناقش صحة الأحاديث المختلفة حول الحجامة للصائم.
يناقش المقطع آراء الفقهاء حول تفطير الحجامة والمحجوم، والفروق بين الحجامة والفصاد، مع استعراض آراءهم في مذهب أحمد بن حنبل وغيره. يُبرز الخلافات بينهم في هذه المسألة.
يُناقش حكم الحجامة للصائم، ويبين أن مظنة التفطير هي العامل في الحكم. الراجح عدم القول بالفطر بالحجامة لورود أحاديث تدل على النسخ.
يستعرض آراء العلماء في حكم الحجامة والفصد والشرط في الصيام، ويخلص إلى أن الراجح هو عدم التفطير بالحجامة لما ورد في الأحاديث من رخصة تدل على النسخ.
يصر إخوانكم بموقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمهم الله تعالى. تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الرابع عشر. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله، نحمد ونستعينه ونستغفره، ونعود بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذا هو المجلس الرابع عشر من مجالسنا في القراءة والتعليق على ما تيسر من كتاب «حقيقة الصيام» لشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى، وهكذا ما يتيسر من تعليقات شيخنا محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله تعالى. آخر ما وقفنا عليه ما ذكره رحمه الله في سياق ذكره لبعض الروايات، وما استطرد فيه في سياق كلامه واستدلاله على القول بنسخ أحاديث الحجامة، أي الرخصة في الحجامة وأنها منسوخة كما ذكر رحمه الله بأحاديث المنع. وقد علمنا أن هذا فيه خلاف بين أهل العلم، وأن الراجح خلاف ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى. ونحن في سياق الكلام على مسألة النسخ بأحاديث الحجامة، قال رحمه الله تعالى: «ومما يقوي أن الناسخ هو الفطر بالحجامة أن ذلك رواه عنه خواص أصحابه الذين كانوا يباشرونه حضرًا وسفرًا، ويطلعون على باطن أمره، مثل بلال وعائشة ومثل أسامة وثوبان مولاه، ورواه عنه الأنصار الذين هم بطانته، مثل رافع بن خديج وشداد بن أوس». وفي مسند الإمام أحمد، قال: «حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن قارد، عن السائب بن يزيد، عن رافع بن خديج، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفطر الحاجم والمحجوم». يريد أن يقول رحمه الله: إذا كان هذا الحديث قد روي عن عدد من الصحابة وهم خاصته، كما سمى بلال وعائشة وأسامة وثوبان ورافع بن خديج وشداد، فهذا يؤكد أنه لو كان هناك شيء فيه رخصة لنقل عن هؤلاء أنفسهم. وقد علمنا فيما سبق أنه بالتاريخ، وهكذا بما روي عن بعض الصحابة، علم أن القول بنسخ النهي عن الحجامة أولى من القول بأن الحجامة والنهي عنها، وأنها تفطر هي الناسخة للرخصة. وسيأتي معنا إن شاء الله، خصوصًا أنه روي عن بعض هؤلاء كعائشة رضي الله عنها، كما أبوّب البخاري رحمه الله في صحيحه، وذكر أثرًا عن عائشة أنه كان يحتجمون عندها ولا تنهى عن ذلك. روي عنها ما يدل على خلاف الحديث الذي أشار إليه. وسيأتي أن الحديث الذي أشار إليه فيه ضعف. أورد هنا حديث رافع بن خديج، وقد تقدم معنا أنه حديث رويت فيه روايات كثيرة، وهو حديث حسن أو صحيح. قال أحمد: «أصح شيء في هذا الباب حديث