الدرس في التعليق على شرح الشيخ العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يبدأ الشيخ في شرح مسائل تتعلق بالمفطرات في الصيام مثل القيء والحجامة والاحتلام، ويستند إلى آراء أهل العلم والأدلة الشرعية. يوضح آراء الفقهاء في هذه المسائل.
يناقش المقطع أسباب الفطر في رمضان ومفطرات الصيام، مشيرًا إلى أنها تشمل ما يدخل الجسم وأسبابًا أخرى مثل الحيض والنفاس والإنزال عمدًا. كما يتناول آراء الفقهاء في القضاء لمن أفطر عمدًا.
يفصل في حكم من أفطر عمدًا في رمضان بدون عذر، ويبين أن من كان له عذر عليه القضاء، مع تفصيل في حكم المجامع في نهار رمضان، حيث تختلف آراء العلماء بين القضاء والكفارة أو عدمهما.
يختتم المتحدث كلامه بدعوة للتعلم والحكم الصحيح، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله. يشدد على أهمية الفهم الصحيح لأحكام الصيام.
يصرح إخوانكم بموقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام ابن تيمية، رحمهم الله تعالى. التعليق لفضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثالث. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله، نحمد ونستعين ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فمر معنا في الدرس الماضي ما ذكره المؤلف -رحمه الله تعالى- من مسائل في كتابه «حقيقة الصيام»، وكان منها الكلام على مسائل في المفطرات، وذكر من ذلك القيء وبعض ما يلحق به وما هو حول هذه المسألة. وتقدم معنا في الدرس الماضي أن أهل العلم اختلفوا في القيء: هل هو مفطر أو ليس بمفطر؟ وعلمنا أن الراجح -والله أعلم- وهو الصحيح الذي دلت عليه الأدلة بمجموعها، من حيث الرواية والدراية، أن القيء ليس بمفطر إلا إن دخل منه شيء إلى الجوف أو أتعب صاحبه فاضطر إلى الفطر لتعبه. ولكن مع ذلك لا ينبغي للإنسان التساهل في هذا الباب، أي بأن يستقيء. ومرت معنا مسائل في ثنايا كلام المؤلف -رحمه الله تعالى-، والانتهاء الوقت كان التوقف في الكلام على هذه المسألة، أي الوقوف عند كلامه على مسألة القيء. فمن المسائل التي سبقت الإشارة إليها في كلامه وكلام شيخنا -رحمه الله- في التعليق، ما أشار إليه المؤلف -رحمه الله تعالى- في مسألة الوضوء من القيء. فالصحيح: ليس مفطرًا، ومن نواقض الوضوء ليس ناقضًا من نواقض الوضوء، هذا هو الصحيح لعدم ورود دليل صحيح صريح يدل على هذه المسألة. ولهذا ذكر الشيخ -رحمه الله- وأشار في التعليق، وكذلك المؤلف -رحمه الله- في الأصل، أنه لو صح لحمل على الوضوء غير الشرعي، أو أنه على وجه الاستحباب، يعني المراد به النظافة والتطهر لا الوضوء الشرعي. ولو قدر الوضوء الشرعي فهو من باب الاستحباب، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- صح عنه من قوله وفعله الحث على البقاء على طهارة بالوضوء الشرعي على كل حال. أما أنه يكون مفطرًا ناقضًا من نواقض الوضوء فلا. وكذلك الصحيح في قضية أنه مفطر من المفطرات. وهكذا أشار إلى حديث يروى: «ثلاث لا تفطر: القيء والحجامة والاحتلام»، وفي لفظ: «لا يفطرن إلا من قوله: من احتجم». وقد أشار -رحمه الله- إلى أن الحديث ضعيف لا يصح، وهو كما قال -رحمه الله-. وقد ذكره العلماء حديثًا معللًا ضعيفًا لا يصح. ولكن المسألة فيها أدلة أخرى سيأتي الكلام على بعضها -إن شاء الله-. وقد مر الكلام على موضوع القيء، ولهذا