الدرس في كتاب الصيام 2، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الدرس أحكام الصيام في شهر رمضان، ويبين أهمية تبييت النية قبل الفجر للصائم. يشترط للصيام توافر شروط معينة ويوضح كيفية ثبوت دخول وخروج الشهر.
يناقش المقطع نية الصيام ويفسر أن النية لا تحتاج إلى تجديد يوميًا، ثم يذكر بعض المفطرات مثل الأكل والشرب والجماع. يشير إلى حكم الوصال في الصيام وكفارة الإفطار عمدًا.
يتناول المقطع تفاصيل المفطرات مثل الأكل والشرب والجماع والقيء عمدًا، ويستثني حالات الخطأ والنسيان والإكراه. يشير إلى أن الإنزال عمدًا يعتبر من المفطرات أيضًا.
إذا وقع الإنسان في مفطر بدون قصد، مثل النظر أو النسيان، فلا شيء عليه. الله تجاوز عن أمته الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه، ويبين حكم هذه الحالات.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مر معنا في الدرس الماضي الكلام على أوائل أحكام الصيام، وكان مما أخذناه أن الصيام لغة: هو الإمساك، وفي الشرع أو عند الفقهاء: هو التعبد لله بالامساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من الفجر الصادق إلى غروب الشمس. ومر معنا كذلك أنه يجب على كل مسلم حاقل، بالغ، قادر، مقيم، خالي من الموانع. وقد يكون غير صحيح، لكنه غير قادر لغيره، مثل من هو كبير في السن، أو الحامل أو المرأة الحامل تخاف على نفسها، أو المرضع كذلك أو على جنينها. ومر معنا أنه يثبت هلال شهر رمضان بشهادة عدل واحد، دليله حديث ابن عمر: «أنه رأى الهلال، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فأمر الناس بصيامه». ومر معنا أن خروج الشهر يثبت بشاهدين، يعني خروج شهر رمضان ودخول شهر شوال، دليله: «فإن شهد شاهدان فصوموا، أفطروا». فلماذا لم نأخذ بقوله: «فصوموا» في أول الحديث؟ لأنه خص حديث ابن عمر، ووضع العلماء تعليلًا لهذا، والتعليل: هو خشية أن يحصل خطأ في التعجل بخروج الشهر، بخلاف دخوله. وأخذنا -أظن- مسألة المطالع، وانتهينا منها. وأخذنا كذلك ما ذكره المؤلف رحمه الله: أنه يجب صيام سائر البلاد بثبوت رؤيته لأهل بلد، وأن الصواب خلافه. والدليل على هذا: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا»، مع الأثر المروي عن عبد الله بن عباس. وعلى القول بأنه موقوف عليه، فكذلك يستأنس به. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «وإذا رأى أهل بلد، لزم سائر البلاد الموافقة». هذا انتهينا منه. قال: «وعلى الصائم النية قبل الفجر». وأشار بهذه المسألة إلى أنه يجب تبييت النية قبل الفجر على الصائم. وأشار بالشرح إلى حديث حفصة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من لم يجمع الصيام قبل الفجر، فلا صيام له». وروي بلفظ: «من لم يبيت الصيام». رواه الطحاوي بهذا اللفظ، وبلفظ: «لم يجمع». رواه أحمد وأهل السنن. ومر معنا في دروس سابقة أن النية شرط لكل عمل، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات». وهذا العموم يكفي في هذا الموضع. وقد مر معنا في مبحث النية: أن النية يؤتى بها للتمييز بين العادة والعبادة، فيما يختلط من الأعمال بالعادات، وللتمييز بين العبادة وغيرها، فيما يختلط من الأعمال أي العبادات بعضها ببعض. والحديث الذي ذكره المؤلف رحمه الله بالشرح، اختلف الحفاظ فيه، وأكثر أهل الحديث على ضعفه، أي مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقد روي من حديث عائشة، ومن حديث حفصة، ومن حديث ابن عمر. روي مرفوعًا من حديث عائشة، ولم يصح. ومنهم الدارقطني رحمه الله، وهكذا كذلك منهم ابن حبان. وألمح البخاري رحمه الله -كما في العلل الكبير للترمذي- إلى معنى ذلك. وقد ذكر ابن حبان رحمه الله في كتاب المجروحين: أن عبد الله بن عباد البصري كان يقلب الأخبار، وأن هذا الحديث ممن قلب عليه. فالخلاصة: أن الحديث الراجح فيه من كلام أكثر الحفاظ أنه موقوف. فإذا كان الحديث موقوفًا، فماذا يعني؟ هل يعني أن الحكم يسقط؟ الجواب: لا. لكن معناه: أنه ليس فيه المعنى الذي فهمه كثير من العامة وبعض المتفقهه من أنه يلزم باستحضار النية يوميًا عند كل ليلة. فإن الإنسان ما دام يعلم أنه في شهر رمضان، وأنه غدًا في اليوم الثاني من رمضان، فإنه لا شك هو ناوي الصيام. ما دام مسلمًا، إلا إن وجد سبب يكون معه الشك في الصيام وعدمه، كاليوم الأول من رمضان، لا يدري غدًا رمضان أو غير رمضان. فإن بيت النية إن كان غدًا رمضان، فهو صائم فيكفي. ومما نبه عليه المؤلف رحمه الله في شرحه: التفريق في النية بين الفرض والنفل. وهذا صحيح، تدل عليه الأدلة. فإن النفل كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصوم من النهار، وهو غير مريد للصيام. يأتي -كما في الصحيح في حديث عائشة- يسأل: هل عندكم طعام؟ فإن قالوا: لا، قال: «اللهم إني صائم». فدل ذلك على جواز الشروع في الصيام من دون تبييت نية في النفل. قال المؤلف رحمه الله تعالى: «فصل: يبطل بالأكل والشرب والجماع والقيء عمدًا، ويحرم الوصال، وعلى من أفطر عمدًا كفارة كفارة الظهار، ويندب تعجيل الفطر وتأخير السحور». جعل هذا الفصل رحمه الله في ذكر بعض المفطرات، وكذلك أحكام من المستحبات ونحوها. ذكر أول المفطرات، قال: «يبطل بالأكل والشرب». ودليله: قول الله جل وعلا: ﴿فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة:187]، فتبين أن وقت الصيام لا يأكل ولا يشرب. وفي حديث أبي هريرة: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». الحديث في الصحيحين. فمن صام، فيجب عليه أن لا يأكل ولا يشرب في وقت صيامه، من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. فإن أكل أو شرب عامدًا، فإن صيامه يبطل. فخرج بذلك ما إذا كان خطأ، إذا أخطأ، مثل أن يدخل في فمه شيء من الماء أثناء المضمضة، يدخل إلى جوفه خطأ، فهذا لا حرج عليه. والله جل وعلا يقول: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:286] في صحيح مسلم، مثل من حديث ابن عباس وأبي هريرة، قال الله سبحانه: «قد فعلت». يعني: تجاوز الله عن هذه الأمة. وقد صح الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». وهكذا كذلك من نسي فأكل أو شرب ناسيًا، أو كذلك لظنه أن الوقت لم يدخل والوقت قد دخل، وهذا خطأ، فكذلك لا شيء عليه. إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. كذلك من أكره على الطعام والشراب، فإنه يستمر في صيامه، كمن يبتلى بولي كافر فاجر، يلزمه من تحته بالأكل والشرب. قال المؤلف رحمه الله: «والجماع». وهكذا دليله: قول الله جل وعلا: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة:187]، مفهومه: أن النهار لا يجوز قربان النساء بجماع. لهذا النص من كتاب الله سبحانه. وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام بحديث أبي هريرة: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». والجماع أعظم الشهوة. وهل الجماع فقط هو الذي يبطل الصيام؟ أم أنه كذلك يلحق به الإنزال عمدًا؟ الصحيح: أن الإنزال عمدًا كذلك يدخل في معنى المفطرات، لعموم الآية. فإن الآية ذكرت الرفث، والرفث لفظ يشمل الجماع وما كان بمعناه. والإنزال بمعنى الجماع، فهو من الرفث. فهو معنى أو لفظ لكل معنى يستقبح ذكره مما هو بين الرجل وامرأته. وهكذا كذلك نص حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «يدع طعامه وشرابه وشهوته». والإنزال من الشهوة لا شك عرفًا ولغة وشرعًا. فلذلك كان القول الصحيح هو قول جمهور أهل العلم: أن الإنزال عمدًا من مفطرات الصيام. فإن وقع من غير عمد، كأن يقع بنظر أو وقع بنسيان، نسي الإنسان في أول يوم من رمضان أنه صائم، فلا شيء عليه. إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. نكتفي بهذا القدر، وإلى هنا والله تعالى أعلم.