رافع». وتقدم معنا أنه كما قال هذا صحيح. قال: «وقال أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، عن أشعث، عن أشعث الحراني، عن أسامة بن زيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أفطر الحاجم والمحجوم». وهذا الحديث من حديث أسامة بن زيد لا يصح، كما ذكر الحفاظ. وقد أشار إلى ضعف حديث أسامة بالحجامة البخاري رحمه الله في تاريخه، وهكذا صاحب «جامع التحصيل». فالحديث لا يصح. وقد أشار كذلك صاحب «نزهة الألباب» بقول الترمذي: «وفي الباب عن الوائلي». أشار كذلك إلى ضعف هذا الحديث من حديث أسامة، فلا يصح من حديث أسامة رضي الله عنه أرضاه. قال: «وقال أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، قال: حدثنا أبو العلاء، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن بلال، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفطر الحاجم والمحجوم». وهذا كذلك لا يصح، فشهر بن حوشب ضعيف، وفيه كذلك سقط بين شهر بن حوشب عن بلال، وكذلك عنعنة قتادة. ولهذا ذكر الحديث ابن عدي في «الكامل» وأشار إلى ضعفه، فهو لا يصح كذلك من حديث بلال رضي الله عنه. قال: «وقال أحمد: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي، قال: حدثنا يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أفطر الحاجم والمحجوم». وهذا كذلك لا يصح، لأنه من رواية الحسن عن أبي هريرة، ولم يسمع منه. وكذلك جاء عن ابن جريج، وهو كذلك فيه انقطاع. ولهذا أشار البخاري رحمه الله إلى ضعفه، كما في التاريخ. قال رحمه الله: «وقال أحمد: حدثنا أبو النضر، قال: حدثنا أبو معاوية، عن سرح، عن ليث، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفطر الحاجم والمحجوم». وهذا كذلك لا يصح عن عائشة رضي الله عنها، فقد ذكره كذلك النسائي في «السنن الكبرى»، وأشار البخاري في التاريخ أنه لا يصح عن عائشة رضي الله عنها. فإذن لا يصح الحديث عن هؤلاء. ولو صح كما تقدم معنا، فإنه قد جاء بثلاثة أحاديث ما يدل على نسخ هذا الحديث بحديث ابن عباس وبسعيد وأنس رضي الله عنهم أرضاهم جميعًا. قال رحمه الله: «والحسن البصري، وإن قيل إنه لم يسمع من أسامة وأبي هريرة، فقد كان عنده من هذا الباب عدة أحاديث عن الصحابة يفتي بها، عن عقل بن سنان، وأسامة، وأبي هريرة». قال البخاري: «وكان الحسن يشير إلى ما ذكره البخاري في الصحيح، وكان يقول: «وكانت البصرة إذا دخل شهر رمضان يغلقون حوانيث الحجامين». ذكره أحمد وغيره. وهذا عن أهل البصرة، لا يلزم منه أنه قول عامة الصحابة الذين سكنوا بالبصرة. هذا أولًا. وثانيًا: لو ثبت عندنا صريحًا، لم يصح الاستدلال بغير الصريح، أي ما يدل على القول بالنسخ. ولو قدر أن النسخ لم يثبت، لا لهذا الحديث ولا للحديث الآخر، أي لا بالرخصة ولا بالمنع والتفطير، بقينا على ما تقدم من حيث المعنى. فإن الحجامة فصل فيها العلماء بين الحاجم والمحجوم، وهذا التفصيل يلزم منه التفصيل في حكم المحجوم كما فصلوا في حكم الحاجم. والله أعلم. قال رحمه الله تعالى: «وأنس بن مالك كان آخر من مات بالبصرة، والبصريون كلهم يأخذون عنه. فلو كان عنده سنة من النبي صلى الله عليه