الدرس في مجالس شهر رمضان للعلامة العثيمين 22، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
ليلة القدر ليلة مباركة يكثر فيها الخير والبركة، وأنزل فيها القرآن. قدر الله فيها ما يكون في السنة ويضاعف الأجر لمن قامها إيمانًا واحتسابًا.
توجد ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، وأقرب لياليها هي الليالي الوترية وخاصة في السبع الأواخر. تتنزل فيها الملائكة بالخير والبركة والرحمة.
ليلة القدر تتنقل في العشر الأواخر بين الأوتار والشفع، وأرجاها ليلة سبع وعشرين. يُطلب من المؤمنين تحريها والدعاء بالهداية والحماية من الفتن.
يصرّ إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم إراءة وتعليقًا على كتاب مجالس شهر رمضان للعلامة المثيمين -رحمه الله تعالى- إراءة وتعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن مرعي العدني -حفظه الله تعالى- القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثاني والعشرين. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال شيخنا محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى- في كتابه مجالس شهر رمضان: قال: المجلس الثاني والعشرون في اجتهاد في العشر الأواخر وليلة القدر. الحمد لله عالم السر والجهر، وقاصم الجبابرة بالعز والقهر، محصي قطرات الماء وهو يجري في النهر، وباعث ظلام الليل ينسقه نور الفجر، موفر الثواب للعابدين، ومكمل الأجر، العالم بخائنة الأعين وخافية الصدر، شمل برزقه جميع خلقه، فلم يترك النمل في الرمل، ولا الفرخ في الوكر، أغنى وأفقر، وبحكمته وقوع الغنى والفقر، خلوضل بعض المخلوقات على بعض حتى أوقات الدهر، ليلة القدر خير من ألف شهر، أحمد حمدًا لا منتهى لعدده، وأشكره شكرًا نستجلب المزيد من مدده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة مخلص في معتقده، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الذي نبع الماء من بين أصابعه، صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر صاحبه في رخائه وشدائده، وعلى عمر بن الخطاب كهف الإسلام وعضده، وعلى عثمان جامع كتاب الله وموحده، وعلى علي كهف الحروب وشجعانه بمفرده، وعلى آله وأصحابه المحسن كل منهم في عمله ومقصده، وسلم تسليمًا. قال: إخواني، في هذه العشر المباركة ليلة القدر التي شرفها الله على غيرها، ومنّ على هذه الأمة بجزيل فضلها وخيرها، أشهد الله بفضلها في كتابه المبين، فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾. وصفها الله سبحانه بأنها مباركة لكثرة خيرها وبركتها وفضلها، ومن بركتها أن هذا القرآن المبارك أنزل فيها، ووصفها سبحانه بأنه يفرق فيها كل أمر حكيم، يعني يفصل من اللوح المحفوظ إلى الكتبة ما هو كائن من أمر الله سبحانه في تلك السنة من الأرزاق والآجال والخير والشر وغير ذلك من كل أمر حكيم من أوامر الله المحكمة المتقنة التي ليس فيها خلل ولا نقص ولا سفه ولا باطل، ذلك تقدير العزيز العليم. وهذا من عظمة هذه الليلة أن الله عز وجل جعلها ليلة عظيمة القدر وعظيمة التقدير، ولهذا قال العلماء: سميت ليلة القدر لكبر قدرها، وكذلك لعظيم ما ينزل فيها من التقدير، فالله عز وجل جعلها ليلة العام الذي ينزل فيه سبحانه وتعالى التقدير العام من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، وكله في علم الله سبحانه وتعالى، ولكن الله عز وجل ينزل ذلك بحكمته وعدله سبحانه وتعالى على هذا الوجه. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، قال: القدر بمعنى الشرف والتعظيم، أو بمعنى التقدير والقضاء؛ لأن ليلة القدر شريفة عظيمة، يقدر الله فيها ما يكون في السنة، ويقضيه من أموره الحكيمة. "ليلة القدر خير من ألف شهر" يعني في الفضل والشرف وكثرة الثواب والأجر، ولذلك كان من قامها إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه. واستدل العلماء بهذه الآية على مضاعفة الأعمال فيها هذا القدر، يعني أن الأعمال تضاعف بأكثر من ألف شهر، وهو أكثر عمر للإنسان فيما هو معتاد، والمعنى هبة من الله سبحانه وتعالى، يجعلها الله عز وجل في كل سنة في هذه الليلة المباركة الخاصة لمن وفقه الله لها بعبادة الله فيها، أن يضاعف أعماله عن عمره وزيادة. فيهيب من الله جعل هذا الجزاء محل تنافس، فمن وفق لها فقد وفق لخير كثير، ومن حرمها حرم خيرًا كثيرًا. قال رحمه الله تعالى: وقوله سبحانه: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾، قال: الملائكة عباد من عباد الله قائمون بعبادته ليلًا ونهارًا، لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون. قال: يتنزلون في ليلة القدر إلى الأرض بالخير والبركة والرحمة، وقوله: يتنزلون مأخوذ من قوله سبحانه: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾، وهم يتنزلون، أي: أولًا هم كثير، وثانيًا ينزلون دفعات دفعة دفعة، وهذا لعظم هذه الليلة، فهي ليلة مشهودة لأهل السماء ولأهل الأرض، أهل السماء يعلمون بها ويعظمونها، فهي من أعظم الليالي لأهل السماء، حتى إن الملائكة مع عظمتها تحتشد وتنزل دفعات على احتشادهم في عظم هذه الليلة. وهكذا ينبغي أن يكون أهل الأرض أن لا يفوتهم هذا الخير في هذه الليلة العظيمة عند الله وعند الملائكة، وهكذا ينبغي أن يكون عند الإنس لمن وفقه الله لإدراك هذه الليلة، قال: أن يتنزلون في ليلة القدر إلى الأرض بالخير والبركة والرحمة. والروح هو جبريل عليه السلام، خصه بالذكر لشرفه وفضله، والمعنى أن من هو أخص الملائكة وأكبرهم كذلك ينزل معهم، وهذا تأكيد لشرف هذه الليلة، فإذا نزل الملائكة وحدهم ولم ينزل أكبرهم ربما كان هذا ليس فيه من التعظيم والإجلال ما يكون حين ينزل كبير الملائكة معهم، وهذا كذلك تأكيد لعظم هذه الليلة. قال رحمه الله: وقوله: ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾، أي: يعني أن ليلة القدر ليلة سلام للمؤمنين من كل مخوف؛ لكثرة من يعتق فيها من النار ويسلم من عذابها، "حتى مطلع الفجر" يعني أن ليلة القدر تنتهي بطلوع الفجر لانتهاء عمل الليل به. وفي هذه السورة الكريمة فضائل متعددة لليلة القدر، الفضيلة الأولى: أن الله أنزل فيها القرآن الذي به هداية البشر وسعادتهم في الدنيا والآخرة. والفضيلة الثانية: ما يدل عليه الاستفهام من التفخيم والتعظيم في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾. والفضيلة الثالثة: والمعنى أنها ليلة عظيمة، وقد مر معنا بعض الأوصاف الذي يدلنا ويؤكد لنا عظمة هذه الليلة. قال: الفضيلة الثالثة أنها خير من ألف شهر، تقدم معنى معناه، قال بعض أهل العلم: أكثر من بضع ثمانين سنة. قال: الفضيلة الرابعة: أن الملائكة تتنزل فيها، وهم لا ينزلون إلا بالخير والبركة والرحمة، وكذلك لا ينزلون إلا لأمر عظيم، فيدل على بركة هذه الليلة شرفها وعظمتها. قال: الفضيلة الخامسة: أنها سلام؛ لكثرة السلامة فيها من العقاب والعذاب بما يقوم به العبد من طاعة الله عز وجل. قال: الفضيلة السادسة: أن الله أنزل في فضلها سورة كاملة تتلى إلى يوم القيامة. قالوا: من فضائل ليلة القدر ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، فقوله: "إيمانًا واحتسابًا" يعني إيمانًا بالله وبما وعد الله من الثواب للقائمين فيها، واحتسابًا للأجر وطلب الثواب. وهذا حاصل لمن علم ومن لم يعلم؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يشترط العلم بها في حصول هذا الأجر، والمعنى ليس من المهم أن تعلم أنك شهدت ليلة القدر أو لم تشهد، ولكن المهم أنك تعمل ما تفرح به ويفرح به ربك في هذه الليالي المرجو فيها ليلة القدر. وهذا هو الفرق، تجد كثيرًا من العوام يقولون: هنيئًا لفلان رأى نورًا، رأى ليلة القدر، كأنهم يظنون أن نيل فضل ليلة القدر برؤية شيء، وهذا ليس بصحيح، بل ليلة القدر التوفيق لها بأن يوفقك الله للطاعة والعبادة وأنواعها، فيكون لك شهود