مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 17

مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 17

الدرس في مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 17، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في مصارف الزكاة وأهلها

يبدأ الشيخ عبد الله بن مرعي العدني بتوضيح مصارف الزكاة الثمانية المذكورة في الآية الكريمة، ويشرح أحكام صرف الزكاة للمستحقين منها. يشدد على أهمية صرف الزكاة في موضعها الصحيح وتجنب إعطائها لمن لا يستحقها.

أصناف أهل الزكاة والتعفف عن المسألة

يتناول المقطع شرحًا لأصناف أهل الزكاة، ويبدأ بذم المسألة والحث على التعفف، ثم يشرح بعض أصناف أهل الزكاة مثل العاملين عليها والمؤلفة قلوبهم والرقاب والغارمين. يشير إلى شروط استحقاق الزكاة وعدم جواز إعطائها لمن هو قادر على الكسب.

أحكام توزيع الزكاة على الأصناف الثمانية

يتناول المقطع أحكام صرف الزكاة وتوزيعها على الأصناف الثمانية، مع التركيز على شروط إعطاء الزكاة للفقراء والمحتاجين والأقارب. يشير إلى آراء العلماء في عدم جواز إعطائها للغني أو لمن تجب نفقته، ويوضح أحكام إعطاء العاملين على الزكاة منها.

توجيه الزكاة لإسقاط الدين عن المدين الفقير

يناقش المقطع حكم إسقاط الدين عن المدين الفقير وتوجيه الزكاة إليه، ويشير إلى أن إسقاط الدين لا يعتبر أخذًا ولا ردًا. يؤكد على جواز إخراج الزكاة لمن يظن أنه من أهلها، حتى لو تبين خلاف ذلك، ما دام هناك اجتهاد صادق.

التفريغ النصي الكامل

يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم إراءة وتعليق على كتاب مجالس شهر رمضان للعلامة المثيمين رحمه الله تعالى، إراءة وتعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني حفظه الله تعالى، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس السابع عشر. الحمد لله رحمة الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، قال شيخنا محمد صالح المثيمين رحمه الله تعالى في كتابه مجالس شهر رمضان: قال المجلس السابع عشر في أهل الزكاة. الحمد لله الذي لا رافع لما وضع، ولا واضع لما رفع، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولا قاطع لما وصل، ولا واصل لما قطع، فسبحانه من مدبر عظيم وإله حكيم رحيم. فبحكمته وقع الضرر، وبرحمته نفع. أحمده على جميع أفعاله، وأشكره على واسع إفضاله. قال: وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أحكم ما شرع، وأبدع ما صنع. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله والكفر قد علت وارتفعت وصال واجتمع، فأهبطه من عليائه وقمع، وفرق من شره مجتمع. صلى الله عليه وعلى صاحبه أبي بكر، الذي نجم شجاعته يوم الردة وطلع، وعلى عمر الذي عز به الإسلام وامتنع، وعلى عثمان المقتول ظلمًا ومبتدع، وعلى علي الذي أضحى الكفر بجهاده وقمع، وعلى جميع آله وأصحابه، ما سجد مصل وركع وسلم تسليمًا. إخواني، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. في هذه الآية الكريمة، بيّن الله تعالى مصارف الزكاة وأهلها المستحقين لها بمقتضى علمه وحكمته وعدله ورحمته، وحصرها في هؤلاء الأصناف الثمانية. وبين أن صرفها فيهم فريضة لازمة، وأن هذه القسمة صادرة عن علم الله وحكمته، فلا يجوز تعديها وصرف الزكاة في غيرها، لأن الله تعالى أعلم بمصالح خلقه، وأحكم في وضع الشيء في موضعه. ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون. فالصنف الأول والثاني: الفقراء والمساكين، وهم الذين لا يجدون كفايتهم وكفاية عائلتهم، لا من نقود حاضرة، ولا من رواتب ثابتة، ولا من صناعة قائمة، ولا من غلة كافية، ولا من نفقات على غيرهم واجبة. فهم، في حاجة إلى مواساة ومعونة. قال العلماء: فيعطون من الزكاة ما يكفيهم ومعيلتهم لمدة سنة كاملة، حتى يأتي حول الزكاة مرة ثانية. ويعطى الفقير لزواج يحتاج إليه ما يكفيه لزواجه، وطالب العلم الفقير لشراء كتب يحتاجها. ويعطى من له راتب لا يكفيه عائلته من الزكاة ما يكمل كفايتهم، لأنه ذو حاجة. وأما من كان له كفاية، فلا يجوز عطاؤه من الزكاة وإن سألها، بل الواجب صده وتحذيره من سؤال ما لا يحل له. والفرق بين الفقير والمسكين أن المسكين عنده بعض الملك والنفقة، ولكن ليس عنده ما يكفيه لسنته. وضابط الحاجة: الضروريات، للحاجيات، والكماليات. ولهذا يقول بعضهم: المسكين من ليس عنده ما يكفيه في ضرورياته في سنته. وأما الفقير فهو أشد حالًا من المسكين. فالمسكين قد يملك شيئًا، سمى الله عز وجل أصحاب السفينة مساكين، وهم يملكون سفينة، ومع ذلك مساكين، لماذا؟ لأن فيما يفهم من هذه التسمية أن سفينتهم لا تكفيهم لنفقتهم الضرورية في سنتهم، فإذا هم وإن ملكوا سفينة مساكين. فاليوم قد يملك إنسان بقالة، يملك سيارة يشتغل عليها، يملك عقارًا يؤجره، ولكن ليس عنده ما يكفيه لضرورياته في الحياة في سنته، فهو لا يزال مسكينًا. ليس كونه يملك بقالة أو يملك بيتًا يؤجره معناه أنه ليس بمسكين، لا يزال مسكينًا. فإذن هذا المسكين يستحق من الزكاة، ولكن كما قال الشيخ رحمه الله: يفرق. فمن كان ليس عنده شيء، يعطى لسنته كاملًا كالفقير. الفقير عنده ما يكفيه ليومه، أو قد يكون عنده ما يكفيه ليومه أو شهره، لكن بلا شك ليس عنده ما يكفيه لسنته، فهذا الفقير يعطى لسنة كاملة. والمسكين من عنده ما يكفيه لبعض سنته، لا لكلها، فيعطى ما يكمل له. مثلًا عنده نفقة ثابتة، راتب شهري، أو إيجار بيت، أو دخل بقالة، دخل سفينة، دخل تجارة، لكن هذه المصادر لا تكفيه لسنته، تكفيه ثمانية أشهر مثلًا، بمعدل أن نفقة هذه الأسرة مثلًا مئة وخمسين ألفًا في الشهر، فإذن نكمل له ما ينقص. كم أشهر؟ أربعة أشهر من مئة وخمسين ألفًا، يعطى من الزكاة كم؟ ستمائة ألف. هكذا تحسب. لو أن أهل الإسلام فعلوا مثل هذا، لم احتاج أحد، لا فقير ولا مسكين. لكن للأسف كثير من الناس بخلوا في أموالهم، ولم يؤدوا زكاتها. ومن أدى زكاتها وضعها في غير موضعها، يعطي أهله وقرابته ولو كانوا أغنياء، ويعطي عماله ولو فوق الحاجة، أو يضعها في غير موضعها من غير مصارف الزكاة. وكل هذه الأخطاء جعلت الناس لا تزال في حاجة. وإلا نظام الإسلام نظام عظيم، الله سبحانه وتعالى الحكيم جعل هذه التقسيمات والتشريعات بمقتضى حكمة ربانية. أو أن الناس ساروا عليها، لحصل ما تكون به سعادة الناس في الفرد والمجتمع، في دنياهم وفي آخرتهم. ولكن لله حكمة، كان يحصل مثل هذا التقصير. وقوله: وطالب العلم الفقير لشراء كتبه، هذا من باب التأكيد. وإلا طالب العلم لو لم يكن فقيرًا، واحتاج أن يشتري من الكتب ما يستعين بها، فيعان على ذلك. يعني عنده ما يغنيه في