وسلم أنه رخص فيها بعد النهي، لكان هذا مما يعرف البصريون منه، وكانوا يأخذون به الحسن وأصحابه، لا سيما يعني أنه لو ثبت الرفص لأخذ به الحسن وغيره». وسيأتي معنا، وقد تقدم أن أنسًا رضي الله عنه ثبت عنه خلاف ما ذكره الشيخ رحمه الله هنا. قال: «قال: وقد ذكر أن ثابتًا سمع هذا من أنس، وثابت من مشايخه المشهورين، أي البصرة. قال: من أخص أصحاب الحسن، فكيف يكون عند أنس هذه السنة، وأهل البصرة قد اشتهر بينهم السنة المنسوخة؟ وهذه الناسخة عند أنس، وهم يأخذون ليلًا ونهارًا، يعني يأخذون الحديث. فلو بلغ شيء من النهي، لو بلغ شيء منافي للنهي لنقل». قال: «ولا يعرفون هذه السنة، ولا تحفظ عن علمائهم الذين اشتهر عنهم أمر الفطر، يعني بالحجامة». والجواب عليه ما سبق. قال: «ويؤيد ذلك أن أبا قلابة هو أيضًا من أخص أصحاب أنس، وهو الذي يروي قوله: «أفطر الحاجم والمحجوم» من طريقين، يعني روي عن أبي قلابة عن أنس من طريقين: «أفطر الحاجم والمحجوم». وتقدم معنى أنه لا يصح من حديث أنس حديث: «أفطر الحاجم والمحجوم»، لأنه جاء من طريق السعدي، وهو متروك، وتفرد به عن أبي قلابة، كما ذكره الطبراني في «الأوسط». قال: «ثم القائلون بأن الحجامة تفطر اختلفوا على أربعة أقوال في مذهب أحمد وغيره». قال: «أحدها: يفطر المحجوم دون الحاجم، فإن الحاجم لم يوجد منه ما يفطر». وهذا الذي ذكره الخرقي، فإنه ذكر في المفطرات: «تحتجم»، ولم يذكر: «إذا حجم». لكن منصوص عن أحمد، وجمهور أصحاب الإفطار بالأمرين، والنص دال على ذلك، فلا سبيل إلى تركه. ولو لم نعقل علته، هذا أحد الأقوال: عدم التفريق بين الحاجم والمحجوم. قال: «والثاني: أنه يفطر المحجوم الذي يحتجم ويخرج منه الدم، ولا يفطر بالفصاد ونحوه، لأنه لا يسمى احتجامًا». وهذا قول القاضي وأصحابه. فالتشريط في الآذان هل هو داخل في مسمى الحجامة؟ تنازع فيه المتأخرون. الأصل وسيأتي إن شاء الله أن هناك فرقًا من حيث الفعل بين الحجامة والفصاد والتشريط، كما سيأتي إن شاء الله. وعلى هذا التفريق في العمل فرق بعض العلماء في الحكم. فمنهم من فرق كما ذكر هنا في القول الثاني. ومنهم من لم يفرق على القول الأول. وعلى القول الثاني: القول الأول يفطر المحجوم دون الحاجم، مع عدم التفريق بين الحجامة والتشريط. القول الثاني: يفطر المحجوم مع التفريق بين الحجامة والتشريط والتفصيد ونحوه. قال: «فالتشريط في الآذان، هل هو داخل في مسمى الحجامة؟ تنازع فيه المتأخرون. فبعضهم يقول: التشريط للحجامة، كما يقول شيخنا أبو محمد المقدسي، وعليه يدل كلام العلماء قاطبة، فليس منهم من خص التشريط بذكر، يعني فيدل أن حكمه حكم الحجامة». قال: «ولو كان عندهم لا يدخل في الحجامة لذكروه، كما ذكروا الفصاد، فعلم أن التشريط عندهم من نوع الحجامة». قال شيخنا أبو محمد: «هذا هو الصواب، يعني أنه لا فرق». قال: «ومنهم من قال: التشريط ليس من الحجامة، بل هو أبعد من الفصاد. فإذا قيل: الفصاد لا يفطر، احتمل التشريط وجهين». وهذا قول أبي عبد الله بن حمدان. والأول أصح، فإن التشريط نوع من الحجامة أو مثلها من كل وجه، لأن التشريط هو شرخ يأخذ أو يخرج به الدم من جهة العرق، كما