بعض أهل العلم فصل بما جاء في حديث أبي هريرة كما تقدم. ومنهم من عمم بالقول بالإفطار، ومنهم من لم ير أنه مفطر. وقد سبق الكلام على ذلك. وأشار -رحمه الله تعالى- كذلك إلى مسألة أخرى، وهي أن من احتلم بغير اختياره كالنائم لم يفطر، ومن استمنى فأنزل فإنه يفطر. وهذا دلت عليه عمومات الأدلة كما تقدم معنا؛ لأن عمد ذلك من انتهاك الشهوة الممنوعة في الصيام. يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، كما جاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين. وهكذا كذلك معناه كما تقدم في الآية في أوائل هذه الرسالة. وهل معناه أنه كذلك في القيء؟ الجواب: بعض أهل العلم قال بهذا: أن القيء العمد يؤخذ عليه، والخطأ أو من درءه لا يؤخذ عليه ولا يفطر. والصحيح في هذا كما تقدم: أنه يحمل لعدم صحة الحديث، إذا دخل شيء أو تعب ولا يتساهل الإنسان، ولا ينبغي له التساهل في هذه المسألة. قال -رحمه الله تعالى-: «وأما حديث الحجامة، فإما أن يكون منسوخًا، وإما أن يكون ناسخًا لحديث ابن عباس: أنه احتجم وهو محرم صائم، أيضًا ولعل فيه القيء إن كان متناولًا للاستقاءة، وهو أيضًا منسوخ». وهذا يعيد أن النهي عن الحجامة هو المتأخر؛ فإنه إذا تعارض نصان: ناقل وباق على الاستصحاب، فالناقل هو الراجح في أنه الناسخ، ونسخ أحدهما يقوي نسخ قرينه. وقد ظن طائفة أن القياس ألا يفطر شيء من الخارج، وأن المستقيء إنما أفطر لأنه مظنة رجوع بعض الطعام. وقالوا: إن فطر الحائض على خلاف القياس. وقد بسطنا في الأصول أنه ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس الصحيح. فإن قيل: فقد ذكرتم أن من أفطر عامدًا بغير عذر كان فطره من الكبائر، وكذلك من فوت صلاة النهار إلى الليل عامدًا من غير عذر كان تفويته لها من الكبائر، وأنها ما بقيت تقبل منه على أظهر قولي العلماء، كما انفوت الجمعة ورمي الجمار وغير ذلك من العبادات المؤقتة. وهذا قد أمره بالقضاء. وقد روي في حديث المجامع في رمضان أنه أمره بالقضاء. قيل: هذا إنما أمره بالقضاء؛ لأن الإنسان إنما يتقي أو لعذر كالمريض تداوى بالقيء، أو يتقي لأنه أكل ما فيه شبهة، كما تقي أبو بكر من كسب المتكهن. وإذا كان المتقي معذورًا كان ما فعله جائزًا، وصار من جملة المرضى الذين يقضون، ولم يكن من أهل الكبائر الذين أفطروا بغير عذر. وأما أمره للمجامع بالقضاء فضعيف، ضعفه غير واحد من الحفاظ. وقد ثبت هذا الحديث من غير وجه في الصحيحين من حديث أبي هريرة ومن حديث عائشة، ولم يذكر أحد أمره بالقضاء، يعني لم يذكر أحد من الرواة. قال: «ولو كان أمره بذلك لما أهمله هؤلاء كلهم، وهو حكم شرعي يجب بيانه. ولما لم يأمره به دل على أن القضاء لم يبق مقبولًا منه، وهذا يدل على أنه كان متعمدًا للفطر، لم يكن آسيًا ولا جاهلًا». هذه مجموعة من المسائل أشار إليها -رحمه الله-. أولًا: مسألة الحجامة، فقد جاء عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أوله: «أفطر الحاجم والمحجوم»، حسنه بعض أهل العلم، وضعفه جماعة. وعلى القول بصحته اختلفوا في فهمه؛ لأنه عارض حديث ابن عباس في البخاري وغيره: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم وهو محرم وهو صائم. فمنهم من ذهب إلى أن القول بالحجامة، أي أنها مفطرة، ناسخ لإباحة الحجامة. وذهب بعضهم إلى العكس. وذهب بعضهم إلى تضعيف