الدرس في كتاب الصيام 3، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
حديث "من استقاء عمدًا فليقض" ضعيف الإسناد، والصوم يفسد بما يدخل وليس بما يخرج. لا ينبغي للصائم تعمد القيء لأنه يضعفه وقد يؤدي إلى دخول بقايا القيء إلى الجوف.
المفطرات هي الأكل والشرب والجماع والإنزال ونزول دم الحيض والنفاس. القيء غير المتعمد ليس بمفطر، ولكن لا ينبغي التساهل به.
الوصال إلى السحر جائز ولكن ليس بمستحب، ويحرم بعد ذلك لنهي النبي عنه. ينقسم الوصال إلى جائز ومحرم حسب الوقت.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال رحمه الله: والقيء عمدًا، وأما القيء أنه مفطر من المفترات، فلحديث ذكره رحمه الله عن نبي غفيرة، رواه أحمد وأبو داود والترمذي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من درعه القيء، من درعه القيء، فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض». وهذا الحديث معناه: من جاءه القيء من غير عمد، فلا شيء عليه، ومن تعمد القيء، فإنه عليه القضاء. ولكن الصحيح أن هذا الحديث لم يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد أشار الحفاظ إلى ضعفه. وقد نقل الترمذي رحمه الله عن الإمام البخاري أنه كان يراه غير محفوظ، أي هذا الحديث ليس بمحفوظ. وكان رحمه الله تعالى يقول: إسناده لا يصح. أن ينقل ذلك عن الإمام البخاري. وهكذا روي عن إمام أحمد رحمه الله أنه كان يضعف هذا الحديث ولا يرى صحته. وهكذا عن أبي داود رحمه الله وجماعة، نقلوا أن هذا الحديث لم يصح، وأنه روي بإسناد مضطرب، مثل ما نقل ذلك ابن عدي رحمه الله بالكامل. ورجح جماعة من الحفاظ أنه موقوف على أبي هريرة رضي الله عنه، وجاء موقوفًا عن ابن عمر، فهو ليس بحديث مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما جاء موقوفًا على أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. على أنه روي عن أبي هريرة من قوله ما يخالف هذا، روي عنه من قوله معنى يخالف ذلك. وقد روي عنه أن الفطر إنما هو مما دخل لا مما خرج. وقد ذكر هذا البخاري رحمه الله بصحيحه عن ابن عباس معلقًا، ورواه ابن خزيمة موصولًا بإسناد صحيح عن ابن عباس: «أن الفطر مما دخل لا مما خرج»، فيفطر الإنسان إذا أكل أو شرب، لا إذا تقيأ. وهكذا روي معنى عن عائشة وعن ابن مسعود وعن أبي هريرة: «أن الفطر مما دخل لا مما خرج». ومع ذلك، فينبغي للإنسان أن لا يتعمد القيء، لأن في هذا إضعافًا له، إضعافًا للصائم، فلا ينبغي له أن يتعمد ذلك. وربما يكون إخراجه للقيء سببًا لدخول بقايا القيء إلى جوفه. ولهذا ينبغي أن يترك هذا الفعل. فإن قال قائل: كيف يقولون: الفطر مما دخل لا مما خرج، وقد قلنا قبل قليل أنه يفطر بالجماع والإنزال؟ الجواب: أن هذا استثناه الدليل، وكلامهم -رحمهم الله رضي الله عنهم- على الشيء بمعناه العام. وقد يرد الشيء من الأدلة الخاصة تستثني بعض الأحكام، وهذا منه. وإن قال قائل: ما نصنع بما روي عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قاء فأفطر، «جانب الدرداء وتوبان»؟ الجواب على ذلك: أن هذا الحديث كذلك مختلف فيه، فقد روي عن جماعة من الحفاظ أنهم حكموا على هذا الحديث بالاضطراب. وقد أشار الترمذي إلى ذلك في سننه: أنه فيه اختلاف كثير. لكن الصحيح أن هذا الحديث لم يصح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد أشار الحفاظ إلى ضعفه، وقد نقل الترمذي رحمه الله عن الإمام البخاري أنه كان يراه غير محفوظ، أي هذا الحديث ليس بمحفوظ. وكان رحمه الله تعالى يقول: إسناده لا يصح. وهكذا روي عن إمام أحمد رحمه الله أنه كان يضعف هذا الحديث ولا يرى صحته. وهكذا عن أبي داود رحمه الله وجماعة، نقلوا أن هذا الحديث لم يصح، وأنه روي بإسناد مضطرب. ورجح جماعة من الحفاظ أنه موقوف على أبي هريرة رضي الله عنه، وجاء موقوفًا عن ابن عمر، فهو ليس بحديث مرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام. وعلى القول بصحته، فالصحيح أنه