سيأتي إن شاء الله. قال رحمه الله تعالى: «إذ الحجامة لا تختص بالساق، بل تكون في الرأس والعنق والقفا وغير ذلك». يعني لأن التشريط غالبًا يكون في الساق، التشريط غالبًا يكون في الساق من الدوالي وغيره. فيقول: إذن لا فرق، لأن الحجامة تقع في الرجل، في الساق، في الرأس، في العنق. فإذن التشريط نوع من الحجامة، ولكن بكيفية خاصة. قال رحمه الله: «ومن فرق بينهما، قال: الشارط لا يمتص من قرورة الدم كما يمتص الحاجم، فلا يدخل في لفظ الحاجم، وكذلك لا يدخل في لفظ المحجوم». فيقال: «بل هو داخل في لفظ المحجوم، وإن لم يدخل في لفظ الحاجم، أو إن لم يدخل في اللفظ، فهو مثله من كل وجه، وليس بينهما فرق أصلا». يعني في كون الحجامة وقعت. قال: «وليس بينهما فرق أصلا، وقد يقال: الشارط حاجم أيضًا». لهذا قال كثير من أهل الخبرة والمعرفة: «أن التشريط أسلوب من أساليب الحجامة، أو كيفية من كيفيات الحجامة». قال رحمه الله تعالى: «لأنهم ذكروا حتى من الحجامة الحجامة الجافة التي يجمع فيها الدم على الجلد، ولا يخرج، ولا يخرج الدم، لا بتشريط ولا بغيره». قال رحمه الله تعالى: «أو إن لم يدخل في اللفظ، فهو مثله من كل وجه، وليس بينهما فرق أصلا، وقد يقال: الشارط حاجم أيضًا. لكن لا يفطر، لأن لفظ الرسول صلى الله عليه وسلم يتناول الحاجم المعروف المعتاد، ولم يكونوا يشرطون». وأما لفظ المحجوم، فإنه يتناول ما كان يعرف وما لا يعرف، لأن المعنى المدلول عليه بلفظ المحجوم يتناول ذلك كله، بخلاف المعنى المقصود بلفظ الحاجم. أو يقال: «وإن شمله لفظ الحاجم، لكن الحاجم الممتص أقوى، يعني في دخوله في الحكم، فيلحقه التفطير، بخلاف الذي شرط فقط بالسكين أو الموس أو غيره، ولكنه لا يمتص». قال: «لأنه ذريعة إلى وصول الدم إلى حلقه، أي الذي يمتص». هذا على ما نصره. قال: «ومنهم من يقول: بل الشارط يفطر أيضًا، وهو قول من يجعل اللفظ يتناولهما، يعني الشارط يدخل في معنى الحاجم، ويجعل الحكم تعبدًا كما تقدم». معنى قاعدة: «يقولون: هو تعبدي، ليس لأجل دخول شيء». قالوا: «هؤلاء الذين قالوا: يفطر بالحجم دون الفصاد، قالوا: هذا الحكم تعبد، لا يعقل المعنى، فلا يقاس عليه، يعني لا يقاس عليه الفصاد». وهذا قول آخر. وقال لهذا بعض هؤلاء قولًا ضعيفًا. وقال لهذا -يعني لأجل هذا الخلاف- بعضهم قولًا ليس بالصحيح، يعني في قضية التعبد، كما أشار في التعليق. قاله ابن عقيل، وهو أنه: «يفطر المحجوم بنفس شرط الجلد، وإن لم يخرج الدم، يعني لو شرط الجلد ولم يخرج الدم، وقع فعل الحجامة، فيلزمه الفطر، ولو لم يخرج الدم». قال: «لأن هذا يسمى حجامة». وهذا أضعف الأقوال. وهذا الخلاف كما تقدم معنا يدلنا إلى ما سبق: أن الصواب عدم القول بالفطر بالحجامة، وإن كان هو مظنة الفطر، لما تقدم من أسباب قد يتعب قد يدخل شيء إلى جوف الحاجم، ونحو ذلك. قال رحمه الله: «والرابع، وهو الصواب، واختاره مظفر بن هبير الوزير العالم العادل، وغيره: أنه يفطر بالحجامة والفصاد ونحوهما، يعني مما هو بمعنى الحجامة». قال: «وذلك لأن المعنى الموجود في الحجامة موجود في الفصاد، شرعًا وطبعًا». وحيث حث النبي صلى الله عليه وسلم على الحجامة وأمر