التعليق على عقيدة السلف للصابوني 16

التعليق على عقيدة السلف للصابوني 16

الدرس في التعليق على عقيدة السلف للصابوني 16، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

تحذير السلف من مخالطة أهل الباطل

يحذر السلف من مخالطة أهل الباطل والبدع، ويبين علاماتهم مثل معاداتهم لأهل السنة. السلف كانوا حريصين على بيان الحق وتمييزه عن الباطل.

اتهامات أهل الباطل لأهل السنة والحق

يتناول كيفية اتهام أهل الباطل لأهل السنة بألقاب جائرة، ويوضح تمسك أهل السنة بالكتاب والسنة. أهل السنة يحبون الأنبياء ويكرمون الأولياء بالعدل.

صفات أهل السنة والجماعة واتباعهم للنبي

يصف أهل السنة والجماعة بأنهم أهل علم وعمل وصدق، ويبرز التزامهم باتباع كتاب الله وسنة النبي. الحب الحقيقي لله ورسوله يقتضي الاتباع والاستسلام.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب عقيدة السلف أصحاب الحديث للإمام أبي إسماعيل عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني رحمه الله تعالى، تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس السادس عشر. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قال الإمام الصابوني رحمه الله تعالى في كتابه عقيدة السلف أصحاب الحديث: «ويرون صون آذانهم عن سماع أباطيلهم التي إذا مرت بالآذان وقرت في القلوب ضرت وجرت إليها من الوساوس والخطرات الفاسدة ما جرت». قال: «وفي أنزل الله عز وجل قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾، كذلك من عقيدة السلف أصحاب الحديث أنهم يحرصون على سلامة قلوبهم وآذانهم من سماع الباطل والجلوس إلى أهل الباطل حفظاً لقلوبهم وجوارحهم من آثار هذه المجالسة والسماع». وذكر الآية العظيمة التي فيها هذا الأصل، فقوله سبحانه: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾، هذا يشمل الخوض بالكفر والشرك والنفاق والإلحاد، فلا يجلس لأمثال هؤلاء، أو كذلك بالبدع والمعاصي بأن يجرؤوا على التطاول على مخالفة هذه الأوامر الربانية والأحاديث النبوية. ومثله قول سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَسَارُ﴾، المراد عدم القرب والمخالطة لأهل الظلم، وذلك بحضور مجالسهم أو صحبتهم أو السماع منهم أو الاتساء والاقتداء بما عندهم، لأنه لو فعل ذلك أضر بنفسه ضرراً عظيماً. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل مسك ونافخ الكير»، فلا بد أن يصلك ممن تجالس، سيئاً كان أو صالحاً، بعض آثار هذه المجالسة. وهكذا كذلك ربما تنقل شيئاً من آثار هذه المجالسة فيلحقك إثم هذا النقل، وإذا أضللت أناساً بعدك يلحقك إثم هذا الإضلال، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعها، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئاً»، والعكس بالعكس. فينبغي للإنسان أن يكون مفتاح خير ومتعاوناً على الخير، تعاون على البر والتقوى، ولا يكون مفتاح شر ومتعاوناً على الإثم، كما قال سبحانه: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾، فإنه لا يدري، ربما ينقل شيئاً بسبب جهله ومخالطته لأهل الباطل، يكون فيه إضلال لنفسه وإضلال لغيره. وكم من الناس من يستحسن آراء يجهلها ويجهل سوء عاقبتها، يستحسنها برأيه وبقلة علمه، فيبدأ يتبنى هذه الأفكار والآراء ويجادل عنها بسبب جهله وعدم علمه، فما يدري إلا وهو يدعو إلى الشر وفساد، وربما والعياذ بالله كفر بالله سبحانه وتعالى. فلذلك ينبغي للمسلم أن يحفظ قلبه وجوارحه