حديث الحجامة وتصحيح حديث عدم الفطر من الحجامة؛ لأنه في البخاري. وقد أشار البخاري -رحمه الله- إلى هذا الأخير بإيراد حديث ابن عباس وآثارًا في هذا الباب في صحيحه. والمسألة فيها خلاف شديد وقوي بين أهل العلم. والراجح -والله أعلم- هو هذا الأخير، والمسألة مبسوطة في كتب الفقه المطولة. فعلى وجه الاختصار: أحاديث الحجامة فيها كلام، ولو صحت لحملت على أنها مظنة الإفطار؛ لأن الحاجم قد يبتلع شيء من الدم الذي يمتصه بقرنه أو بالآلة، وهذا كان عادة الناس في ذاك الزمان. وأما المحجوم؛ فلأنه يضعف، كما قيل في قضية القيء، فهو مظنة الإفطار بضعفه وتعبه إذا احتجم. فيكون فيه -لو صح الحديث- النهي عن فعل الحجامة؛ لأنه مظنة للوقوع في الفطر. بقي أن يقال: إذا كان كذلك فكيف الجواب على حديث ابن عباس؟ وهذا على قول من يقول بالإفطار. فوجهوه بأنه منسوخ. وأما من لا يقول بالإفطار فيقولون: حديث ابن عباس محكم، وهو ناسخ لحديث إفطار الحاجم والمحجوم. وهذا هو الأرجح -والله أعلم-. والمسألة فيها أقوال. وعلى وجه الاختصار هذا الذي يذكر في هذا المقام. ثم أشار -رحمه الله- إلى مسألة أخرى، وهي أن طائفة من أهل العلم يرون أن القياس أن لا يفطر شيء من الخارج. وسيأتي الكلام على هذا. وقد أشار الشيخ -رحمه الله- في التعليق: أن بعض أهل العلم ذكروا قاعدة يقولون: «لا وضوء مما دخل بل مما خرج، ولا فطر مما خرج بل مما دخل». وأشار الشيخ إلى أن هذه القاعدة لا أصل لها. فيحمل كلامه -رحمه الله- شيخنا ابن عثيمين: أن هذا إذا أخذ على وجه الاضطراد فهو ليس مضطردًا وليس بالصحيح. لكن إذا أخذ على وجه التغليب فهذا صحيح؛ فأغلب مسائل الوضوء مما خرج لا مما دخل، ولكن ليس مضطردًا، فخرج عن القاعدة. ولكل قاعدة استثناء. لحم الإبل، فأكلوا لحم الإبل أو شربوا مرقها على الصحيح -كما دلت عليه الأدلة- مفطر من المفطرات، وهو مما دخل لا مما خرج. فإذا هذا مما يستثنى، استثناه الدليل. وإلا الغالب فإنه مما خرج، ليس كل مما خرج، ولكن الخارج من السبيلين: القبل والدبر، بل والصحيح الخارج المعتاد؛ لأنه لو خرج خارجًا غير معتاد ليس فيه رطوبة ففيه خلاف، والصحيح أنه ليس بمفطر. وهكذا في الصيام: الإفطار يكون مما دخل، يكون مما خرج، ليس مما خرج، هذا ليس مضطردًا، لكنه أغلبي. فخرج عن هذا الغالب: الحيض والنفاس؛ فدم الحيض والنفاس خارج ليس داخل، ومع ذلك مفطر بالدليل. وهكذا كذلك كما تقدم معنا: الإنزال عمدًا، سواء بجماع أو باستمناء أو غيره، فإنه مفطر على الصحيح لعموم الأدلة في هذا الباب، أي الإنزال مطلقًا. وأما القيء والحجامة ففيه خلاف كما تقدم، سبقت الإشارة إليه. فإذا على وجه الاختصار يقال: القاعدة أغلبية وليست مضطردة، ولكل قاعدة استثناء. وتذكر هذه في القواعد الفقهية وبعض جزئياتها، وفي كتب الفقه المطولة إشارة إلى مثل هذه القاعدة. ثم أشار -رحمه الله- إلى مسألة أخرى، وهي أن إفطار الحائض على الصحيح ليس على خلاف القياس. وذلك لأنهم قالوا -كما تقدم-: القياس أن الفطر يكون مما دخل لا مما خرج. والجواب الصحيح: أن أسباب الفطر الشرعية لم تحصر بقضية ما دخل، بل ذكر منه شيء آخر. فمما ذكر وقد صحت به الأدلة. وقد حصر بعض أهل العلم ذلك بأربع أسباب كما ذكر الإمام ابن القيم -رحمه الله- ذلك في بعض كتبه. فقد أشار -رحمه الله- إلى أن أسباب الفطر أربعة تجمل في