بها، فهو حث على ما في معناها من الفصاد وغيره. قال: «لكن الأرض الحارة تجتذب الحرارة، فيها دم البدن، فيصعد إلى سطح الجلد، فيخرج بالحجامة، يعني يكون سهل خروجه بالحجامة». والأرض الباردة يغور الدم -يعني يبقى في العمق- يغور الدم فيها إلى العروق، هربًا من البرد. فإن شبه الشيء منجذب إليه، كما تسخن الأجواف في الشتاء، وتبرد في الصيف. فأهل البلاد الباردة لهم الفصاد -يعني تتبع العروق وقطع العروق- كما للبلاد الحارة الحجامة، لأن الدم خفيف وسهل خروجه من تحت الجلد. قال: «لا فرق بينهما في شرع ولا عقل، يعني كما تقدم، لأن في النهاية هو خروج الدم الفاسد». قال: «وقد بينا أن الفطر بالحجامة على وفق الأصول والقياس، وأنه من جنس الفطر بدم الحيض والاستقاءة وبالاستمناء». وتقدم معنا أن هذا النوع من القياس يشبه ما يسميه العلماء بقياس الشبه، وهو من أضعف أنواع القياس. مع ما تقدم من الأدلة والعمومات التي تؤكد عدم إلحاق الحجامة بالحيض أو الاستقاءة أو بالاستمناء. فالاستمناء معه شهوة، وهو حكم خاص بالشهوة. والحيض حكم خاص يتعلق بالنساء. والاستقاءة تقدم معنا أن الراجح فيه عدم القول بالفطر به، ولكنه مظنة الفطر. فالحاصل: كل هذه الثلاثة، القياس بها ليس فيه معنى المماثلة. مع ما تقدم من الأدلة التي فيها ما يدل على الرخصة التي هي مظنة النسخ. قال رحمه الله: «وإذا كان كذلك، فبأي وجه أراد إخراج الدم أفطر، يعني فصادًا، تشريطًا، حجامة، ما دام خرج الدم». قال: «كما أنه بأي وجه أخرج القيء أفطر، سواء جذب القيء بإدخال يده، أو بشم ما يقيئه، أو وضع يده تحت بطنه واستخرج القيء». فتلك طرق لإخراج القيء، وهذه طرق لإخراج الدم. صحيح، لو قدر أن القول الراجح القول بالتفطير بالحجامة، لكان كما قال رحمه الله، أي لا فرق بين إخراجه بتشريط أو فصاد أو حجامة. كما لا فرق لمن تعمد الاستقاءة برائحة أو بضغط على المعدة والبطن، أو كذلك بإدخال أصبعه أو غير ذلك من الأساليب الأخرى. ولكن كما تقدم معنا أن الراجح في المسألتين عدم القول بالفطر. قال رحمه الله: «ولهذا كان خروج الدم بهذا وهذا سواء في باب الطهارة». فتبين بذلك كمال الشرع واعتداله وتناسبه، وأن ما ورد من النصوص ومعانيها، فإن بعضه يصدق بعضًا ويوافقه. ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا. وهذا المعنى يصح، لكن ليس بهذا السياق الذي مر، معنى الدليل يدل على خلافه على الراجح. والله أعلم -يعني إلحاق المثليات بعضها ببعض- فهذا معنى صحيح بالجملة، لكن قد نخطئ إذا ألحقنا شيء نظنه مثله، وهو ليس مثله، فيه شبه من وجه ويخالفه من وجه أو أوجه أخرى. قال رحمه الله: «أما الحاجم، فإنه يجتذب الهواء الذي في القارورة بامتصاصه، والهواء يجتذب ما فيها من الدم، فربما صعد مع الهواء شيء من الدم ودخل في حلقه، وهو لا يشعر». وهذا الكلام صحيح، قد يقع دون أن يشعر. لكن هذا الحكم لأنه مظنة التفطير، إذا كان يمص بقارورة ونحوها، أو قرن أو نحوه، فيكون لأجل مظنة التفطير. كذلك يقال بحق المحجوم، لأنه مظنة التفطير، لا أن نقول: أن كل حاجم ومحجوم يفطر على كل حال. قال رحمه الله تعالى: «قال: فربما صعد مع الهواء شيء من