نفقته، ولكن ليس عنده ما يغنيه فيما يحتاجه من احتياجات في طلبه للعلم، فيجوز أن يعطى من الزكاة على الصحيح من أقوالها للعلم. وسيأتي معنا إن شاء الله: يدخل في عموم قول الله عز وجل: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال رحمه الله تعالى: فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله عز وجل وليس في وجهه مزعة لحم». رواه البخاري. وفي هذا دليل على ذنب المسألة. معناه: من يدخل في باب المسألة، يبعث يوم القيامة وجهه ليس فيه لحم، علامة على أنه كان يسأل مسألة محرمة. وسيأتي الاستثناء في المسألة. قالوا: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سأل الناس أموالهم تكثرًا، فإنما يسأل جمرًا، فليستقل له، ليستكثر». رواه مسلم. وهذه صورة أخرى من الصور المحرمة في المسألة، أن يسأل الناس تكثرًا، يعني ليس به حاجة. كحال بعض السائلين، لا يزال في قول حياته وهو يسأل، وهذا حرام لا يجوز. صارت المسألة عن بعض الناس مهنة، مهنة. بل في بعض البلدان عصابات تشتغل في هذا، ربما اختطفوا بعض الأطفال والنساء ليشغلوهم في هذه المهن. والإسلام سد هذا الباب، فلا يجوز مثل هذا، وامتهان مثل هذا خطأ ومعصية. قالوا: عن حكيم بن حزام رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى». رواه البخاري ومسلم. وكذلك هذا فيه ذم المسألة، والحث على التعفف. ولو كان الإنسان ضعيفًا، فاليد العليا خير من اليد السفلى. والتعفف أمر مطلوب. ومن سأل الله وأخذ بالأسباب أغناه الله سبحانه وتعالى. ومن يستعفف يعفه الله. قال: وعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر». رواه أحمد، وهو حديث صحيح. والمعنى: أن باب المسألة يفتح باب الفقر. هذا من جهة الشرع، ومن جهة واقع حال الناس، والأسباب الكونية التي جعلها الله عز وجل مرتبطة بمسبباتها: أن هذا الإنسان باتخاذه المسألة مهنة، قلبه يضعف، وجسده يضعف، فيصير حاله هو الفقر طول حياته. ولأنه ينظر بهذا المنظار الضيق، حشر نفسه في زاوية ضيقة، لماذا؟ لأنه يريد يكسب بطريق المسألة. فإذا حتى لو كسب المال، ما يستطيع أن يتمتع بهذا المال، يصير المال فقط مكنوزًا، لماذا؟ لأنه لا يريد أن يظهر للناس أنه غني، فلا يزال يظهر نفسه بأنه ماذا؟ فقير، متمسكن، ثياب مقطعة، حال يرثى لها، مع أنه قد كسب الكثير، ولكن ما يستطيع. خلاص حشر نفسه في سجن، ما هو هذا السجن؟ سجن المسألة. عنده مال كثير، ما يستطيع مثل الناس يتفكه، يحك رأسه، أريد ألبس هذا الثياب الجميلة. لكن خلاص حشر نفسه في سجن المسألة. فهذا من تفسير الحديث، فهو لا يزال في باب المسألة، وباب الفقر، حتى يتوفاه الله، لماذا؟ لأنه رضي لنفسه بهذا، فظلم نفسه في الدنيا، وفي الآخرة. «لا يفتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر». سجنوا أنفسهم في باب المسألة والفقر. قال: وإن سأل الزكاة شخص، وعليه علامة الغنى عنها، وهو مجهول الحال، جاز إعطاؤه منها بعد إعلامه أنه لا حظ فيها لغني، وللقوي مكتسب. لأن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه رجلان يسألانه، فقلب فيهم البصر، فرآهما جلدين، يعني قويين، عندهما استطاعة للعمل، فقال: «إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، وللقوي مكتسب». رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وهو