من مخالطة أهل السوء والفساد، فهذه الحمية هي السبب في سلامة أهل السنة، لأن أهل السنة أهل تميز فيما يأخذون من العلم، وفيما يعملون من العمل، وفيما يخالطون من الناس، كانوا أبعد الناس عن دخول الضلال والشر والفساد إليهم. ولما كان غيرهم ليس عندهم هذه الحمية، وليس عندهم هذا التميز، كانوا كثيراً ما يتأثرون، وكذلك يتغيرون بحسب من يخالطون، فتجدهم يتنقلون في الآراء والأفكار والمذاهب والمواقف على وجه يكون فيه التناقض والاضطراب، والسبب عدم وجود ثبات على ثوابت الدين. أما أهل السنة والجماعة، فهم ثابتون في مصدر التشريع، ليس لهم مصدر إلا الكتاب والسنة، ليس لهم قدوة إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس لهم من ينتفعون بنصائحه وتوجيهاته إلا السلف وصالح المؤمنين من أئمة الدين الصادقين. فعلمهم موروث، سيرهم محفوظ، وكذلك عندهم حرص على التميز والبعد عن التميع، وكذلك تميز في الانتقاء للعلم والناس والمنهج والطريق. وبهذا التميز والحذر والحيطة كانت السلامة لأهل السنة والجماعة، أهل الحديث والأثر، أتباع السلف رضي الله عنهم ورحمهم الله تعالى. وكذلك من خصائص أهل السنة والجماعة أنهم يحرصون غاية الحرص أن ينقلوا هذا لغيرهم، ولذلك كل من جالسهم انتفع بهذا التميز، وانتفع بهذا الصفاء والنقاء، صفاء في المصدر، وصفاء في المنهج، وصفاء في العمل، وصفاء كذلك في المخالطة. مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تركتكم على البيضاء، أي الدين الصاف النقي، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك»، فهذه ثلاثة أمور: أولها الحرص على الثبات على الحق، ثانيها التميز عن أهل الباطل، ثالثها دعوة الناس إلى هذا الصفاء وهذا التميز، وبهذا انتفع الناس بدعوة أهل الحق، أهل السنة والجماعة. قال رحمه الله تعالى: «وعلامات البدع على أهلها بادية ظاهرة، وأظهر آياتهم وعلاماتهم شدة معاداتهم لحملة أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، واحتقارهم لهم واستخفافهم بهم، وتسميتهم إياهم حشوية وجهلة وظاهرية ومشبهة، اعتقاداً منهم في أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها بمعزل عن العلم، وأن العلم ما يلقيه الشيطان إليهم من نتائج عقولهم الفاسدة ووساوس صدورهم المظلمة وهواجس قلوبهم الخالية من الخير وكلماتهم وحججهم العاطلة بل شبههم الضاحذة الباطلة». وهذا تبع لما قبله، لما حذر من مخالطة أهل الباطل وأهل الظلم وأهل الانحراف، بيّن علامات هؤلاء من أهل البدع والأهواء وأهل الشرك والكفر والنفاق والإلحاد وأهل الضلال والإعراض. فمن علاماتهم التحامل على أهل السنة والجماعة، أهل الحق، فيلقبونهم بالألقاب التي تدل على الباطل الذي هم عليه، فإن كانوا ممن ضل في باب الأسماء والصفات، سموا أهل السنة حشوية، لماذا؟ لأنهم وصفوا الله بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم مما جاء في أدلة الكتاب والسنة. وعند هؤلاء أن هذه التسميات والصفات تستلزم تشبيه الخالق بالمخلوق، والأمر ليس كذلك، بل أهل السنة والجماعة يثبتون هذه الأسماء والصفات التي ثبتت في أدلة الكتاب والسنة على ما يليق بجلال الله وعظمته، كما يثبتون لله ذات، ولا أحد في الدنيا ينكر من المسلمين الذات لله عز وجل. فيثبتون لله ذات تليق بجلاله وعظمته لا كالذوات، فكذلك يثبتون لله من الأسماء والصفات ما يليق بجلاله وعظمته، لا يشبهها ولا يماثلها صفات وأسماء المخلوقين، لأنه سبحانه وتعالى الخالق، القائل عن