الدرس في كتاب الصيام 1، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
وجوب صيام رمضان لرؤية هلاله، وأدلة وجوبه من القرآن والسنة، وشروط وجوب الصيام مثل البلوغ والعقل والإسلام والقدرة. يبين الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك شرحاً لكتاب الصيام للإمام الشوكاني.
دخول شهر رمضان برؤية الهلال أو بإكمال عدة شعبان ثلاثين يوما، وخروجه برؤية هلال شوال أو إكمال عدة رمضان ثلاثين يوما. لا يثبت دخوله بالحساب أو التكلف بالأجهزة الدقيقة.
يثبت دخول شهر رمضان بشاهد واحد، بينما يثبت خروجه بشاهدين اثنين. كما يتناول مسألة اختلاف المطالع وآراء العلماء، حيث يرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن العبرة بالمطالع.
على من رأى الهلال ولم تقبل شهادته أن يصوم أو يفطر سرا دون مخالفة الناس، وهو الأحوط كما روي عن جماعة من أهل الحديث، واستدلوا بعموم الآيات والأحاديث.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى: كتاب الصيام، قال: يجب صيام رمضان لرؤية هلاله من عدل أو كما لعدة شعبان، ويصوم ثلاثين يوما ما لم يظهر هلال شوال قبل إكمالها، وإذا رآه أهل بلد لزم سائر البلاد الموافقة، وعلى الصائم النية قبل الفجر. هذه مجموعة من المسائل، وهي خمسة مسائل أشار إليها المؤلف رحمه الله تعالى، وافتتح بها كتاب الصيام، وفي ضمنها مسائل وملحقات يشار إليها. قوله رحمه الله: كتاب الصيام، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الصيام. وكما مر معنا أن "فعال" يأتي كثيرا بمعنى "مفعول"، فـ"كتاب" "فعال" بمعنى مكتوب، أي هذا مكتوب يتعلق بأحكام الصيام. والكتاب لغة: ما كتب على القرطاس لحفظه، كما مر معنا. وفي الاصطلاح: ما هو في الاصطلاح، يعني بالمعنى، لا بس قلنا: هو مجمل على مجموعة من الأبواب المجتمعة على مجموعة متشابهة من العلم. وقوله: الصيام، الصيام لغة يأتي بمعنى قريب من معنى الإمساك، وهو في الاصطلاح: التعبد لله جل وعلا بالإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، التعبد لله بالإمساك عن الطعام والشراب وسائر المفطرات من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس. وقوله رحمه الله: يجب صيام رمضان، هذه أول المسائل، وفيها الإشارة إلى وجوب صيام رمضان، وأدلة وجوب صيام رمضان كثيرة، فمن هذا الكثير قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، وفي ضمنه الإشارة إلى فضيلة الصيام، فمن فضل الصوم أنه يجلب التقوى، فالله جل وعلا غني عن جوعنا وعن عطشنا، ولكنه لحكمة عظيمة شرع لعباده الصيام، شرع من العبادات والأوامر، فمن هذه الحكمة أن يصل التقوى إلى قلوبنا، مع ما فيه مما يتفضل به سبحانه على عباده من خيره العاجل والآجل، أي في الدنيا وفي الآخرة. ومن ذلك أن التقوى تكون عونا للعبد على الخير الديني، وفي الصيام كذلك عون للعبد على الخير الدنيوي الحسي. وكما ذكر أهل الطب أن الصيام فيه فوائد كثيرة، ومن فوائده أنه يستخلص السموم بهذا الإمساك، فإنه يستخرجها الإنسان بإمساكه، فيكون بذلك تمام اعتدال صحته. ولا يزال أهل الطب ينصحون بالإمساك، ولو كانوا كفارا ما عرفوا الصيام، لما فيه من سبب اعتدال الجسم وصلاحه بهذا الصيام، مع ما فيه من الفضائل الأخروية. كما في الصحيحين بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. وهكذا كذلك ما فيه من تكفير الذنوب بتتابعه، بتتابعه يكفر الله عز وجل عنك ذنوبك في كل عام، يجعل الله سبحانه وتعالى لك مطهرات، كما في حديث أبي هريرة أيضا بصحيح مسلم: ورمضان إلى رمضان كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر. والصلاة الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر. وهكذا كذلك بحديث أبي هريرة الذي رواه ابن خزيمة والبيهقي بإسناد صحيح، وأصله بصحيح مسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد على المنبر، وكان يقول كلما صعد درجة: آمين، فقالوا: ما آمين يا رسول الله؟ فذكر من ذلك أنه أتاه جبريل فأخبره أن من أدرك رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله، قل آمين، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: فقلت آمين. فإذا المحروم من حرم نيل المغفرة بإدراكه رمضان ولم يستغله. فهذا بعض فضائله. وهكذا من أدلة وجوبه ما في الصحيحين في قصة جبريل عليه الصلاة والسلام، فيما جاء من حديث ابن عمر عن أبيه. وهكذا في صحيح مسلم، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة في قصة جبريل المشهورة، فذكر من مباني الإسلام الصيام. وفي حديث ابن عمر في الصحيحين: بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإيقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان. وقوله رحمه الله تعالى: يجب صيام رمضان على من يجب هذا الصيام، يجب هذا الصيام على كل مسلم عاقل بالغ قادر مقيم سالم من الموانع، دلت الأدلة الشرعية على هذه القيود، فلا يجب الصيام على كافر، ولا يقبل منه، ولا من مشرك أو مرتد، من كان مشركا بفعل شيء من الشركيات، عبادة القبور أو دعاء غير الله، أو الإيمان بما أمر الله جل وعلا بالكفر به، كهذه الدعوات الكفرية من دعوة أهل العلمنة أو الاشتراكية والبعثية، فإنه لا يقبل منه صيام ولا صلاة ولا صدقة. والله جل وعلا قال سبحانه: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ صَدَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾، فالكفر بالله سبب لرد الأعمال وحبطانها. والله سبحانه يقول: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، فلا يفرح أحد بأنه صام رمضان وهو قد فعل ما يمنع قبول هذا الصيام. فينبغي أن يعلم أن الصيام إنما يقبل من المسلمين المستسلمين لدين الله الذي أنزله من فوق سبع سماوات جملة وتفصيلا. وهكذا كذلك يجب على كل بالغ عجاقل وهو الذي يسميه الفقهاء بالمكلف، وذلك لما مر معنا وتكرر في دروس سابقة: أن القلم إنما يكتب عن من بلغ إلى سن البلوغ، فإن البالغ هو الذي يكتب عنه، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «رفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم الصبي حتى يحتلم، ومنهم المجنون أو المعتوه حتى يفيق»، وهذا هو العاقل. وهكذا قولهم: قادر، فخرج بذلك غير القادر، فمن كان غير قادر لا يجب عليه الصيام، وهو بين أمرين، كما سيأتي إن شاء الله بموضعه: إما أن يكون المانع له دائما فيطعم عن كل يوم مسكينا، وإما أن يكون المانع مؤقتا فإنه يقضي أياما أخر. وهكذا كذلك مقيم، لأن المسافر رخص له الإفطار، كما سيأتي بموضعه إن شاء الله. وسالم من الموانع، ذكر الفقهاء هذا القيد لأجل أن يخرجوا الحائض والنفساء، فإنه لا يصح منها الصيام، ولا يجز لها الصيام، لأنه من شرطه أن تكون المرأة في طهر، لا تكون المرأة حائضا أو نفساء، كما جاء معنا بحديث عائشة رضي الله عنها، وتقضي مكان هذا الصيام أياما أخر، وسأتي الكلام عليه بموضعه إن شاء الله. ثم قال رحمه الله: لرؤية هلاله من عدل أو كما لعدة شعبان. ومعنى أنه يثبت هلال رمضان برؤية عدل من المسلمين، وقد اختلف أهل العلم بهذه المسألة: هل يثبت هلال رمضان برؤية شاهدين أم يكفي شاهد واحد؟ والذي عليه الجمهور، وصح به الدليل على النبي عليه الصلاة والسلام ما أشار إليه المؤلف في متنه وشرحه: من أنه يصح بشهادة عدل واحد من المسلمين. لما رواه أبو داود وغيره، وإسناده صحيح، وصححه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله: عن ابن عمر أنه قال: «تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته، فصام وأمر الناس بصيامه». فدل ذلك على أن شهر رمضان يدخل بشهادة عدل واحد. ولماذا قيد في دخوله؟ لأن خروجه كما سيأتي معنا بقي على الأصل، وهو لزوم شاهدين اثنين، وهو الأصل في الشهادة. ولهذا روي عن الإمام الشافعي رحمه الله في هذه المسألة قولان: روي عنه أنه قال: يجزئ شاهد واحد، وروي عنه أنه قال: شاهدين. ورجح النووي رحمه الله الأول: أنه أصح ما يروى عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وهو الذي يدل عليه الدليل. فلعله إن صحت هذه الرواية عنه: كان لم يطلع على هذا الحديث، حديث ابن عمر، أو كان قد أشكل عليه فترة من الزمن، ثم تبين له بعد ذلك فقال به. وهذا الظن بمن بلغه حديث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، خصوصا أنه عارضه دليل آخر: وهو قوله كما سيأتي إن شاء الله: «فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا». وهذا مخصوص على الصحيح بهذا الحديث الذي بين أيدينا. وبه نعرف أن دخول شهر رمضان كذلك يثبت عند أهل الإسلام بالرؤية أو بإكمال عدة شعبان، وذلك لما جاء في ذلك من أحاديث كثيرة، كحديث ابن عمر بالصحيحين، وبمعنى حديث أبي هريرة: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين». فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بإكمال العدة ثلاثين. وهذا هو الصحيح في تفسير أنه إذا غم: تكمل العدة بصيام ثلاثين، خلافا لمفهم عبد الله بن عمر، فإنه قد صح عنه ما جاء معناه بالذي سمعتم. وهكذا كذلك بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. ومعنى: إذا رؤي الهلال في تسعة وعشرين من شعبان، فإنه يختم شهر شعبان بتسعة وعشرين يوما، وإن لم ير فإنه يكمل عدة شعبان ثلاثين يوما، ولا يكون الشهر إلا على تسعة وعشرين أو على ثلاثين، لما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «إن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا»، وأشار بيده إلى تسعة وعشرين، «الشهر هكذا ثلاث مرات، ثم بتسعة وعشرين، وهكذا ثلاث مرات من عشرة»، يعني ثلاثين. ومعنى أن الشهر لا يأتي إلا تسعة وعشرين أو ثلاثين، هكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فأفاد ذلك ما سمعنا أولا: من أن دخول شهر رمضان يكون برؤية الهلال، إذا رؤي الهلال فإنه يصام لرؤية الهلال. ورؤية الهلال تكون من العارفين من أهل الخبرة وأهل المعرفة، لا ممن لم يعرف بذلك، لأنه ربما يتوهم الإنسان رؤية الهلال وهو لم ير الهلال. وهكذا كذلك إن لم ير الهلال: تكمل العدة إلى ثلاثين يوما، كما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام. وتضمن ذلك أن أهل الإسلام لا يثبت عندهم دخول شهر رمضان إلا بأحد هذين الأمرين، فلا بالحساب، ولا كذلك بتكلف، يعني بالأجهزة الدقيقة من المراصد ونحوها، فإن ذلك من التكلف. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «صوموا لرؤيته». وهذا هو القول الصحيح عند المحققين من أهل العلم: أن الصيام يثبت برؤية العين، لا بما كان من الأجهزة التي يتكلف برؤية الهلال فيها. فإن غم: أكمل عدة الشهر ثلاثين يوما، فهو أمر يسر، وفي هذا مصلحة للناس، لماذا؟ لأن هذا اليسر يكون فيه تيسير على المسلمين في جميع بقاع الأرض. اليوم بعض الناس ربما يكون في بواد بعيدة، وهذا حاصل، ليس عنده من الوسائل التي يتوصل بها إلى معرفة دخول الشهر. والأمر يسير، إن تيسر له فرأى الهلال صام، إن لم يتيسر له ولم ير الهلال أكمل عدة ثلاثين، فإن بلغه بعد ذلك أن الهلال قد رؤي من غيره، فإنه يعمل بما بلغه به العلم. فإن ثبت أنه أفطر يوما من رمضان على ظن أنه اليوم الثلاثين، فإنه يأتي مكانه بيوم آخر يقضيه، والحمد لله. وأما التكلف بالحساب كما يفعل بعض الحساب، وكذلك ما يقوم عليه ثبوت الشهر في بعض الدول، يوجد في بعض الدول المسلمة إثبات الشهر ماذا؟ من نفس السنة، يثبت عندهم الشهر من نفس السنة الذي ينزل فيه التقويم، يعني يعرفون أن شهر رمضان في هذه السنة سيكون يوم كذا تاريخ كذا، يعني الموافق لتاريخ كذا ميلادي، كيف هذا؟ بالحساب. وهل هذا صحيح؟ الجواب: لا، ليس بصحيح، لأن ثبوت الشهر إنما يكون بالرؤية، رؤية الهلال، أو باستكمال عدة شهر شعبان ثلاثين يوما. وقوله رحمه الله تعالى: ويصوم ثلاثين يوما ما لم يظهر هلال شوال. وقبل ذلك ننبه أن قوله عليه الصلاة والسلام: يصام، في قوله كالمؤلف رحمه الله، وما سبق من حديث النبي عليه الصلاة والسلام: «صوم لرؤيته»، فيه إشارة إلى ما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام من النهي عن تقدم شهر رمضان بصيام يوم أو يومين، كما جاء بحديث أبي هريرة، وأصله في صحيح مسلم. وجاء من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بلفظ أصرح، قال: «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة». وهو حديث صحيح رواه ابن خزيمة وأبو داود، وصححه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وفيه أنه لا ينبغي لمسلم أن يتقدم شهر رمضان بصيام يوم أو يومين. على هذا المعنى: يتقدم شهر رمضان بصيام يوم أو يومين. وجاء بحديث أبي هريرة: إلا أن يكون صوما يصومه أحدكم إذا كان يصوم صوما متعودا هذا الصوم، فلا بأس، كان يكون يصوم الاثنين والخميس، وصار يوم الشك يوم الاثنين أو الخميس، فلا بأس أن يصومه، ما دام أنه لم يصومه لأجل الشك، وإنما صامه لعادة اعتادها. وعلى هذا يحمل ما ورد من نهي من تقدم بأكثر من ذلك، فإنه يحمل إذا وقع على معنى التعبد لله بصيام هذه الأيام، أو الاحتياط، وهو أشد، أو الاحتياط لتقدم الشهر بصيام يوم أو يومين خشية الخطأ، وهذا منهي عنه للنص. وهكذا كذلك لأنه يفتح باب الوسوسة، وهو ليس من دين الله عز وجل. وفي قوله رحمه الله: ويصوم ثلاثين يوما ما لم يظهر هلال شوال قبل إكمالها، أشار المؤلف رحمه الله تعالى: أن رمضان إذا لم يظهر هلال شوال: يكمل كذلك ثلاثين يوما، كما سبق، لأنه قال: ويصوم ثلاثين يوما ما لم يظهر هلال شوال قبل إكمالها، إذا رؤي الهلال فكذلك، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته»، فالصيام لرؤية الهلال، والإفطار لرؤية الهلال، على أنه لا يمكن أن تكون الرؤية إلا في تسعة وعشرين أو بثلاثين. وهكذا إذا لم يتم: تتم الرؤية في تسعة وعشرين، فتكمل العدة ثلاثين، كما سبق. وهنا يأتي ما هو الحد الأدنى في هذا الشاهد الذي يثبت به الهلال، أي هلال شوال، الذي عليه جمهور أهل العلم: أنه يثبت بشاهدين، للحديث الذي سمعنا قبل: وهو حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وفيه: «فإن شهد شاهدان مسلمان فصوموا وأفطروا». أخرجه أحمد والنسائي، كما أشار المؤلف رحمه الله في شرحه، وصححه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله تعالى. وبه نعرف أن دخول الشهر يختلف عن خروجه، فدخوله يكفي فيه شاهد واحد لحديث ابن عمر الذي تقدم. وأما خروج الشهر: فلابد من شاهدين اثنين. فإن قال قائل: لما نقول؟ الجواب: أولا لما صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، والمسلم مستسلم لدين الله عز وجل يتبع الدليل ويدور معه حيث دار. فالشرع فرق بين دخول الشهر وبين خروجه، فكذلك ينبغي نحن أن نفرق بين دخوله وبين خروجه، هذا من جهة الدليل. ومن جهة التعليل: قال بعض أهل العلم: السبب في ذلك أن التعجل بخروج الشهر يكثر، ويكثر مع ذلك الخطأ، التعجل بخروج الشهر يكثر، ويكثر مع ذلك الخطأ، فلهذا كان الاحتياط والتشديد في خروجه لا كدخوله. وهذه علة، يعني محتملة ومقبولة، ولكن العبرة كما سبق: بما صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فالشرع فرق بين الدخول والخروج، أي دخول الشهر وخروجه، فكذلك نحن نفرق كما فرق الدليل. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ما لم يظهر هلال شوال قبل إكمالها، وإذا رآه أهل بلد لزم سائر البلاد الموافقة. وهذه مسألة كذلك من المسائل الخلافية، أشار المؤلف رحمه الله إلى أحد الأقوال، وأشار بشرحه رحمه الله إلى أن في المسألة أقوالا كثيرة. ومن هذه الأقوال: هذا القول الذي ذهب إليه المؤلف رحمه الله، ونفتصر فنقول: الذي ذكره بعض المحققين، وانتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مواضع من كتبه: أن العبرة بذلك بالمطالع، العبرة في ذلك بالمطالع، وذلك لما جاء من أثر عبد الله بن عباس، الذي ضعف الاستدلال به المؤلف رحمه الله بشرحه. فإن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه، أي في قصة حديث تريب عند مسلم: أنه استهل عليه رمضان، وبالشام ضاء الهلال ليلة الجمعة، وقدم المدينة فأخبر بذلك ابن عباس، فقال: «لكن رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نكمل الصوم حتى يكمل ثلاثين أو نراه». ثم قال: «هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». وهذا اللفظ أصله في صحيح مسلم، كما أشار إليه رحمه الله. وهو كأنه يطعن أولا في الاستدلال به: لأنه ليس صريحا بأن هذا الذي فعله ابن عباس وأفتى به هو عين الذي سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام. وعلى تقدير ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى: فنرجع إلى أنه قول صحابي، فهل قول الصحابي حجة أو ليس بحجة؟ ومر معنا أن قول الصحابي حجة بشروط. ما هذه الشروط؟ ألا يعارض النص، واحد، ألا يخالفه صحابي آخر، ألا يكون في المسائل الاجتهادية، هذه ثلاثة شروط أشار إليها ابن القيم رحمه الله في بعض كتبه. وإذا رأينا هذه المسألة: فنجد أن ابن عباس لم يعارض الشرع، بل فيه ما قد يفهم على كلام المؤلف رحمه الله، وإن كان عند غيره أنه في حكم المرفوع، أنه ليس مما عارضه الشرع، فضلا على أنه موافق للشرع بما رفعه من من قوله ابن عباس رضي الله عنه: «أنه أمر بذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم». ولأجل هذا وغيره: كان ما سبق من قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن العبرة في ذلك بالمطالع. وقسم جزيرة العرب رحمه الله تعالى إلى أربعة مطالع: مطلع شمالي، ومطلع جنوبي، ومطلع شرقي، ومطلع غربي. ولا يلزم من اختلاف المطالع اختلاف الحكم، قد تتوافق المطالع، وقد تختلف، لكن عند الاختلاف: فالعبرة بماذا؟ العبرة بالمطالع، العبرة بالمطالع. فمثلا رؤية الهلال في شمال الجزيرة يوم السبت، ورؤية في جنوبها يوم الجمعة، أولئك يصومون لرؤيته، وهؤلاء يصومون لرؤيته، لا معارضة في ذلك. وبه يزول الإشكال ما إذا كانت الدولة واحدة ولها أمير واحد، فرؤية الهلال مثلا في شماله، ولم ير الهلال في جنوبه. انتبه: رؤية الهلال في شماله، ولم ير الهلال في جنوبه. وقد ذكر العلماء أن مطلع الشمال يختلف عن مطلع الجنوب، فإذا رؤي الهلال في شماله، فإذا صام أهل الجنوب معهم، فإنه لا بأس في ذلك، خصوصا وأن الحاكم والأمير واحد، فإنهم يصومون لذلك. وكما قلنا: بهذا يزول إشكال، بخلاف ما إذا رؤيا في الشمال على خلاف رؤية ما في الجنوب، فإنه يلزم من رأى على خلاف ذلك ممن يلزمه القضاء القضاء، يلزمه القضاء. أو كذلك ثبتت الرؤية في بلدة أخرى، ولم تثبت الرؤية في بلدة أخرى، وكانت الرؤية في نفس موضع المطلع. انتبه لهذا: فمثلا قد يرى الهلال في مدينة نجران، ويثبت بذلك دخول شهر رمضان في أرض الحرمين، ولا يرى الهلال أهل اليمن، لا يرى الهلال أهل اليمن، فأهل صعدة مثلا مطلعهم ومطلع أهل نجران واحد. ولهذا كان شيخنا رحمه الله تعالى يأمر من معه بالصيام إذا ثبتت الرؤية على هذا الوصف. وانتبه لهذا الوصف: لأن الرؤية قد تثبت من أهل شمال المملكة مثلا، يرى الهلال في سكاكة مثلا أو في تبوك في شمال المملكة، فإذا كان في شمال المملكة لا يلزم أن يثبت لماذا؟ لأهل الجنوب لا يلزم، خصوصا ما عدم إعلان ذلك. وهنا تأتي مسألة أخرى: وهي إذا ثبت الهلال عند إنسان ولم تقبل شهادته، فهل يصوم مع الناس أم أنه لا يصوم مع الناس أو ماذا يصنع؟ جمهور أهل العلم على أن الصوم يوم يصوم الناس، والفطر يوم يفطر الناس، لما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «الصوم يوم تصومون، والفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون». الحديث رواه أبو داود والبيهقي من حديث أبي هريرة، وصححه أو حسنه الشيخ العلامة الألباني رحمه الله. وهذا الحديث وإن كان عند التحقيق فيه ضعف، لأنه من رواية محمد بن المنكدر عن أبي هريرة، ولم يسمع منه، وله متابعة، لكن المتابعة كذلك لا تصبح للمتابعة، لأنها من رواية عثمان عن سعيد المقبري، سعيد المقبري عن أبي هريرة، ولكنها جاءت من طريق عثمان بن محمد الأخنس، ولم يسمع من سعيد، ولم يسمع من سعيد، كما ذكر ذلك البخاري في العلل. فالشاهد أن هذا الحديث وإن كان فيه ضعف، فهو محتمل التحسين. ومع ذلك فهو أي هذا الحديث معناه صحيح، فإن الأمر بالاجتماع له أدلة كثيرة. فكيف القول عند ذلك إذا وقع مثل هذا الأمر؟ الجواب: قد نبه العلماء على هذه المسألة، وإن كان المسألة فيها خلاف: أنه إذا ثبت عنده دخول الشهر أو خروجه بيقين، فعليه أن يفعل ما علم، لكن سرا، يفعل ما علم من دين الله سرا. فمثلا هو رأى الهلال ولم تقبل شهادته، فماذا يصنع؟ هل لا يصوم؟ الجواب: لا يصوم، لكن لا يظهر هذا الصيام، لا يخالف الناس، لا يخالف الناس. وهذا هو أحد الأقوال في هذه المسألة، وفي المسألة أقوال أخرى، ولكن هذا هو الأحوط، وهو الذي أفتى به جماعة من أهل العلم، وروية في ذلك روايات عن جماعة من أهل الحديث، وعلى إمام منهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وذلك لعموم قوله عليه الصلاة والسلام، بل لقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْ﴾، وفسر الشهر عن ابن عباس وجماعة: أنه الهلال، فمن شهد منكم الهلال، أي رآه، فليصم، فإذا رأيت الهلال لا مجال إلا أن تصوم. وهكذا قوله عليه الصلاة والسلام: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته». وروي عن الأوزاعي وجماعة: أنه يفطر سرا، أي إذا رأى الهلال، أي هلال شوال. نكتب بهذا القدر، ونترك الباقي لدرس اللاحق، وإلى هنا والله تعالى أعلم.