الدم ودخل في حلقه، وهو لا يشعر». والحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة، علق الحكم بالمظنة، يعني علق الحكم بما يغلب على الظن. فإذا لهذا صار الحكم في الحجامة التفطير. وهذا الكلام قد يصح إذا لم يرد ما يعارضه مما جاء في حديث أبي سعيد وأنس وابن عباس. لكن ما دام ورد ما يعارضه، فلا يسعنا أن نترك هذا المعارض، وخصوصًا أنه ثبت بالتاريخ أنه بعد أحاديث المنع والتفطير بالحجامة. فإذا لا يسعنا إلا الأخذ بهذه الأحاديث. أما إذا لم يرد، فنعم نقول ما ذكره شيخ الإسلام رحمه الله ها هنا. قال: «قال: كما أن النائم الذي تخرج منه الريح ولا يدري يؤمر بالوضوء، ولا شك أن هذا القياس من قياس الشبه، لأن النائم يفقد العقل، فمظنة خروج الريح أقوى من الذي يمص القرن، أو الذي حتى يحجم بدون مص». فهذا أبعد. وقد تقدم معنا قبل قليل أن شيخ الإسلام رحمه الله لا يفرق بين الحجامة أن تكون بمص أو بتشريط أو تفصيد. فإذا مظنة الدخول للدم ليست موجودة إذا لم يكن بمص، بخلاف النائم، مظنة خروج الهواء موجودة. فهذا يؤكد ما تقدم. فكيف إذا انضاف إلى ذلك أنه وردت أحاديث تدل على النسخ؟ قال رحمه الله تعالى: «فكذلك الحاجم يدخل شيء من الدم مع ريقه إلى بطنه، وهو لا يدري». والدم من أعظم المفطرات، فإنه حرام في نفسه، لما فيه من طغيان الشهوة والخروج عن العدل -يعني لأنه فيه قوة البدن- كما تقدم: «الشيطان يجري من آدم مجرى الدم». ولكن هذا ليس على إطلاقه. ولهذا حرم الإسلام شرب الدم، وإن كان بعض الناس يظن أن شرب الدم يكسب القوة وطغيان الشهوة. والصواب خلاف ذلك. قال رحمه الله: «والخروج عن العدل، يعني بهذا الفعل». قال: «والصائم أمر بحسم مادته، يعني لا أن يزيد فيها». احسمها. فإذا كان الحاجم سيدخل شيء من الدم الذي معه الطعام وسبب قوة الجسد، فهذا منافي للصيام، مع ما فيه أنه دخل إلى جوفه شيء على وجه فيه معنى الطعام والشراب. قال: «فالدم يزيد الدم، فهو من جنس المحظور». وهذا الكلام بعض أهل الخبرة ينكره، لأن الدم الذي يدخل بالطريق الصحيح هو الذي يزيد الدم، كان يدخل مباشرة مع الدم بعد التأكد أنه يوافق دم هذا الإنسان، كالمغذيات بالدم أو بغيره مما هو بمعنى الطعام والشراب. صحيح، دخوله لا خروجه، فيه خلاف. والراجع كما تقدم أنه ليس بمفطر. لكن دخوله من جهة المعدة والفم، هذا دخول لا يوصل الدم إلى موضعه الصحيح، بل يصل إلى المعدة، ومن المعدة إلى الأمعاء، ويسبب أضرارًا كثيرة. فلا يصل إلى الدم إلا وقد أضر بالجسد أكثر مما نفعه. ولهذا حرم الإسلام أكل وشرب الدم، فلو كان فيه منفعة لم يحرمه الإسلام، لكن لأنه ليس فيه منفعة حرمه الإسلام. قال رحمه الله تعالى: «قال: فالدم يزيد الدم، فهو من جنس المحظور، فيفطر الحاجم لهذا». كما قلنا: مظنة الفطر، لأجل دخول الدم، لا لأجل تقوية جسد بالدم. مجرد دخوله إلى الجوف من طريق الفم، هذا جعله مفطرًا. قال: «كما ينتقض وضوء النائم، يعني لأنه مظنة عدم إدراكه لخروج شيء من الريح». منحوه. قال: «وإن لم يستيقن خروج الريح منه، لأنه يخرج ولا يدري». وكذلك الحاجم قد يدخل الدم في حلقه، وهو لا يدري. القياس بهذا كما تقدم معنا قد لا