لا يدل على أنه أفطر من أجل القيء، قاء فأفطر، قد يكون لأنه مريض، لأجل المرض والتعب أفطر، لا لأن القيء مفطر من المفطرات، لأنه ليس صريحًا بأنه مفطر من المفطرات، وهذا هو الصحيح. فخلصنا بهذا أن الصحيح أن القيء، سواء كان عمدًا أو غير عمد، ليس بمفطر. ومع ذلك، لا ينبغي للإنسان التساهل بالقيء عمدًا، فإنه يخشى عليه أن يفطر به. وهكذا من المفطرات، ولم يذكره المؤلف رحمه الله: نزول دم الحيض والنفاس، لحديث عائشة الذي سبقت الإشارة إليه، فإن نزول دم الحيض والنفاس مفطر من المفطرات. فالمرأة إذا حاضت أو نفست أفطرت بذلك ولابد، فإنه لا يصح منها صيام وهي حائض أو نفساء، لما صح من حديث عائشة بالصحيحين في ذلك. وهكذا حديث أبي سعيد بمعناه، فإنه أشار النبي عليه الصلاة والسلام أن نقصان الدين بفطرها في حيضها، تدع الصيام والصلاة، أي لأجل الحيض. فتكون المفطرات على هذا: الأكل والشرب والجماع والإنزال، وهكذا كذلك نزول دم الحيض والنفاس. والقيء فيه خلاف كما سمعنا. وبه نعرف أن الصوم لا يتم إلا بترك هذه المفطرات، فمن لم يترك هذه المفطرات فإنه يقع في الإفطار ولا يكون صائمًا. وهذه مرتبة من مراتب الصيام: أن يدع الصائم المفطرات. ومن تساهل في ذلك بأي نوع من التساهل، يخشى عليه من الوعيد الشديد الوارد في هذا الباب، كما جاء في حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما رواه أحمد وغيره، أنه قال عليه الصلاة والسلام: «بينما أنا نائم إذ أتان آت أو آتيان» الحديث، وذكر فيه أنه أصعد إلى جبل، ثم سمع أصواتًا، فقال: ما هذه؟ قيل: أصوات أو أصوات أهل النار. فرأى فيما رأى عليه الصلاة والسلام أناسًا معلقون من عراقيبهم، من مؤخرة الأقدام، مشققة أشداقهم، تسيل دمًا، فقال: من هؤلاء؟ جبريل، قال: هؤلاء الذين يفطرون قبل تحلة صومهم. فالذي يفطر قبل تحلة الصوم، يعذب بهذا العذاب الشديد، فكيف الذي يفطر في ثنايا يومه، ويتساهل بالفطر، سواء بالأكل والشرب، لا يصبر، أو كذلك، أو يخون في صيامه، يظهر للناس أنه صائم وهو ليس بصائم، أو كذلك لا يصبر عن زوجته أو لا يصبر عن شهوته. فإنه بهذا يستحق هذا العذاب وزيادة، لأن هذا العذاب كان فيمن لم يصبر وأفطر قبل تحلة الصيام. وهناك أشياء أخرى يذكرها بعضها للعلم، لم يذكرها المؤلف لعدم ورود شيء صحيح صريح يدل على أنها من المفطرات، وهو كذلك. ثم قال رحمه الله تعالى: قال: ويحرم الوصال. ويحرم الوصال، المراد بالوصال: المواصلة بالصيام، أي لا يفطر عند غروب الشمس. وقد اختلف أهل العلم في ذلك، والصحيح جواز الوصال إلى السحر، لما جاء في البخاري وغيره عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن الوصال في الصوم، فذكروا له وصاله، أي أنه عليه الصلاة والسلام كان يواصل، فقال: إني لست كهيئتكم، من أراد منكم الوصال فليواصل إلى السحر. فليواصل إلى السحر، فقد أذن النبي عليه الصلاة والسلام لمن أراد أن يواصل للصيام أن يواصل إلى السحر، يعني إلى وقت السحور، وعند ذلك يجب عليه أن يفطر. فيكون الوصال على حكمين: وصال ما بعد غروب الشمس، وهو غير مستحب، فالمستحب هو تعجيل الفطر كما سيأتي، هذا هو المستحب. ولكن يجوز وليس بمستحب، يجوز وليس بمستحب أن يواصل الصائم صيامه إلى السحر، لما رخص به النبي عليه الصلاة والسلام. والأفضل هو الإفطار عند غروب الشمس، وهذا هو الأكمل. وما زاد من الوصال بعد السحر فلا يجوز ويحرم، لا يجوز ويحرم لنهي النبي صلى الله عليه وسلم وغضبه في هذا. وقد صحت أحاديث كثيرة أشار إليها المؤلف رحمه الله في الشرح، من حديث أبي هريرة وابن عمر وعائشة وغيرهم، ومن حديث أبي سعيد الذي سمعناه، كلها فيها النهي عن الوصال في الصيام. فالوصال ينقسم إلى قسمين: منهما هو ليس بمستحب، وهو الوصال ما بعد الغروب إلى السحر، فهو جائز وليس بمستحب. ومنه ما هو محرم، وهو ما زاد عن وقت السحر، فما زاد عن وقت السحور فهو من الوصال المحرم. نكتفي بهذا القدر، ونكمل ما تبقى إن شاء الله في درس لاحق، والله تعالى أعلم.