نفسه سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فكونه ليس كمثله شيء، ليس أنه ليس له أسماء ولا صفات، بل له أسماء وصفات تليق بكماله وعظمته، لا يشابه أحد من خلقه. فالقول في الصفات فرع عن القول في الذات، كما نثبت لله ذات لا كالذوات، فنثبت لله أسماء وصفات لا كأسماء وصفات المخلوقين، بل على ما يليق بجلال الله وعظمته. وعند أهل التحريف والتعطيل الذين نفوا هذه الأسماء والصفات، أن من أثبت هذا فهو حشوي ومجسم وممثل، ونحو ذلك من العبارات الجائرة الظالمة التي تدلك على الباطل الذي هم عليه. وهكذا إن أمر أهل السنة بما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة في مسائل العبادة والمعاملة والفقه في الدين، قالوا: «أنتم ظاهرية»، لماذا؟ لأنهم هم لم يأخذوا بالنصوص، وأخذوا بالرأي، وهذا كذلك من الباطل، أو مشبهة، لأنهم كما قلنا فيما تقدم نفوا هذه الأسماء والصفات، فجعلوا كل من أثبتها ممثلاً ومشبهاً، وهذا هو قولهم. اعتقاداً منهم في أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها بمعزل، يعني لأنهم لم يجعلوا مصدر التشريع الكتاب والسنة، إنما جعلوا العلم مصدره العقل والخواطر والاستحسانات التي ترد على الإنسان، فتكون سبباً للانحراف والضلال. ولذلك هم فيما بينهم البين مختلفون، لأن عقول الناس لا تستوي، وآراءهم لا تتحد، أما من طلب من الناس أن يتبعوا الكتاب والسنة في العقيدة والعبادة والمعاملة والأخلاق والمنهاج والسلوك، فإنه يدعوهم للاجتماع، وإلى الصواب الذي أراده الله، كما قال سبحانه: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾. وهذه الألقاب والأسماء الجائرة لا تنحصر، فكل زمان ومكان يلقب أهل السنة من قبل أهل الباطل بألقاب فاجعة. فجاءت فرق وطوائف ظالمة، كلما وقعت في ضلال، رمت أهل السنة بما يدل على هذا الضلال الذي عندهم. الخوارج الذين خرجوا على المسلمين وأئمتهم وعلمائهم، يسمون أهل السنة بأنهم «نعال السلاطين وممسحة الملوك» وغير ذلك من الألقاب، لماذا؟ هل هم كذلك فعلاً؟ الجواب: لا، ولكن لأن أهل السنة ينهون عن الخروج عن الحكام، ويأمرون الناس بلزوم توابع أدلة الكتاب والسنة، من الحفاظ على الجماعة. ليس لأنهم يجاملون هؤلاء الحكام، أو أنهم كذلك يرتشون من هؤلاء الحكام كما يزعمون، أي يزعم أهل الباطل، ولكن لعلمهم أن طريق الإصلاح ليس هو بالخروج على الحكام، وإنما بمناصحتهم وبالسر، وليس من على المنابر، لأن المناصحة من على المنابر تسبب الفتن وهيجان المجتمعات، وهذه طريقة الخوارج القعدية، وليس طريقة السلف ومن تبعهم بإحسان من أئمة الدين. وهكذا يقررون بأن الحاكم مهما وقع في الظلم، ما دام مسلماً يقيم الصلاة، لا يجوز الخروج عليه، بل يجب الصبر على هذا الأذى، كما صحت بذلك الأدلة الكثيرة فيما تقدم في أوائل هذه الرسالة والعقيدة. لكن هذه الألقاب ظلم من قبل هؤلاء الجائرين المنحرفين، وهكذا إذا أثنوا على الصحابة وأمروا بما أمر الشرع، اتهمهم الناصبة بما قد تقدم من منهج الناصبة. وإذا حذروا من الغلو في الصالحين والأنبياء والمرسلين، اتهموهم بأنهم لا يحبون الأنبياء، ولا يكرمون الأولياء، وأنهم أعداء الأنبياء والأولياء، وهذا كذب، بل أهل السنة يحبون الأنبياء ويكرمون الصادقين من الأولياء، لكن بالعدل وبالحق وبالصواب، وليس بالغلو فيهم وعبادتهم والتمسح بقبورهم وسؤالهم، وغير ذلك من الشركيات والوثنيات التي تقع عند عباد القبور وأرباب الضلال من طوائف من طوائف الرافضة والشيعة