الدرس في التعليق على شرح الشيخ العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام 5، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش تأخير الصلاة والفطور في يوم الغيم، ويبين أن التأخير اليسير مقبول بينما تأخير الصلاة بغير عذر غير جائز. كما يوضح حدود تأخير الفطور وفق الشرع.
يتناول حكم الجمع بين الصلاتين واشتراط الموالاة، مستدلاً بحديث ابن عباس، ويبين آراء شيخ الإسلام ابن تيمية والمشهور في مذهب الحنابلة في هذا الشأن.
يشرح حكم الأكل والشرب عند الشك في طلوع الفجر، ويفرق بين من يتحرى الوقت ومن يفرط في ذلك، مبيناً أن الأصل هو جواز الأكل حتى يتبين طلوع الفجر.
يشرح حكم الفطر للمسافر شرط أن يكون السفر حقيقيا، ويتطرق إلى حكم ختم القرآن في صلاة التراويح، مبيناً جوازه إذا لم يكن فيه مشقة على المصلين.
يسروا إخوانكم بموقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على شرح الشيخ محمد بن صالح العثيمين على حقيقة الصيام لشيخ الإسلام بن تيمية، رحمهم الله تعالى. التعليق لفضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الخامس. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إن الحمد لله، نحمد ونستعين ونستغفره، ونعود بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، فهذا هو أحد مجالسنا في شرح أو التعليق على كتاب "حقيقة الصيام" مع التعليق على شرح شيخنا محمد بن صالح العثيمين، رحمه الله تعالى، على هذا الكتاب النافع الماتع. وكان آخر ما وقفنا عليه هو ما ذكره المؤلف، رحمه الله، في تناوله لمسألة تقديم أو تأخير الصلاتين المجموعتين في حال الغيم. وقد ذكر ذلك استطرادًا، وقد علمنا فيما سبق أنه وسيأتي، إن شاء الله، زيادة تفصيل وذكر في كتب الفقه والمطولات بما هو أكثر تفصيلًا. سبق معنا أنه لا ينبغي التأخير على حساب الضوابط الشرعية. فإن كان ولابد من الاحتياط، فبشيء يسير يحصل به المقصود، خصوصًا ونحن في هذا الزمان تيسرت لنا من وسائل الحساب والساعات الدقيقة ما يمكن معها معرفة الوقت بدقة. فإن احتاط بدقيقة أو دقيقتين أو ثلاث، فطيب. أما أن تؤخر صلاة المغرب إلى وقت العشاء حتى يغيب الشفق، فهذا خلاف السنة، ولم يفعله الصحابة، ولا تدل عليه عمومات الشريعة، ولا القياس الصحيح كما سيأتي معنا، إن شاء الله تعالى. وكان مما ذكره المؤلف، رحمه الله تعالى، ما أشار إليه في قضية الجمع، وأنه لو صح التأخير من باب الرخصة، فينبغي أن تقدم فيه أو يراعى فيه بعض المصالح. وأشار رحمه الله إلى ما نقل أو نص به عن الإمام أحمد وغيره، رحمهم الله تعالى، بأن بعض أصحابه أخذ بالاحتياط لدخول الوقت. «بكروا بالصلاة في يوم الغيم؛ فإنه من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله». هذا الحديث على الصحيح أنه حديث ضعيف، لم يصح مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيه علتان: علة في متنه، فالصحيح أن الجزء الأول من الحديث جاء موقوفًا عن بريدة، ولم يصح مرفوعًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو صلى الله عليه وسلم: «بكروا بالصلاة في يوم الغيم». فقد رواه أحمد والبيهقي وابن ماجه وابن حبان. وأشار الحفاظ إلى ذلك، وقد ذكر الشيخ الألباني، رحمه الله، في «الإرواء» وأشار إلى هاتين