في هذه الليلة علمت أو لم تعلم، المهم أنك ملأت الوقت المرجو بالطاعات. قال: وليلة القدر في رمضان؛ لأن الله أنزل القرآن فيها، وقد أخبر أن إنزاله في شهر رمضان، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، فبهذا تعين أن تكون ليلة القدر في رمضان، وهي موجودة في الأمم، في هذه الأمة إلى يوم القيامة. لما رواه الإمام أحمد والنسائي عن أبي ذر -رضي الله عنه- أنه قال: «يا رسول الله، أخبرني عن ليلة القدر، هي في رمضان أم في غيره؟» قال: «بل هي في رمضان»، قال: «تكون مع الأنبياء ما كانوا، فإذا قبضوا رفعت، أم هي إلى يوم القيامة؟» قال: «بل هي إلى يوم القيامة». والحديث كما أشار في التعليق: أنه رواه الحاكم وغيره، ولكن الصحيح: أن إسناده ضعيف؛ لأن مدار الحديث على مالك بن مرثد بن عبد الله الزماني -ويقال: الذماري- عن أبه، وأبوه عن أبي ذر، وأبوه لم يوثقه معتبر، وثقه العجلي وابظة بن حبان، ولكن كما قال العقيلي: لا يتابع على حديثه، وقد تفرد بهذه الرواية، ولهذا أعل هذا الحديث جماعة من الحفاظ، فضعفه الشيخ الألباني -رحمه الله- في مواضع من كتبه. ولكن معناه صحيح كما نرى، معنى الحديث صحيح، فليلة القدر مما اختص الله عز وجل بها هذه الأمة، وهي باقية ببقائها إلى قيام الساعة، وعمومات الأدلة من القرآن والسنة تدل على هذا. قال: لكن فضلها وأجرها يختص -والله أعلم- بهذه الأمة؛ كما اختصت هذه الأمة بفضيلة يوم الجمعة، وغيرها من الفضائل، ولله الحمد. ولا نعرف أنه ذكر هذا في الأمم السابقة، ومدام أنه لا يوجد شيء صحيح صريح، فيبقى أنه مما خصت به هذه الأمة. قال رحمه الله: ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» متفق عليه. وهي في الأوتار أقرب من الأشفاع؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان» رواه البخاري. وهي في السبع الأواخر أقرب؛ لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أن رجالًا من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أرى رؤياكم قد تواطأت -يعني: اتفقت- في السبع الأواخر، فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر» متفق عليه. ولمسلم عنه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «التمسوها في العشر الأواخر -يعني: ليلة القدر- فإن ضعف أحدكم أو عجز، فلا يغلبن على السبع البواقي». وكل هذه أحاديث ليست تحديدًا، وإنما هي للترغيب، وأن مضنت الليلة في هذه الأيام، وإلا فالصحيح الذي دلت عليه عمومات الأدلة: أن ليلة القدر تتنقل في هذه العشر بين أوتارها وشفعها، ومن أول العشر إلى آخرها. وقد صح أنها وقعت في زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- في ليلة إحدى وعشرين، وصح أنها وقعت غير ذلك، وهكذا كذلك الأحاديث تدل على هذا: أنها تقع في الأشفاع وفي الأوتار. قال رحمه الله تعالى: وأقرب أوتار السبع الأواخر ليلة سبع وعشرين؛ لحديث أبي بن كعب -رضي الله عنه- أنه قال: «والله لا أعلم أي ليلة هي الليلة التي أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين» رواه مسلم. وهذا كذلك يدل أن أرجى الوتر سبع وعشرين، وإلا جاءت كذلك في بعض الروايات: أن أرجى الوتر الثلاثة الأخيرة منها، يعني: خمسة وعشرين، وسبعة وعشرين، وتسعة وعشرين، وأرجى هذه الثلاث: ليلة سبعة وعشرين. ولكن لا يعني أن ليلة سبعة وعشرين هي الوحيدة التي تبقى فيها ليلة القدر، كما يظن الكثير من العامة، لا، بل الصحيح: أن ليلة القدر تتنقل؛ لحكم من الله سبحانه وتعالى. قال: ولا تختصوا ليلة القدر بليلة معينة في جميع الأعوام، بل تنتقل، فتكون في عام ليلة سبع وعشرين مثلًا، وفي عام آخر ليلة خمس وعشرين، تبعًا لمشيئة الله وحكمته. وهو كما قال رحمه الله: ويدل على ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: «التمسوها في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى» رواه البخاري. وقد اختلف أهل العلم في تفسير هذا الحديث، والصحيح من أقوال أهل العلم: أن هذا الحديث يؤكد أن ليلة القدر تتنقل؛ لأن قوله عليه الصلاة والسلام: "تاسعة تبقى، وسابعة تبقى" كما قال بعض أهل العلم: هو الحساب من آخر الشهر لا من أول الشهر. وهذا معناه: أن التاسعة والسابعة والخامسة في الليالي الشفعية ستكون وترًا، وفي الليالي الوترية ستكون ماذا؟ شفعًا، احسبوها، فلو كانت خامسة تبقى، فإذا كان الشهر ثلاثين، فالثلاثين واحد، والتسعة وعشرين اثنين، والثمانية وعشرين ثلاثة، ماذا؟ سبعة وعشرين أربعة، ستة وعشرين خمسة، إذن خامسة تبقى هي ليلة كم؟ ستة وعشرين، ليست خمسة وعشرين. وإذا كان الشهر تسعة وعشرين يومًا، فإذا ستكون ليلة خمسة وعشرين، احسبوها: تاسع وعشرين، ثامن وعشرين، سابع وعشرين، سادس وعشرين، خامس وعشرين، خامسة تبقى من شهر كان تسعة وعشرين يومًا هي ليلة خمسة وعشرين. وخامسة تبقى من ليلة من شهر ثلاثين يومًا سيكون كم؟ ليلة السادس والعشرين، إذن هو في الشفع سيكون في الشفع، وفي الوتر شفعًا، وفي الوتر شفعًا، يعني: الشهر الذي ينتهي على ثلاثين سيكون وترًا، وفي الليالي التي العكس يكون العكس، وهكذا. فهذا يؤكد كما قال الشيخ -رحمه الله- وغير واحد من أهل العلم: أن ليلة القدر تتنقل في العشر كلها بين شفعها ووترها. قال رحمه الله: قال في "فتح الباري": أرجح الأقوال أنها في وتر من العشر الأخير، وأنها تنتقل، وهذا هو الصواب. قال: وقد أخفى الله علمها على العباد رحمة بهم؛ ليكثر عملهم في طلبها في تلك الليالي الفاضلة بالصلاة والذكر والدعاء، فيزدادوا قربة من الله وثوابًا. وأخفاها اختبارًا لهم أيضًا؛ ليتبين بذلك من كان جادًا في طلبها حريصًا عليها، ممن كان كسلان متهاونًا؛ فإن من حرص على شيء جد في طلبه، وهان عليه التعب في سبيل الوصول إليه والضفر به. وربما يظهر الله علمها لبعض العباد بأمارات وعلامات يراها، كما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- علامتها: أن يسجد في صبيحتها في ماء وطين، فنزل المطر في تلك الليلة، فسجد في صلاة الصبح في ماء وطين. وهكذا قد يرى بعض الناس في المنام رؤية حق لا أضغاث أحلام، فتكون كذلك من علامات ليلة القدر، وعلامات أخرى كما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في عدة أحاديث: أن شمسها تطلع من صبيحتها ليس لها شعاع، وفي رواية: طافية، يعني: ليس لها لهب، فتكون كأنها قمر، كأنها بدر. قال: إخواني، ليلة القدر يفتح فيها الباب، ويقرب فيها الأحباب، ويسمع القطاب، ويرد الجواب، ويكتب للعاملين فيها عظيم الأجر، ليلة القدر خير من ألف شهر، فاجتهدوا -رحمكم الله- في طلبها، فهذا أوان الطلب، واحذروا من الغفلة؛ ففي الغفلة العطب. "تولى العمر في سهور وفي لهو وفي خسر"، سهوين، الرائع زائدة، "تولى العمر في سهور" يجوز: سهوين وسهور، السهر من السهر، يعني: الناس يشغلون أنفسهم بالسهر. قال: فيا ضيعة من أنفقت في الأيام من عمري ومالي في الذي ضيعت من عمري من عذري، فما أغفلنا عن واجبات الحمد والشكر، أما قد خصنا الله بشهر أيما شهر، بشهر أنزل الرحمن فيه أشرف الذكر، وهل يشبهه شهر؟ وفيه ليلة القدر، فكم من خبر صح بما فيه من الخير، روينا عن ثقات أنها تطلب في الوتري، فطوبى لمرئ يطلبها في هذه العشر، ففيها تنزل الأملاك بالأنوار والبر، وقد قال: ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، ألا فاتدخروها، إنها من أنفس الذخر، فكم من معتقين فيها من النار، ولا يدري. اللهم اجعلنا ممن صام الشهر، وأدرك ليلة القدر، وفاز بالثواب الجزيل والأجر. اللهم اجعلنا فينا السابقين إلى الخيرات، الهاربين عن المنكرات، الآمنين في الغرفات، مع الذين أنعمت عليهم، ووقيتهم السيئات. اللهم اعذنا من مضلات الفتن، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. اللهم ارزقنا شكر نعمتك، وحسن عبادتك، واجعلنا من أهل طاعتك وولايتك، وآتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم آمين.