والصوفية والباطنية وغيرهم. وهكذا إذا طلبوا العدل مع أهل البيت، اتهموهم بأنهم أعداء أهل البيت، وغير ذلك من الأحكام الجائرة التي تصدر من أمثال هؤلاء. وإذا قالوا: يجب العدل واتخاذ الوسط الذي يحبه الله في كل مسائل الدين، اتهمهم أهل الغلو من أهل الجفاء، وهم فرق كثيرة، بأنهم مميعة، وأنهم كذلك يعني متساهلين مضيعين، والأمر ليس كذلك، لأن دين الله فعلاً وسط، كما قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، لكن هذا الوسط وهذه الوسطية ليست بالعواطف والآراء، وإنما بميزان الشرع. فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه، الغالي فيه بالأحكام الجائرة، وكذلك التصرفات الجافة، أو الجافي عنه الذي تركه وأهمله وتعد حدود الله. فهم الوسطية وهذا العدل الذي يحبه الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي. فلذلك فهم دائماً يحرصون على رضى الله وموافقة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولو خالفهم الناس لا يبالون بمخالفة الناس، وإنما يحرصون على موافقة الشرع. ولذلك يكون أهل الحق أهل غربة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء»، من هم هؤلاء الغرباء؟ جاء وصفهم في الأحاديث الصحيحة: «الذين يصلحون ما أفسد الناس»، وفي الرواية الأخرى: «الذين يصلحون إذا فسد الناس»، هذه صفاتهم أنهم أهل ثبات على الحق. ولذلك فهم قليل من كثرة المخالفين، كما جاء في الحديث الآخر في الصحيحين من حديث معاوية وثوبان رضي الله عنهما في وصف الفرقة الناجية والطائفة المنصورة: «أنهم قليل فرقة»، قال عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة يعني جماعة قليلة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». وتقدم معنا في الحديث السابق المذكور قريباً في افتراق اليهود والنصارى والمسلمين إلى فرق، افترقت اليهود إلى إحدى وسبعين فرقة، والنصارى اثنتين وسبعين فرقة، وأهل الإسلام إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، يعني الناجي من هذه الفرق الكثيرة فرقة واحدة فقط. فسرهم النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي حسنه بعض أهل العلم، ومعناه صحيح: «أنهم من كان على مثل ما هو عليه وأصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم». قال رحمه الله تعالى: «وسمعت الحاكم رحمه الله يقول: سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد الحمضلي ببغداد يقول: سمعت أبا إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي يقول: كنت أنا وأحمد بن الحسن الترمذي عند إمام الدين أبي عبد الله أحمد بن حنبل، فقال له أحمد بن الحسن: يا أبا عبد الله، ذكروا لابن أبي قتيلة بمكة أصحاب الحديث، فقال: أصحاب الحديث قوم سوء، فقام أحمد بن حنبل وهو ينفذ ثوبه ويقول: زنديق زنديق زنديق، حتى دخل البيت». وهذا مثال ذكره الإمام الصابوني رحمه الله من تطاول أهل البدع والأهواء وتعديهم على أهل الحق، أهل السنة، أتباع السلف، أهل الحديث والأثر. ففي هذا الأثر يذكر رحمه الله تعالى أن هذا الضال ابن أبي قتيلة تطاول على أهل الحديث وأصحاب السنة بأنهم قوم سوء، لماذا؟ لأنهم لم يوافقوه على مذهبه وعلى طريقته. فقول إمام أحمد: «زنديق زنديق زنديق»، تحذير من طريقته ومذهبه، لأنه سلك مسلك الزندقة بالخروج من الدين والتطاول على أهل الحق بقلب الحقائق، فيجعل المفسد مصلحاً والمصلح مفسداً، ويجعل السيئ حسناً والحسن سيئاً. ولا شك أن هذا إخراج للناس من الدين الصحيح، والحقيقة هم الذين خرجوا عن الدين الصحيح، فالزنديق هو الذي خرج من الدين، الذي خرج من الدين، فحذر الإمام أحمد رحمه الله من هذا الرجل، وأن لا يستمع لقوله، لأن هذا الرجل ممن خرج عن الدين الصحيح وتطاول على أهل الحق. فينبغي لأهل الحق أن يحذروا من أهل الباطل إذا ادعت الحاجة لذلك، على التفصيل الذي سبق، أو سبقت الإشارة إليه في الدرس السابق. قال: «ورحمه الله وسمعت الحاكم أبا عبد الله يقول: سمعت أبا نصر أحمد بن سهل الفقيه ببخارة يقول: سمعت أبا نصر بن سلام الفقيه يقول: ليس شيء أثقل على أهل الإلحاد ولا أبغض إليه من سماع الحديث ورواياته أو وروايته بإسناده»، نسختان. والمعنى أن أهل الباطل والإلحاد لعلمهم أنهم يخالفون النصوص، يبغضون سماع الحديث، ولذلك لا يجلسون على مجالس العلم والحديث، وإذا جلسوا حرفوها وغيروا وبدلوا نصوصها، مثل اليهود والنصارى، اعتقدوا أولاً الباطل، ثم ذهبوا يحرفون ما جاء عن الأنبياء والرسل بما يوافق ما هم عليه من الباطل. وهكذا فعل أهل البدع والضلال، صاروا على عقيدة فاسدة، فإذا وردت عليهم النصوص من الكتاب والسنة حرفوها وغيروها. قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، حرفوا «استوى» فقالوا: «استولى»، من أين أتيتم بـ «استولى»؟ الله يقول: «استولى»، لا ما قال: «استولى»، إنما قال: «استوى»، قالوا: لا، «استوى» معناها «استولى»، من أين؟ لا في الكتاب ولا في السنة ولا في اللغة، ولا عن أحد من سلف الأمة شيء يدل على أن «استوى» معناه «استولى»، فهذا تحريف وتغيير من جنس تحريف وتغيير وتبديل اليهود والنصارى. قال الله عز وجل: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، كلم الله موسى تكليماً، أكد أنه كلام حقيقي من جنس الكلام الذي يتكلم به، فيأتي هؤلاء ويقولون: «إنما هو جرح بمخالب الحكمة»، من أين أتيتم بهذا؟ لا في الشرع، لا في الكتاب، لا في السنة، لا عن أحد من سلف الأمة، ولا في اللغة، أن مثل هذه اللفظة تفسر بما ذكرتم. لو أراد «كلم» بمعنى «جرح» لكان: «وكلم الله موسى كلما»، أكد بمصدر يناسب المعنى، لكنه قال: «تكليماً»، دل على أنه أراد الكلام الحقيقي الذي يليق بجلال الله وعظمته. وغير ذلك كثير من التحريف الذي عند هؤلاء، ولذلك صاروا كما يقول الأئمة: «أهل الباطل أعداء السنن»، كيف أعداء السنن؟ يعني يكرهون أن تورد عليهم الأدلة، لأنها تخالف وتفضح ما عندهم من باطل. قال رحمه الله: «وسمعت الحاكم يقول: سمعت الشيخ أبا بكر أحمد بن إسحاق بن أيوب الفقيه، وهو يناظر رجلاً، فقال الشيخ أبو بكر: حدثنا فلان، فقال له الرجل: دعنا من «حدثنا»، إلى متى «حدثنا»؟ فقال الشيخ له: قم يا كافر، فلا يحل لك أن تدخل داري بعد هذا أبداً، ثم التفت إلينا وقال: ما قلت قط لأحد: ما تدخل داري، إلا هذا، لأن هذا رد سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحديثه، يريد أن يقيم الدين بالرأي وبالعقل وبالهوى، ما يريد الدين بأدلة الكتاب والسنة». فمن رد أدلة الكتاب والسنة كفر، فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً، الذي لا يريد الكتاب والسنة فهو كافر بالكتاب والسنة. الواجب على المسلم أن يحتكم للكتاب والسنة، وأن يدعو ويستجيب لأوامر الكتاب والسنة: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾. قال رحمه الله: «وسمعته الأستاذ أبا منصور محمد بن عبد الله بن حمشاد العالم الزاهد رحمه الله يقول: سمعت أبا القاسم جعفر بن أحمد المقري الرازي