العلتين: العلة في متنه، إذ الراجح في هذه الجملة الأولى الوقف، ولم يصح مرفوعًا. وعلّة في سنده، وأشار الحفاظ إلى ذلك. وأشار المزي، رحمه الله، كذلك إلى ذلك. وهو أن الأوزاعي، رحمه الله، وهما في هذا الحديث، فقد جعله من حديث أبي المهاجر به. والصواب هو ما جاء من طريق هشام عن أبي المليح، كما أشار الحفاظ إلى ذلك. فيرجع إلى «الإرواء» والتعليقات الحسان على «ابن حبان» للألباني، رحمه الله تعالى، قد أشار إلى هاتين العلتين. فالحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. ثم لو قدر أنه صح، فيكون المقصود به بما لا يعارض الصواب الذي دلت عليه عمومات الشريعة. فإذن: «بكروا بالصلاة في يوم الغيم» يعني بكروا بما لا يكون معه الخروج عن الوقت، لا بتقديمها ولا بتأخيرها. وهذا هو الصواب. وقول رحمه الله بعد ذلك: «فإن قيل: فإذا كان يستحب أن يؤخر المغرب مع الغيم، فكذلك يؤخر الفطور». سبق الكلام على ذلك، أن هذا التأخير إنما هو في حدود ما يأذن الشرع بمثله، كما سيأتي معنا، إن شاء الله؛ لأن الصحابة، رضي الله عنهم، لم يكونوا يفعلوا ذلك، كما جاء بحديث أسماء في البخاري وغيره: أنهم شكوا في يوم الغيم، فأفطروا، فظهرت الشمس. فدل ذلك أنهم أولًا بكروا في الفطر، لم يؤخروا. وطبعًا هذا؛ لأنهم لم يكن عندهم الوسائل الدقيقة التي يكون معها معرفة الوقت، فأخذوا باحتياط يسير، هذا الذي يفهم من عمومات الأدلة. ولكن مع ذلك حصل الخطأ. فبعد أن ذهبت الشمس، بعد أن ذهب الغيم، ظهرت الشمس. فدل أنهم لم يأخذوا احتياطًا كبيرًا، أو أنهم أصلا لم يأخذوا بالاحتياط، أخذوا بما يغلب على الظن أن الشمس غربت، فأفطروا، فوقع الخطأ. وفيه ثانيًا، كما سيأتي، إن شاء الله، الإشارة إليه: أي حديث أسماء: أن من أخطأ في مثل ذلك لا يؤمر بالإعادة. هذا هو الصحيح في هذه المسألة؛ لعموم الأدلة في هذا الباب: «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا». قال الله عز وجل: «قد فعلت». كما في حديث ابن عباس في صحيح مسلم، وتقدم معنا كذلك في حديث ابن عباس وغيره: «إن الله تجاوز»، وفي رواية: «وضع عن أمتي الخطأ والنسيان والمكره». وعليه، والحديث حسن بمجموع طرقه. فدل على ما تقدم، وهذا هو الصحيح في هذه المسألة. ولم يؤمر الصحابة، على الصحيح في هذه المسألة، أنهم يعيدوا هذا اليوم. قال رحمه الله تعالى: «فإن قيل: فإذا كان يستحب أن يؤخر المغرب مع الغيم، فكذلك يؤخر الفطور». قيل: «إنما يستحب تأخيرها مع تقديم العشاء، بحيث يصليهما قبل مغيب الشفق. فأما تأخيرها إلى أن يخاف مغيب الشفق، فلا يستحب. ولا يستحب تأخير الفطور إلى هذه الغاية». فهاتان علتان ترجحان ما تقدم. أولًا: أنه لا يجوز تأخير الصلاة حتى يخرج وقتها بغير عذر. فإن قيل: تأخير يسير. ولا بأس أن يجمع بين الصلاتين للحاجة أو لعذر، مع وجود المشقة؛ لحديث ابن عباس في صحيح مسلم: «جمع النبي صلى الله عليه وسلم من غير سفر ولا مطر». ماذا أراد بذلك؟ لما سئل ابن عباس، قال: «أراد أن لا يحرج أمته، أن يرفع الحرج». فعند وجود الحرج يجوز الجمع، يجوز الجمع. لكن إذا لم يوجد الحرج، فلا يجوز الجمع. والجمع بتقديم وقت صلاة يترخص بالتقديم بمثله، أولى من تأخير وقت صلاة حتى يخرج وقتها. فينبغي التنبه لمثل هذا الملحظ الذي نبه عليه الشيخ، رحمه الله، هاهنا. قال رحمه الله تعالى: «ولهذا كان الجمع المشروع مع المطر هو جمع التقديم في وقت المغرب، ولا يستحب أن يؤخر بالناس المغرب إلى مغيب الشفق». يعني أراد أن يستدل بهذا أنه لو قيل بالتأخير، فالمراد التأخير اليسير، ليس معه خروج الوقت. وليس كذلك يؤخر الفطر عن وقت الاستحباب. بل كما تقدم، وفي هذا الزمان كما تقدم وتكرر: وسائل معرفة الوقت الدقيقة كثيرة، فيمكن الاستعانة بها، فلا حاجة إلى التأخير الكثير. قال رحمه الله تعالى: «ولا يستحب أن يؤخر بالناس المغرب إلى مغيب الشفق. بل هذا حرج عظيم على الناس. وإنما شرع الجمع؛ لئلا يحرج المسلمون». أي: لئلا يقع المسلمون في الحرج. «لئلا يحرج المسلمون». ويجوز لو غير العبارة: «لئلا يحرج المسلمين»، أي: على المسلمين. فالمقصود كما تقدم وسبق: إنما شرع الجمع لرفع الحرج. ومثل هذا لا يصح أن يجعل كذلك. وإذا قيل: فينبغي أن يكون جمع تقديم، لا جمع تأخير. قال رحمه الله أيضًا: «فليس التأخير والتقديم المستحب أن يفعلهما مقترنتين. بل أن يؤخر الظهر ويقدم العصر، ولو كان بينهما فصل في الزمان». يعني: ليس المقصود بالتأخير والتقديم أن يؤخر الظهر ويقدم العصر، ليس المقصود بالتأخير، ليس المقصود بالتأخير والتقديم المستحب أن يفعلهما مقترنتين، أي: مع بعض. بل قال: «أن يؤخر الظهر ويقدم العصر، ولو كان بينهما فصل في الزمان». يعني: مثل الجمع الصوري: يؤخر وقت الأولى قبل أن يخرج الوقت، ويقدم وقت الثانية إلى أول الوقت، فيصلي هذه في آخر وقتها، لكن في الوقت، ويصلي هذه في أول وقتها، لكن كذلك في الوقت. وهذا حتى لا يقع في الإثم في الخروج عن الوقت الشرعي الصحيح بغير عذر. قال: «وكذلك في المغرب والعشاء، بحيث يصلون الواحدة وينتظرون الأخرى، لا يحتاجون إلى ذهاب إلى البيوت، ثم الرجوع». وكذلك جواز الجمع لا يشترط له الموالاة. المسألة الأولى: لو احتيج إلى الجمع، فإذا استطاع أن يجمع الجمع الصوري، وهو أن يصلي الصلاة الأولى في آخر وقتها، والثانية في أول وقتها، فهذا أحسن. فإن كان ليس كذلك، كالمسافر، ومن كان معه مشقة، وحرك شديد، لا يمكن معه أن يفعل هذا، مثلًا: إنسان سيركب رحلة سفر، لا يستطيع معها الصلاة في وقت الرحلة، فاحتاج إلى جمع التقديم، كالمرأة مثلًا في السفر، قد تحتاج إلى التقديم، فتجمع بين الصلاتين، ولو لم يدخل وقت الصلاة الثانية؛ لحديث ابن عباس في صحيح مسلم الذي تقدم. قال رحمه الله تعالى: «وكذلك جواز الجمع لا يشترط له الموالاة في أصح القولين، كما ذكرناه في غير هذا الموضع». يعني بالموالاة، كما أشار الشيخ رحمه الله في التعليق، قال: «الموالاة والترتيب بالجمع، فالترتيب هو أن يبدأ بالأولى قبل الثانية، والموالاة أن لا يفصل بينهما بفاصل كثير». فشيخ الإسلام، رحمه الله، يرى أن الجمع معناه ضم أحد الوقتين إلى الآخر، وأنه لا تشترط الموالاة فيه، لا في جمع التقديم، ولا في جمع التأخير. ولكن المشهور في مذهب الحنابلة أن الموالاة شرط. والصحيح كما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى. لكن لو قيل: هل يحتاط؟ هل يحتاط؟ هل يحتاط؟ فيوالي. الجواب: إذا لم يحتاج إلى الفاصل، فيوالي؛ لأن التبكير بالصلاة هو المطلوب، ولأنه أكثر فعل النبي صلى الله عليه وسلم. لكن صح عن النبي عليه الصلاة والسلام عدم الموالاة، كما ثبت في الحج في مزدلفة؛ فإنه صلى المغرب، ثم أنزلوا المتاع، وقاموا بما يحتاجون، ثم صلوا العشاء. فدل هذا الحديث على ترجيح قول من قال: إنه لا يشترط الموالاة؛ إذ لو كان شرطًا، لم يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، ولم يأذن للصحابة أن يفعلوا ذلك. فعلم أن المقصود: الصلاة بالصلاة هاهنا، الجمع هو الجمع بين الصلاتين مع عدم اشتراط الموالاة، عدم اشتراط الموالاة. «أفطرنا يومًا من رمضان في غيم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم طلعت الشمس». وهذا يدل على شيئين: على أنه لا يستحب مع غيم التأخير إلى أن يتيقن الغروب؛ فإنهم لم يفعلوا ذلك، ولم يأمرهم به النبي صلى الله عليه وسلم. والصحابة مع نبيهم أعلم وأطوع لله ولرسوله ممن جاء بعدهم. والمعنى: أنهم لم يؤخروا بهذا الاحتياط الذي يبالغ فيه الفقهاء. بل بعض أهل العلم قال: لم يؤخروا أصلا، لم يحصل تأخير. لكن كما تقدم معنا: الصحيح إذا احتيج إلى تأخير يسير ليحصل اليقين، فلا حرج. وإذا كانت هناك أجهزة دقيقة، وثبت بالتجربة أنه لا يحصل الخطأ مع هذا الحساب أو هذه الأجهزة والساعات، فلا حرج لو أفطروا في نفس الوقت بعينه، دون أي احتياط. وهذا هو الصواب في هذه المسألة، إن لم يحتاجوا إلى الاحتياط. فكذلك، وإن احتاجوا إلى الاحتياط، مثلًا: وقت مدينة عدن على سبيل المثال: الغروب الساعة السادسة، ولكن هذا رجل صياد، مشى في البحر، فابتعد قليلًا عن مدينة عدن، ولكنه في جهتها، فهو لا يستطيع أن يجزم أن الوقت واحد، لكنه قريب منه. ومن عادته أنه في تنقله في بحر هذه المدينة يمنة ويسرة: أن الوقت قريب من هذا الوقت. إذن في وقت الغيم، لو احتاط بدقيقتين أو ثلاث، فلا حرج. وأما من هو في المدينة، وعادتهم أنهم يرون الشمس تغرب على نفس ما في الحساب، وما علموا، فلا حرج إن أفطروا في نفس الوقت، ولو في وقت الغيم، لا حاجة للاحتياط. هذا هو الصحيح، والتفصيل في هذه المسألة، والله أعلم. وحديث أسماء يدل على هذا المعنى، كما أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: «والثاني: أنه لا يجب القضاء؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لو أمرهم بالقضاء، لشاع ذلك، كما نقل فطرهم». يعني: ما دام نقل الفطر، فإن كان هناك قضاء، لنقل القضاء مع هذا الفطر. فما دام لم ينقل القضاء، فدل ذلك أنهم لم يؤمروا بالقضاء. وهذا هو الصحيح، ويؤيده ما تقدم: معنى من عمومات وأدلة في الكتاب والسنة تدل على رفع الحرج والعذر بالخطأ. قال: «فلما لم ينقل ذلك، أدل على أنه لم يأمرهم به». قال: «فإن قيل: فقد قيل لهشام بن عروة: أمروا بالقضاء؟ قال: أوبد من القضاء؟ قيل لهشام: قال ذلك برأيه، لم يرو ذلك في الحديث». ويدل على أنه لم يكن عنده بذلك علم: أن معمرًا روى عنه، قال: «سمعت هشامًا يقول: لا أدري، أقضوا أم لا؟» ذكر هذا، وهذا عنه. ذكر هذا، وهذا عنه. البخاري، أي: ذكر الأول والثاني. قال: «والحديث رواه عن أمه فاطمة بنت المنذر عن أسماء. وقد نقل هشام عن أبيه عن عروة: أنهم لم يؤمروا بالقضاء. وعروة أعلم من ابنه». وهذا قول إسحاق بن راهويه، وهو قرين أحمد بن حنبل، ويوافق في المذهب أصوله وفروعه. وقولهما كثيرًا ما يجمع بينه. والكوسج سأل مسائل أحمد وإسحاق. وكذلك