أربعة على وجه الاختصار: الأول الأكل والشرب وما كان بمعناه. والثاني من أسباب الفطر: المرض وما كان بمعناه من المشقة التي رخص الشرع بمثلها كالسفر بالنص. وبعضهم ذكر السفر سببًا منفصلًا بالنص. والثالث: الخوف، كالجهاد وحال الحامل والمرضع إذا خافت على نفسها أو ولدها، فإنه سبب من أسباب الفطر. والرابع: خروج دم الحيض والنفاس، ويلحق به الإنزال. فإن هذه أسباب الفطر. فإذا أسباب الفطر لا تنحصر بما دخل من الأكل والشرب وما كان بمعناه، بل هناك أسباب أخرى دلت الأدلة الشرعية على إفطار. فبالأدلة علمنا المفطرات، وقد أحصرت. فجعلها بعضهم أربعة أو خمسة: الأكل، الشرب وما كان بمعناه، الخوف، والسفر والمرض، والخارج من الحيض والنفاس أو الشهوة. ثم أشار -رحمه الله- إلى مسألة أخرى، وهي مسألة من أفطر عامدًا بغير عذر، ففعله كبير من الكبائر. فهل من فعل مثل ذلك عليه القضاء أم ليس عليه القضاء؟ وقد سبق كلام شيخنا -رحمه الله- فيما تقدم، التفصيل في هذه المسألة. فمنهم من يرى أنه يقضي، سواء أفطر عامدًا أو غير عامد. ومنهم من يرى أنه لا يقضي. ومنهم من يرى التفصيل: فمن تركه، أي ترك الصيام، ثم صام بعد ذلك فإنه لا يقضي. وأما إذا صام ثم أفطر عمدًا وجب عليه القضاء. واستدل بحديث: «من استقاء فليقض». وعمومات الأدلة تدل على أن من وجد عنده عذر في فطره فإنه يقضي، أي مبرر لفطره. فعمومات الأدلة تدل عليه. وأما من تعمد ذلك بغير عذر ففات وقته فلا قضاء عليه، هذا هو الصحيح. والتفصيل في هذه المسألة. ثم أشار -رحمه الله- إلى قضية المجامع في نهار رمضان، وهل ورد القضاء في حقه؟ فقد أشار -رحمه الله- إلى أنه لم يصح في شيء من الرواية الصحيحة في الصحيحين -كحديث أبي هريرة وعائشة- وغيرها من الرواية الصحيحة الأمر بالقضاء. فبعض أهل العلم قالوا: ليس فيه قضاء لعموم الأدلة بالقضاء على الخلاف الذي سبق. ومنهم من يرى أنه عليه القضاء؛ لأنه تعمد ذلك. فمنهم من نظر إلى الرواية، ومنهم من نظر إلى المعنى. والصحيح في هذا: التفصيل. فمن تعمد فليس عليه القضاء، وليس له عذر ولا مبرر. ومن كان عنده عذر ومبرر فإنه يقضي. فعمومات الأدلة الشرعية تدل على هذا التفصيل -والله تعالى أعلم-. وإن كان لم يرد شيئًا صحيحًا صريحًا في الأمر بالقضاء للمجامع في نهار رمضان. فهذه قضية عين في حق هذا الرجل، ولا يعني ذلك أنه حكم لكل من جامع مطلقًا. فالصحيح هو التفصيل. ثم أشار -رحمه الله- إلى مسألة أخرى، وهي: من تقيا لعذر كالمريض ونحوه جاز له الفطر وعليه القضاء. ومن درأه فليس عليه القضاء. وهذا كالاستثناء، كأنه يقول: هذا يستثنى ممن أفطر عامدًا. وأشار الشيخ -رحمه الله- في التعليق إلى أن هذا الكلام ليس على إطلاقه؛ فالتقي لا ينحصر بكونه دواء أو أكل شبهة؛ لأنه قد يتقي لسبب آخر غير هذا، إما لثقل أو لغير ذلك. فلذلك الصحيح أن الحكم لا ينحصر بهذين الأمرين الذين أشار إليهما الشيخ -السلامة تيمية- -رحمه الله-. هذا أمر، وأمر آخر: وهو أن الصحيح في مسألة التقي -كما تقدم- أنه ليس بمفطر، ولا ينبغي التساهل بفعله على وجه العمد. ثم أشار -رحمه الله تعالى- إلى مسألة الجاهل والناسي. فالجاهل والناسي سيأتي الكلام عليهما. والصحيح في ذلك: إذا لم يكن فيه تساهل وتفريط، أنه عذر لا يقع به الفطر؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «في من أكل وشرب وهو ناسي، إنما طعمه الله وسقاه»، كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين. وهكذا الخطأ: «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا». وهل هو متصور في الجماع؟ في هذا خلاف. والصحيح: أنه لو وقع كذلك فهو عذر لا يكون به الإفطار ولو كان في الجماع. وهل يتصور مثل هذا؟ الجواب: نعم قد يتصور لمن جاء من سفر، أو لمن كذلك كان في أول يوم من أيام رمضان، قد ينسى ويحصل النسيان ونحو ذلك. فإذا جاءت القرينة التي تدل على صحة النسيان فإنه يكون كذلك -والله تعالى أعلم-. قال -رحمه الله تعالى-: «والمجامع الناس فيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره. ويذكر ثلاث روايات عن إحداها: لا قضاء عليه ولا كفارة، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة والأكثرين. والثاني: عليه القضاء بلا كفارة، وهو قول مالك. والثالث: عليه الأمران، وهو المشهور عن أحمد، أي القضاء والكفارة. والأول أظهر -كما قد بسط في موضعه-؛ فإنه قد ثبت بدلالة الكتاب والسنة: أن من فعل محظورًا مخطئًا أو ناسيًا لم يؤاخذه الله بذلك. وحينئذ يكون بمنزلة من لم يفعله، فلا يكون عليه إثم. ومن لا إثم عليه لم يكن عاصيًا، ولم يرتكب لما نهى عنه، وحينئذ فيكون قد فعل ما أمر به، ولم يفعل ما نهى عنه. ومثل هذا لا يبطل عبادته، إنما يبطل العبادات إذا لم يفعل ما أمر به، أو فعل ما نهى عنه. وطرد هذا: أن الحج لا يبطل بفعل شيء من المحظورات: لا ناسيًا ولا مخطئًا، لا الجماع ولا غيره. وهو أظهر قول الشافعي». طيب نقف عند الكلام على مسألة الجماع، والنسيان فيه والخطأ. وكما أشار: المسألة فيها خلاف، مذهب أحمد فضلًا عن غيره من الأئمة. والصحيح في هذا: ما أشار إليه -رحمه الله- القول الأول. وعمومات الأدلة تدل عليه. عمومات الأدلة تدل عليه؛ فالراجح -كما تقدم معنا- أن من أكل أو شرب أو ناسيًا لم يفطر؛ لحديث أبي هريرة في الصحيحين. وهكذا على الصحيح: المجامع لا يفطر، وهو يدخل في عمومات الشريعة في هذا الباب. طيب نقف إلى هنا، ونترك الباقي -إن شاء الله- في درس لاحق. وإلى هنا -والله تعالى أعلم- وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، وجزاكم الله خيرًا. جوابًا على الأسئلة: السؤال الأول: يقول السائل: حديث عائشة -رضي الله عنها-: «من مات عليه الصيام صام عنه وليه»، هل الولي يشمل الصاحب والجار، وخاص بالقريب؟ الجواب: الصحيح أنه خاص بالقريب، وليس كل قريب، بل خاصة أقرباء الميت كالولد والبنت ونحوهم ممن يدخل فيهم معنى الولاية. ولحديث ابن عباس وغيره في هذا الباب، وحديث عائشة كذلك ها هنا. السؤال الثاني: يقول السائل: هل يجوز قضاء رمضان في عشر ذي الحجة؟ الجواب: نعم يجوز، ونسأل الله عز وجل أن يكتب الأجر. السؤال الثالث: يقول السائل: من أكل أو شرب في رمضان ناسيًا، ولم يعلم بالحكم الشرعي للأكل، ولكنه يقول: لم يواصل، أولًا الأكل والشرب ناسيًا، ليس سببًا للإفطار؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي هريرة بالصحيحين: «فيمن أكل وشرب ناسيًا، إنما طعمه الله وسقاه». ولكن إذا أخطأ فأفطر عمدًا لظنه أنه وقع منه الإفطار، فهنا عليه القضاء؛ لأنه أفطر عمدًا. لكن علينا تعلم الحكم في مثل هذا -والله تعالى أعلم-. ونكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله، صلى الله وسلم.