يقول: قرأت على عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي وأنا أسمع، قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبا حاتم محمد بن إدريس الحمضلي الرازي الإمام المشهور يقول: علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر، وعلامة الزنادقة تسميتهم أهل الأثر حشوية، يريدون بذلك إبطال الأثر، وعلامة القدرية تسميتهم أهل السنة مجبرة، وعلامة الجهمية تسميتهم أهل السنة مشبهة، وعلامة الرافضة تسميتهم أهل الأثر نابتة وناصبة». كما تقدم معنا: كل فرقة ترمي أهل الحق وأهل السنة بضد ما هي عليه من الباطل، فالقدرية يرمون أهل السنة بأنهم جبرية، والجبرية يرمون أهل السنة بأنهم قدرية، وهكذا. كما ذكر رحمه الله تعالى، فإذا ينبغي أن تعلم أن هؤلاء أهل الباطل إنما يرمون أهل الحق بهذه الألقاب لأنهم في باطل، فلذلك يرمون غيرهم بمثل هذه الألقاب الباطلة. وتقدم معنا توضيح مذهب أهل السنة في القدر وفي الصفات وغيرها مما يغني عن الإعادة، وعلمنا هذه الفرق: الجهمية والرافضة والقدرية في أوائل الكتاب بما يغني عن الإعادة. قال رحمه الله تعالى: «قال: قلت: وكل ذلك عصبية، يعني هذه الألقاب ليس لها دليل، وإنما هو هوى وتعصب»، قال: ﴿وَلَا يَلْحَقُ أَهْلَ السُّنَّةِ إِلَّا اسْمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ أَهْلُ الْحَدِيثِ﴾، لأنهم أتباع الحديث، أهل السنة لأنهم يتبعون السنة، وأتباع السلف لأنهم يتابعون السلف، أي هذه الألقاب الصحيحة. قال أبو عثمان، أي الصابوني رحمه الله: «قلت: أنا رأيت أهل البدع في هذه الأسماء التي لقبوا بها أهل السنة، ولا يلحقهم شيء منها، فضلاً من الله ومنه، سلكوا معهم مسلك المشركين لعنهم الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنهم اقتسموا القول فيه، فسماه بعضهم ساحراً، وبعضهم كاهناً، وبعضهم شاعراً، وبعضهم مجنوناً، وبعضهم مفتوناً، وبعضهم مفترياً مختلقاً كذاباً، كل هذا أخبر الله عز وجل في كتابه، ونبينا عليه الصلاة والسلام فيما جاء عنه في سنته، وكل هذا لم يلحق النبي صلى الله عليه وسلم شيء من هذه التهم، بل هو البريء من هذه التهم جميعاً». قال: «وكان النبي صلى الله عليه وسلم من تلك المعائب بعيداً بريئاً، ولم يكن إلا رسولاً مصطفى نبياً، قال الله عز وجل: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾، يعني ضربوا بك أمثال السوء التي يعلم كل منصف صادق أنك بريء من هذه الأمثال». لما يأتي الفاجر الكاذب فيتهم الأمين بأنه خائن، هذا من علامات الساعة، أن يكذب الصادق ويخون الأمين، لما يأتي الزاني الخبيث القذر فيتهم العفيف بالفاحشة والفحش، لن يضره ذلك، بل هذا من علامات الساعة، ولكن تعلم أنه ما رمى بهذه التهمة إلا أنه هو فيها، وهو صاحبها. قال رحمه الله تعالى: «وكذلك المبتدع خذلهم الله، اقتسموا القول في حملة أخباره ونقلة آثاره ورواة أحاديثه، المكتدين بهم، المهتدين بسنته، المعروفين بأصحاب الحديث، فسماهم بعضهم حشوية، وبعضهم مشبهة، وبعضهم نابتة، وبعضهم ناصبة، وبعضهم جبرية، كما تقدم»، هل ضرهم ذلك شيء؟ لا، يضرهم ذلك شيء، كما فعل المشركون مع النبي صلى الله عليه وسلم، لم يضره ذلك شيء. فالذين سموه ساحراً ومجنوناً وكاهناً، لم يضره هذه التسميات عليه الصلاة والسلام، بل برأه الله، وعلم كل منصف أنه بريء من هذه الألقاب. وكذلك أهل الحق، أهل السنة والجماعة، فينبغي لصاحب الحق ألا يبالي، ولا يكترث، ولا يلتفت، ولا كذلك يهتم بهذه الألقاب. قال رحمه الله: «وأصحاب الحديث عصامة من هذه المعايب، بريئة زكية نقية»، يعني معصومة، محفوظة، لأن علمهم وعملهم يزكيهم. الإنسان يزكيه عمله، ولا تزكيه تزكية الناس، لو زكاك آلاف الناس أنك أمين، وعملك يدل أنك خائن، ما نفعتك تلك التزكية، ولو زكاك الناس بأنك عفيف، وأنت صاحب فاحشة، ما نفعتك هذه التزكية. وإنما الذي يزكيك عملك ومواقفك وأقوالك وأفعالك، فأهل السنة والجماعة، أهل الحق، تزكيهم أعمالهم الموجودة في الواقع: أنهم أهل علم وعمل وصدق وثبات وصفاء ونقاء، وبعيدون كل البعد عن التلاعب بالدين والتغيير المواقف، وغير ذلك مما عليه أهل الباطل. قال رحمه الله: «وليسوا إلا أهل السنة المضية، والسيرة المرضية، والسبل السوية، والحجج البالغة القوية، هذا واقعهم، وهذه صفاتهم التي تزكيهم، وهذه أعمالهم التي تبرهن صدقهم». قال: «قد وفقهم الله جل جلاله لاتباع كتابه ووحيه وخطابه، واتباع أقرب أوليائه، والاقتداء برسوله في أخباره التي أمر فيها أمته بالمعروف من القول والعمل، وزجرهم فيها عن المنكر منهما، وأعانهم على التمسك بسيرته والاهتداء بملازمة سنته، وجعلهم من أتباع أقرب أوليائه وأكرمهم وأعزهم عليه، وشرح صدورهم لمحبته ومحبة أئمة شريعته وعلماء أمته، ومن أحب قوماً فهو معهم يوم القيامة، بحكم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المرء مع من أحب». فهؤلاء الذين تزكيهم أعمالهم، وتبرهن صدقهم مواقفهم، قد ثبت عند كل منصف أنهم هم أهل الحق، ولذلك أحبهم أهل الصدق، وكل من عرف عن قرب ما هم عليه، وهم من أحب الناس وأصدق الناس لحب رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعه، وحب صحابته رضي الله عنهم، والاقتداء بهم. والمرء مع من أحب يوم القيامة، هؤلاء الذين يدعون حب الله وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعمالهم تخالف، هم أبعد الناس عن حبه وعن صحبته، كما قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. قارن بين أهل السنة وأهل البدع، من الذي برهن حبه لله ولرسوله باتباع نصوص الكتاب والسنة بعدل وإنصاف؟ أهل السنة. إن جئت مع الصوفية والرافضة، تجدهم خالفوا النصوص الكثيرة، آلاف النصوص، ثم يدعون أنهم يحبون الله، ويحبون الرسول، ويحبون أهل البيت، وهم أعداء أعداء الله، وأعداء الرسول، وأعداء أهل البيت، وأعداء الصحابة، بما كان من أقوالهم ومذاهبهم وعقيدتهم الفاسدة الخاسرة. وهكذا كذلك قل مع كل فرقة تخالف أهل الحق، فأهل الحق أولى بالحق فيما وقع من خلاف معهم، لأنهم قد اتبعوا الأدلة بحق وصدق. وكذلك أهل السنة والجماعة يحرصون غاية الحرص على أن يكونوا مطبقين لمعالم العلم، وهذا مما جعل الناس تحبهم، وأكد صحة اتباعهم للنبي صلى الله عليه وسلم. وفي حديث أبي سعيد وغيره بالصحيح: حين يقدم الناس على حوض النبي صلى الله عليه وسلم، فيعرفهم بعضهم بأشخاصهم، وبعضهم بعلامات الوضوء منهم، فيقول: «أمتي أمتي»، ويقول: «أصحابي أصحابي»، حين تطردهم الملائكة عن الحوض، فتقول له الملائكة: «إنهم غيروا وبدلوا»، يعني ما منعناهم من الورود على حوضك والشرب منه إلا أنهم غير صادقين في اتباعك. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «سحقاً سحقاً لمن غير وبدل»، فإن الحب الحقيقي هو الذي يقتضي الاتباع لا الابتداع، ويقتضي كذلك الاستسلام والانقياد لا التمرد والعصيان. طيب، نكتفي بهذا القدر، إلى هنا، والله تعالى أعلم، صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.