حرب الكرماني سأل مسائل أحمد وإسحاق. وكذلك غيرهما. ولهذا يجمع الترمذي قول أحمد وإسحاق؛ فإنه روى قولهما من مسائل الكوسج. وكذلك أبو زرعة، وأبو حاتم بن قتيبة وغير هؤلاء من أئمة السلف والسنة والحديث، كانوا يتفقهون على مذهب أحمد وإسحاق، يقدمون قولهم على قول أقوال غيرهما. وأئمة الحديث: كالبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وغيرهم، هم أيضًا من أتبعهما، ممن يأخذ العلم والفقه عنهما. وداود من أصحاب إسحاق. وقد كان أحمد بن حنبل إذا سئل عن إسحاق، يقول: «أنا أسأل عن إسحاق، إسحاق يسأل عني». والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور ومحمد بن نصر المروزي وداود بن علي ونحو هؤلاء، كلهم فقهاء الحديث، رضي الله عنهم أجمعين. يعني: يشير أولًا إلى أن الراجح في المسألة: أنهم لم يؤمروا بالقضاء. وهذا هو ترجيح إسحاق وأحمد، كذلك في رواية عنه. ثم استطرد فذكر منزلة إسحاق في العلم، وأنه قرين أحمد بن حنبل، رحمه الله، بل أحمد بن حنبل كان يقدمه على نفسه، تواضعًا منه. وقيل: بل هو كذلك. ولهذا يقرن بين قول إسحاق مع أحمد، كثيرًا أهل العلم في كتبهم ومسائل إسحاق مشهورة مذكورة، وقد تناقلها العلماء، وأفردت كذلك. فالمقصود من هذا: أن المؤلف، رحمه الله، هنا يؤكد ترجيح أنهم لم يؤمروا بالقضاء، وهو الذي تدل عليه عمومات الشريعة. فإذن: لو حصل خطأ في يوم الغيم بدون تفريط، فإنهم لم يؤمروا بالقضاء في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. فمن وقع منه ذلك في هذا الزمان، كذلك لا يؤمروا بالقضاء. لكن نقول: بدون تفريط. مثال التفريط: لو أن إنسان قام من نومه، وعلم أن الوقت مظنة خروجه، فلم ينظر في الساعة، أقبل مباشرة -يعني: هل طلع الفجر أو لا- ما يريد ينظر في الساعة، أول شيء يبدأ بالثلاجة، فيأكل ويشرب ويشبع، ثم ينظر في الساعة، فإذا بالوقت قد خرج -أي: وقت- أي: وقت الإمساك، دخل ووقت الأكل والشرب، وتخرج -أي: الفجر الصادق- قد دخل بكثير. فهنا نقول: هذا مفرط، تعمد أن لا ينظر في ساعته، وأن لا ينظر في الوقت، تقديما لشهوة نفسه في الأكل والشرب. فهذا خطأ لا يجوز. لكن إنسان تحرى وتحرى، فلم يتبين له، ثم بعد ذلك تبين له أنه أخطأ. أحيانًا ينظر إنسان في الساعة فيخطئ، يظن أن الوقت قد دخل، والوقت لم يدخل، أو العكس. أو ليس عنده ساعة، فاجتهد وحاول، وكان وحده، فكذلك هذا معذور. قال رحمه الله تعالى: «وأيضًا، فإن الله قال في كتابه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:187]». وهذه الآية مع الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم تبين أنه مأمور بالأكل إلى أن يظهر الفجر. فهو مع الشك في طلوعه مأمور بالأكل؛ كما قد بسط في موضعه. يعني: أنه لا ينبغي عليه التكلف وعدم الأكل؛ لأنه الأصل؛ لأنه الأصل. قال رحمه الله تعالى: قال شيخنا محمد صالح العثيمين، رحمه الله تعالى، في التعليق على هذه العبارة: «أنه لا ينبغي». فقال: «وعند المتعمقين يقولون: إذا شككت في الفجر، وجب عليك الإمساك». وأشار الشيخ رحمه الله: أن هذا من التعمق المذموم؛ لأن الله سبحانه قال: «كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر». فإذا قوله سبحانه: «حتى يتبين» تأكيد إلى أنه عند الشك لا حاجة للإمساك، لا