كذلك حديث صحيح. وهذا والذي قبله ذكرهما غير واحد من الحسناء لهما، وذكره الشيخ الألباني رحمه الله في مواضع من كتبه، منها الإرواء. والشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب». فمن ليس عنده المال، لكن عنده القوة الذي يكسب المال، كذلك لا تجوز له المسألة، لا تجوز. فلا يجوز له أن يسأل الناس، وهو يستطيع أن يعمل. وتأسف حين يهين بعض الناس رجولته وقوته بالمسألة، فهي مذلة ومهانة ومنقصة شرعًا وعرفًا. طيب كيف يعطى؟ وأن تترى فيه القوة، لأنه قد يوجد عنده سبب كما سيأتي معنا: أن المسألة تجوز في أحوال. ولكن ينبغي أن يوضح الإنسان، لا يسأل من دون التوضيح. ومن لم يسأل خير له من أن يسأل، لأن اليد العليا خير من اليد السفلى. ومن يستعفف يعفه الله. قال رحمه الله: الصنف الثالث من أهل الزكاة: العاملون عليها، وهم الذين ينصبهم ولاة الأمور لجباية الزكاة من أهلها، وحفظها وتصريفها. ويعطون منها بقدر عملهم، وإن كانوا أغنياء. وهذه العطية تكون من ولي الأمر، أو من ينيبه. ليس هم يقسمون لأنفسهم. وإن كانوا يعملون تحت غير ولي الأمر، فيأخذون أجرة المثل. أو لم يحدد لهم ولي الأمر، يأخذون أجرة المثل. لا يجوز لهم أن يعتدوا ويأخذوا أكثر. وهذا بالنسبة للجامع، ولي الأمر كذلك، المعطي الموزع، كلاهما يستحق هذه الزكاة. فالعاملون عليها في جمعها، والعاملون عليها في توزيعها. قالوا: أما الوكلاء لفرد من الناس في توزيع زكاته، فليس من العاملين عليها، فلا يستحقون منها شيئًا من أجل وكالتهم فيها. الوكالة غير العمل. لكن إذا إنسان أو مؤسسة خيرية أو غيرها أرادت أن توكل أناسًا، ما أحد سيخدمها بدون ثمن. فإذا يحتاج أن توظف هذا التوظيف، هل يجوز من الزكاة؟ الصحيح: يجوز من الزكاة، ما دام الأعمال أعمال الزكاة، فيجوز من الزكاة. قال رحمه الله: الصنف الرابع: المؤلفة قلوبهم، وهم ضعفاء الإيمان، أو من يخشى شرهم، فيعطون من الزكاة. أو كذلك من يتقوى الإسلام بهم، يعني من يرجى دخوله في الإيمان في الإسلام. كافر يراد إسلامه، أو مؤمن يخشى كفره وردته، أو كافر يخشى أذيته، أو كافر يستعان بتأليفه في حماية الإسلام. هذه أربعة أوصاف، يجوز فيها التأليف من الزكاة. قال: فيعطون من الزكاة ما يكون به تقوية إيمانهم، أو دفع شرهم، إذا لم يندفع إلا بإعطائهم. أو كذلك الأمرين الآخرين كما سمعنا. وله صور كثيرة، خصوصًا في زماننا المعاصر. فبناء المراكز الإسلامية في بلاد الكفر يحتاج إلى تأليف، حتى تبقى هذه المراكز بحماية، تنشر الإسلام. كيف يمكنك أن تضع مركزًا إسلاميًا في بلاد كافر؟ يمكن، لكن له ثمن. ما هذا الثمن؟ أنك تتألف أولئك بما يجوز تأليفهم به، تقوم خدمات مجتمعية اجتماعية، تعين على بقاء هذا المركز. فتقيم مركزًا إسلاميًا في عدة أعمال، ومنها ما يكون تأليفًا للكفار، أن يتعرفوا على الإسلام. بالطب، بالتعليم، بكذا، مساعدة المحتاجين، وإعانة أهل ذوي الاحتياجات الخاصة، ونحو ذلك. وهذا من التأليف، إظهار صورة الإسلام بصورة حسنة، وإعانة في حفظ وبقاء الخير للدعوة. وكذلك يعين على دخول وتعرف الناس على الإسلام. قال: الصنف الخامس: الرقاب، وهم الأرقاء المكاتبون، الذين اشتروا أنفسهم ليحرروا بذلك أنفسهم. ويجوز أن يشترى عبد فيعتق، أو يفك بها مسلم من الأسر، لأن هذا داخل في عموم الرقاب. قال: الصنف السادس: الغارمون، الذين تحملوا غرامة، وهم نوعان. الأول: من تحمل حمالة لإصلاح ذات البين، وإطفاء الفتنة، فيعطى من الزكاة بقدر حمالته، تشجيعًا له على هذا العمل النبيل الذي به تأليف المسلمين، وإصلاح ذات بينهم، وإطفاء الفتنة، وإزالة الأحقاد والتنافر. وعن قبيصة الهلالي قال: تحملت حمالة، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أسأله فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها». ثم قال: «يا قبيصة، إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة، فحلت له المسألة حتى يصيبها، ثم يمسك». وذكر تمام الحديث. رواه مسلم. فمن المواضع التي يجوز فيها المسألة: تحمل الحمالة، يعني لإصلاح ذات البين. قال: الثاني: من تحمل حمالة بذمته لنفسه، وليس عنده وفاء، فيعطى من الزكاة ما يوفي به دينه، وإن كثر. أو يوفى طالب، وإن لم يسلم للمطلوب. لأن تسليمه للطالب يحصل به المقصود من تبرئة ذمة المطلوب. ومنه لو أن إنسانًا معسرًا عليه دين كبير، أو تحمل دية، أو نحو ذلك، فيعطى لمن هو له، حتى تسقط هذه الحمالة، أو هذا الدين، والغرم الكبير ونحوه. قال: الصنف السابع: في سبيل الله، وهو الجهاد في سبيل الله، الذي يقصد به أن تكون كلمة الله العليا، لا لحمية، ولا لعصبية، فيعطى المجاهد بهذه النية ما يكفيه لجهاده من الزكاة. أو يشترى بها سلاح وعتاد للمجاهدين في سبيل الله، لحماية الإسلام، والذود عنه، وعلى كلمة الله سبحانه. وكما قال رحمه الله: لا لحمية، ولا لعصبية. ويدخل كذلك بهذا: لا لسياسة، ولا لكراسي ومناصب، ولا لغير ذلك. ولو علقت عليه شماعة الإسلام، وأنه في سبيل الله. العبرة بالحقائق، لا بالمسميات. العبرة بالحقائق. وهكذا يلحق فيه. والله أعلم. وهو قول شيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة من أهل العلم. ومنهم شيخنا. فشيخنا رحمه الله كذلك يقول بهذا القول. طالب العلم، وطريق العلم، مما يدخل في معنى في سبيل الله، لأنه مما ترفع به كلمة الله، وتعلى بالحجة والبرهان. فالجهاد جهادان: جهاد بالسيف والسنان، وجهاد بالحجة والبرهان. قال رحمه الله: صنف الثامن: ابن السبيل، وهو المسافر الذي انقطع به السفر، ونفذ ما في يده، فيعطى من الزكاة ما يوصله إلى بلده، وإن كان غنيًا فيها. وجد من يقرضه، لكن لا يجوز أن يستصحب معه نفقة قليلة، لأجل أن يأخذ من الزكاة. إذا نفدت، يعني هذا من التحايل والحيلة، لا تحلل الحرام. إنسان يمشي، يقول: هناك ما شاء الله أهل خير كثير، يأخذ نصف النفقة، لأجل يرجع ممن يحسن إليه، فهذا يعتبر ماذا؟ من أهل المسألة المحرمة، لأنه تعمد عدم أخذ النفقة، لأجل يرجع بنفقة غيره، فلا يحل له ذلك. قال: لأنها حيلة على أخذ ما لا يستحق، ولا تدفع الزكاة لكافر، إلا أن يكون من المؤلفة قلوبهم. ولا تدفع لغني عنها، بما يكفيه من تجارة، أو صناعة، أو حرفة، أو راتب، أو مغل، أو نفقة واجبة. إلا أن يكون من العاملين عليها، أو المجاهدين في سبيل الله، والغارمين لإصلاح ذات البين. ولا تدفع الزكاة في إسقاط واجب سواها، فلا تدفع للضيف بدلًا عن ضيافته. فلو واحد قال: عندنا دين ضيافة، هل يجوز أن يؤدى من الزكاة؟ لا يجوز أن يؤدى من الزكاة، لأن الناس لو فتح لهم هذا الباب، لصارت ماذا؟ سببًا لتحمل الديون في هذا الباب. وليس مثله إذا كانت هناك جهات خيرية عليها ديون مجملة، ومن ضمن الديون ديون ضيافات، فإن كانت هذه بدون تكلف، فهي من الديون المجملة التي يجوز أن يسدد من الزكاة. يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا. ولكن هذا التنبيه ينبهنا أنه لا يجوز التوسع بهذا الباب، باب الضيافات، ينبغي أن يضيق. ولهذا جعلها الإسلام كم أيام؟ ثلاثة أيام فقط. ثلاثة أيام. قال رحمه الله تعالى: ولا لمن تجب نفقته من زوجة، أو قريب، بدلًا عن نفقتهما. ولا يجوز دفعها للزوجة والقريب فيما سوى النفقة الواجبة. يعني لا يجوز أن يعطى للقريب في الشيء الواجب. وما هو غير واجب، لا يجوز فيه الزكاة أصلًا. إذن كلا الأمرين لا يجوز. طيب متى تجوز الزكاة للقريب؟ قال العلماء: إذا كان ليس عنده ما يكفيه من أصل المال، جاز أن يعطيه من الزكاة. جاز أن يعطيه من الزكاة. مثلًا عنده ولد، وهو وجبت عليه زكاة يسيرة، وولده فقير، وهو لا يستطيع أن ينفق على ولده الفقير، فهل يجوز له أن يعطيه من هذه الزكاة اليسيرة ليدفع بعض فقره؟ الجواب الصحيح: نعم. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وجماعة من أهل العلم. ومنهم شيخنا محمد بن صالح المثيمين رحمه الله، وجماعة آخرون. فالضابط: كل من تجب أن ينفق عليه من أصل المال، من الغني، إذا لم يستطع من أصل ماله، جاز أن يعطيه من الزكاة. قال رحمه الله: فهي صدقة وصلة. قال رحمه الله: فيجوز أن يقضي بها دينًا عن زوجته، لا تستطيع وفاءه. وأن يقضي بها عن والديه، أو حج من يقارب دينًا لا يستطيع وفاءه. يعني من أصل المال لا يستطيع وفاءه من أصل المال، ولكن من الزكاة، ولو بعضه جاز كما تقدم. وهذا اختيار الشيخ. قال: ويجوز أن يدفع الزكاة لأقاربه في سداد نفقتهم، إذا لم تكن واجبة عليه، لكون ماله لا يتحمل الإنفاق عليهم، ونحو ذلك. كما وضحنا قبل قليل. قال: ويجوز دفع الزوجة زكاتها لزوجها في قضاء دين عليه، ونحوه. وذلك لأن الله سبحانه علق استحقاق الزكاة بأوصاف عامة، تشمل من ذكرنا وغيرهم. فمن اتصف بها كان مستحقًا. وعلى هذا فلا يخرج أحد منها إلا بنص أو إجماع. هذا هو الأصل كما تقدم. قاله في الصحيحين من حديث زينب الثقفية، امرأة عبد الله بن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء بالصدقة، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إنك أمرت بالصدقة، وكان عندي حلي، فأردت أن أتصدق به. فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدق به عليهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق ابن مسعود، زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم». وعن سلمان بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصدقة على الفقير صدقة، وعلى ذوي الرحم صدقة وصلة». رواه النسائي والترمذي بن خزيمة والحاكم، وقال: الصحيح في الإسناد. وذو الرحم هم القرابة، قربوا أو بعدوا. ولكن بالضابط الذي سبق: إذا كان لا يستطيع أن ينفق عليهم من أصل المال، هذا واحد. أو هم ممن لا يجب أن ينفق عليهم من أصل المال، مثل القرابات البعيدة، يعني ليسوا من الدرجة الأولى. قال: ولا يجوز أن يسقط الدين عن الفقير، وينويه عن الزكاة، لأن الزكاة أخذ وإعطاء. قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾. يعني إنسان له دين عند إنسان آخر، فأراد أن يخرج الزكاة، فقال: خلاص الدين الذي على فلان، سأسامحه، وأجعله من الزكاة. هذا لا يجوز. بل يجب أن تسلمه الزكاة، ثم هو يعطيك، يسدد لك بغير ضغط، ولا حيلة، ولا شرط. وهل يجوز لمن أعطي أن ينفق على نفسه في شيء غير الدين الذي أعطي له؟ مثلًا أنت زيد من الناس، استدان من عمر، فزيد هذا أعطي من عمر زكاة، وهو عليه دين، فهو يفهم ما شاء الله أعطاني نفس الدين الذي عليه. ترى لماذا علي دين لعمر مئة ألف، فجاء عمر أعطاني قال: هذه زكاة مئة ألف. سيفهم أن معناه عمر يقول له: رد لي المئة. فهل يجب عليه أن يرد؟ الصحيح: إذا كان ليس عنده ما هو أشد حاجة وضرر منه، يرد له. وإذا لا، لأن هذا إحسان. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ لكن إذا كان عنده ما هو أهم، يقدم الذي هو أهم. لأن هذا حق من الله، ثم يرد له ما تيسر من الدين. مثلًا ابنه مريض، ما عنده مال، جاءت هذه المئة ألف، الحمد لله يعالج ابنه أولًا، ويسدد الدين. يسدد الدين، لا يقدم الإبن. علاج الإبن ثم الدين، كما قال الله: ﴿فَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾. قال رحمه الله تعالى: ولا يجوز أن يسقط الدين عن الفقير، وينويه. طيب هذا قرأناه. قال: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله افترض عليهم صدقة، تأخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم». والشاهد أن فيها أخذ وعطاء. قال: وإسقاط الدين عن الفقير ليس أخذًا ولا ردًا. ولأن ما في ذمة الفقير دين غائب، لا يتصرف فيه، ولا يجزئ عن مال حاضر يتصرف فيه. يعني هذا حقيقة، وهذا في الديانة. قال: ولأن الدين أقل في النفس من الحاضر، وأدنى. فأداؤه عنه كأداء الرذي عن الجيد. قال: وإذا اجتهد صاحب الزكاة، فدفعها لمن يظن أنه من أهلها، فتبين بخلافه، فإنها تجزئه. لأنه اتقى الله ما استطاع، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رجل قال: والله لا تصدقنَّ، فذكر الحديث. وفيه: فوضع صدقته في يدي غني، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق على غني. فقال: الحمد لله على غني. فأتي فقيل: أما الغني فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه الله». في رواية مسلم: «أما صدقتك فقد تقبلت». ومعناه: إذا أخطأ بغير عمد، فهو عفو. ومن باب أولى ما يأخذه ولي الأمر قهرًا. فإذا فعل ذلك قهرًا، فيجزئك. وولي الأمر يضعها حيث أمره الله. فإن لم يفعل، فهذا بينه وبين الله. قالوا: عن معاوية بن يزيد رضي الله عنه قال: كان أبي يخرج دنانير يتصدق بها، فوضع عند رجل في المسجد، فجئت فأخذتها، فأتيت بها، فقال: والله ما إياك أردت. فخاصمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معاوية». رواه البخاري. والمعنى أن الإبن أخذها لأنه استحقها. وهذا يؤكد ما سبقت الإشارة إليه من قبل. وكذلك فيه: لو حصل الخطأ بغير قصد، فلا حرج. قال إخواني: إن الزكاة لا تجزئ ولا تقبل حتى توضع في المحل الذي وضعها الله فيه. فاجتهدوا رحمكم الله فيه، واحرصوا على أن تقع مواقعها أو موقعها، وتحلوا محلها، لتبرئوا ذممكم، وتطهرّوا أموالكم، وتنفذوا ما أمر ربكم، وتقبل صدقاتكم. والله الموفق. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم آمين. لهنا. والله تعالى أعلى. شكرًا للمشاهدة، شكرًا للمشاهدة، اشتركوا في القناة.