يصح. وأما كونه قد يدخل شيء، صح صحيح. لكن كما تقدم: أن جماعة من أهل العلم، من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم، كلام شيخ الإسلام يدل على ذلك، لم يفرقوا بين أن كانت الحجامة من الحاجم بالمص أو بغيره، يرون الفطر على كل الأحوال. قال رحمه الله: «وأما الشارط، فليس بحاجم». وهذا المعنى منتف فيه، فلا يفطر الشارط. وكذلك -يعني هذا قول جماعة- أن الشارط لا يفطر، أو لا يفطره الشرط، لأنه ليس الحاجم الذي يمتص الدم. قال: «وكذلك لو قدر حاجم لا يمص القارورة، بل يمتص غيرها، ومثل الذي يفعلون بالنار مثلًا». قال: «هو يأخذ الدم بطريق أخرى، لم يفطر». أو مثل هذه الشفاطات التي تستخدم في وقتنا المعاصر. قال: «أو يأخذ الدم بطريق أخرى لم يفطر». والنبي صلى الله عليه وسلم كلامه خرج على الحاجم المعروف المعتاد. وإذا كان اللفظ عامًا، وإن كان قصده شخصًا بعينه، فيشترك -يعني يشترك الحكم- يشترك الحكم. هذا مراده رحمه الله. وهذا كما تقدم على القول بمن فرق. وتقدم قبل قليل ما نقله شيخ الإسلام من عدم التفريق. فننتبه لمثل هذا المعنى. قال رحمه الله تعالى: «فيشترك في الحكم سائر النوع، للعادة الشرعية، يعني سائر النوع، سواء كان بالشرط أو الفصاد أو الحجامة». قال: «من أن ما ثبت في حق الواحد من الأمة ثبت في حق الجميع». فهذا أبلغ. قال الشيخنا محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: «فأما الحجامة فمعروفة، يعني التي تكون بإخراج الدم الذي تحت الجلد، سواء بالقرن كما هو في القديم، أو كان بالقارورة، أو كان بالشفط، آلات الشفط، أو غيره». قال: «والشرط: أن يشق العرق طولًا ويخرج الدم، مثل ما يفعل في أصحاب الدوالي ونحوه، يشق العرق طولًا». قال: «وأما الفصد، فبجرح العرق عرضًا فيخرج الدم». وبعضهم قال غير هذا. المهم أنها وسائل لإخراج الدم، وسائل لإخراج الدم. ثم قال الشيخنا رحمه الله: «وما قاله الشيخ رحمه الله هو الصواب». وعلى هذا، فإذا قدر حجام بآلات حديثة لا يمتص فيها الحاجم قرورة الدم، فإنه لا يفطر بذلك، كما أن الفاصد لا يفطر، والشارط لا يفطر أيضًا -يعني بشرطه- لا يفطره الشرط. فشيخنا رحمه الله هنا يرجح هذا الكلام الأخير لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. وإن كان كلامه الأول فيما نقل عن بعض الحنابلة يدل على عدم التفريق. لكن ها هنا في الأخير كأنه يفرد، كأنه يفرد. قال الشيخ الإسلام رحمه الله: والله أعلم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه، صلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبهذا نكون قد انتهينا من هذه الرسالة، وعلمنا في هذه المسألة الأخيرة بعد هذه التقاسيم وهذه التفصيلات: أن الراجح والله أعلم القول بعدم التفطير بالحجامة، لما سبق وتكرر في هذه المسألة من أن الأحاديث الواردة بالرخصة تدل على النسخ، مع ما تقدم من كلام الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وكذلك من قال بالتفطير، الكثير منهم يفصل ويستثني. فهذا التفصيل والاستثناء، وهذا الذي أشار إليه شيخ الإسلام في آخر الرسالة يؤيد التفصيل كذلك في قضية المحجوم. والله تعالى أعلم.