حاجة للإمساك. لكن ليس معناه التفريط في التحري، كما تقدم معنا في المثال: إنسان قام من النوم، لا يريد أن ينظر في ساعته أبدًا، فيقول: «أنا أريد أن يتبين كيف؟» أنت ما بدلت أسباب التبين أصلا. ففرق بين المفرط وبين من لم يفرط؛ فإنه لا حرج عليه أن يأكل ويشرب حتى يتبين. أنت تنظر، فما رأيت الفجر، فبعد ما عندك ساعة، ما عندك توقيت دقيق، فبعد أن طلع الفجر بكثير، تبين أن هناك غيم يحجب جهة الفجر، فتيقنت أنك أكلت وشربت فوق وقت الفجر، فهنا لا حرج عليك؛ لأنك بذلت الجهد، فلم يتبين لك، وليس عندك ما يعينك على التبين. ثم أشار الشيخ رحمه الله هنا مسألة فيمن أدركه الفجر -كأنه الآن يقيس ويشير إلى مسألة يقع فيها الإشكال، ويكثر فيها السؤال، خصوصًا في البلاد التي يقصر فيها الليل- فإذا أكل الإنسان وشرب، ثم طلع الفجر، يتم ما في يده، يتم ما في يده. حديث أبي هريرة، وبعضهم يرجح الوقف فيه. وسيأتي، إن شاء الله، الكلام عليه. فعمومات الأدلة تدل أنه يأكل ويكمل ما في يده: شربة أو أكل. بعضهم يقول: الشرب فقط. بعضهم يقول: الأكل والشرب. طيب، بقي لو أدركه الفجر وهو يجامع، هل يستمر حتى يقضي، أو ينزع؟ في هذا خلاف. والصحيح فيه التفصيل على التفصيل الذي تقدم في قضية الأكل والشرب. إذا أذن المؤذن، فالصواب أنه إذا استيقن دخول الوقت، فإنه يقف عن الأكل. وفي الشرب خلاف؛ لأنه أيسر وأسهل، وورد فيه النص المرفوع الذي صحح بعضها للعلم، والموقوف الذي له حكم الرفع كذلك، وهو صحيح. لكن هل له حكم الرفع أو لا؟ فيه خلاف كذلك. فمسألة الماء خف من الأكل. إذن: مسألة الأكل أشد، ومسألة الجماع أشد من الأكل ومن الشرب. فإذن: إذا استيقن دخول الوقت، وكان من عادة هذا المؤذن كذلك، فعليه أن ينزع. ثم تأتي مسألة: هل نزعه له حكم الجماع؟ الجواب: لا، كما أشار الشيخ رحمه الله تعالى. إذا نزع أراد التخلص، فلا حرج في ذلك، مثل كما أشار رحمه الله: إزالة الطيب من ثوب المحرم. إزالته قد يضطر المحرم لملامسة الطيب مرة أخرى؛ لأنه سيغسله إذا ما عنده ثوب آخر، فما دام هو كذلك، فلا حرج؛ لأنه من التخلص والإزالة، أو كما يقال: الرفع، ليس مثل الدفع. أو الرفع ليس مثل الوضع. وكذلك يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا. فبقى هذا الطيب، وبقى هذا الرجل، هو تبع لشيء حصل في البداية على جهل وخطأ. فإذا تخلص منه؛ لأن أصله صحيح، يُعذر فيه. كذلك هو يُعذر فيه، يثبت تبعًا ما لا يثبت استقلالًا. هذا هو الصحيح في هذه المسألة. وكذلك الأعمال بالنيات، وملحقات الأعمال تلحق بأصولها على قواعد كثيرة تدخل هذه المسألة. فمهم جدًا معرفة الأصول: أصول الأشياء؛ حتى يستطيع الإنسان أن يعرف حكم المسألة. ولهذا أشار الشيخ رحمه الله إلى هذه المسألة تبعًا لما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، رحمه الله: أن الأصل بقاء الأكل والشرب حتى طلوع الفجر؛ لماذا؟ لأن الأصل هو الأكل في هذا الوقت. والأصل بقاء ما كان على ما كان. وقد ذكر الفقهاء في كتب القواعد الفقهية تحت هذه القاعدة: «الأصل بقاء ما كان على ما كان»، أصول الأشياء، فيذكرون أصول كل شيء مما يحتاج إليه؛ لأجل أن لا يقع الإشكال، فيرجع كل شيء إلى أصله. نقف اليوم عند هذا، وإن شاء الله ندخل في الفصل الآتي في الدرس اللاحق. السؤال الأول: يقول السائل: هل إدخال مثل الحصاة وعود السواك يفطر؟ الجواب: لا ينبغي تعمد إدخال ذلك. وإن دخل شيء يسير بالخطأ، فهو عفو. «ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا وأخطأنا» كما تقدم معنا في أمر الخطأ. ومن تعمد إدخال شيء إلى الجوف على وجه يكون به معنى الطعام والشراب، يحصل به الإفطار. أما إذا كان على وجه ليس فيه الطعام أو معنى الطعام والشراب، مثل إدخال أجهزة الفحص أو الكاميرا أو بعض الأشياء التي يحتاج إدخالها، فمثل هذا، إن شاء الله، لا يفطر، ولا يحصل به الإفطار، والله تعالى أعلم. السؤال الثاني: يقول السائل فيه: متى يجوز الفطر للمسافر؟ وما حكم الملاح في السفينة؟ هل يباح له الفطر دائمًا أو ماذا؟ إذا وقع معنى السفر الحقيقي الذي ليس فيه حيلة، فهو رخصة للإفطار. وأقول حقيقي؛ لأنه قد يكون في بعض الأحوال ليس سفرًا، فينبغي أن يتحقق معنا السفر. من كان منكم مريضًا أو على سفر، فعدة من أيام أخر. فإذا وقع الوصف الحقيقي للسفر، فيترخص به. ولكن ليس معنى ذلك أننا نتحايل للسفر، فنسمي ما ليس بسفر سفرًا. أو كما يقول بعض الفقهاء فيما يذكرونه من حيل: «أنه يجوز أن يخرج مسافة سفر، ويرجع؛ لأجل أن يفطر». وهذا خطأ، ولا يجوز. والحيلة لا تزيل المحظور والمحرم إلا حرمة، فلا يجوز فعل ذلك. فإذا كان السفر حقيقيًا، جاز الترخص برخصة السفر، ومنه الفطر. والملاح إذا كان خروجه للملاحة أو للصيد أو نحو ذلك في مسافة في العرف وفي الشرع سفر، فهو يترخص برخصة السفر، ولو طال الوقت، ثم يقضي. «فأيام أخر». وإذا أراد أن يصوم، فليصم؛ فقد صام النبي صلى الله عليه وسلم في السفر. ولهذا قال بعض أهل العلم: من لم تشق عليه السفر، واستطاع أن يصوم، فليصم؛ لأنه صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه صام في السفر، كما جاء في الحديث: «وما صام إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو رواحة» أو كما جاء في الحديث. فالشاهد والحاصل من هذا: أننا ينبغي أن نضبط وصف السفر، هذا هو المهم. فإذا ثبت وصح، جاءت رخصة الفطر والترخص برخصة السفر، والله أعلم. السؤال الثالث: يقول السائل: ما حكم ختم القرآن في صلاة التراويح؟ هل هو من السنة؟ الجواب: إن فعل ذلك، فهو حسن؛ حتى يمر المصلون بالقرآن كاملًا، إذا ليس فيه مشقة ولا تكلف. وإذا كان فيه مشقة أو تكلف، فعلى الأيسر بالناس. فقد يكون في مسجد العوام والضعفة، ضعفة الناس، ليس من الحكمة أن يصلي في التراويح بالختمة، أو بالختمة كاملًا، يختم بهم؛ لأنه معناه أن يقرأ في كل يوم جزءًا، وهذا فيه مشقة على الناس. وقد يكون في بعض الأماكن الناس متعودون، أو فيه المسجد أكثر طلبة العلم، فهنا لا حرج، إن شاء الله. بل لو أطال أكثر من ذلك، فختم ختمتين أو أكثر، بحسب ما يطيق الناس. كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام فيمن أم بالناس: أن يراعي الناس، يراعي أحوال الناس وطاقتهم وقدرتهم. أما إذا صلى لنفسه، فليفعل، وليصلي بما شاء؛ فمراعاة جماعة المسجد أمر مهم، وهو من الحكمة التي ينبغي أن يراعيها الإمام. عمومات الأدلة تدل على ذلك، والله تعالى أعلم. وهذا ليس خاصًا بالفريضة، بل هو الفريضة والنافلة، والله تعالى أعلم. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.