التعليق على عقيدة السلف للصابوني 14

التعليق على عقيدة السلف للصابوني 14

الدرس في التعليق على عقيدة السلف للصابوني 14، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

أركان الصلاة ووجوب قراءة الفاتحة

يوجب أهل السنة قراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام ويعدون إتمام الركوع والسجود بالطمأنينة من أركان الصلاة. دلت الأحاديث النبوية على وجوب قراءة الفاتحة وطمأنينة الركوع والسجود.

أخلاق أهل الحديث وحرصهم على النوافل

يحرص أهل الحديث والأثر على النوافل مثل صلاة الليل وصلة الأرحام. صلاة الليل تزكي المؤمن وتطهره، وصلة الأرحام سبب لطول العمر في طاعة الله والبركة فيه.

صفات أهل السنة والجماعة في الطاعات

يحرص أهل السنة والجماعة على الطاعات مثل قيام الليل وصلة الأرحام وإفشاء السلام. يتعففون في مأكلهم ومشربهم وملبسهم ومنكحهم، ويبتعدون عن الحرام والشبهات.

صفات أهل الإيمان والمسارعة إلى الخيرات

يوصي بعدم التوسع في الدنيا إذا لم يكن لديك القدرة، ويشدد على أهمية القناعة بما رزقك الله. يبرز صفات أهل الإيمان، مثل فعل الخيرات، وإماطة الأذى عن الطريق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد. فما زلنا في هذه الرسالة العظيمة النافعة للإمام الصابوني رحمه الله تعالى، عقيدة السلف أصحاب الحديث. قال رحمه الله تعالى: ويوجبون قراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام، ويأمرون بإتمام الركوع والسجود حتمًا واجبًا، ويعدون إتمام الركوع والسجود بالطمأنينة فيهما والارتفاع من الركوع والانتصاب منه، والطمأنينة فيه، وكذلك الارتفاع من السجود والجلوس بين السجدتين مطمئنين فيه من أركان الصلاة التي لا تصح إلا بها. أورد رحمه الله تعالى هذه الجمل في هذا الموضع، ومن مسائل عقيدة السلف أصحاب الحديث، كما تقدم معنا، تارة تكون بعض المسائل هي من المكملات والمتممات، وتارة تكون للتنبيه على مذهب أهل الحديث أتباع السلف الصالح، ومخالفة بعض أهل الباطل ممن خالف في هذه المسائل، ولو كانت بعض المسائل من المسائل الفقهية؛ لأنها عارضت الدليل، وقال بها من عرف بكثرة مخالفته للدليل، مثل أهل الرأي. فأهل الرأي لا يوجبون قراءة الفاتحة، مثل بعض متعصبة الحنفية ومن وافقهم، فإنهم يكتفون بالقراءة بما تيسر من القرآن، ولو آية واحدة. بل بعضهم يبالغ فيزيد فيقول: يجوز أن يأتي بآية من القرآن، ولو بغير اللغة العربية إذا كان بمعناها. وهذا من أبطل الباطل. أولًا؛ لأن الصلاة عبادة، ولا يجوز أن يتعبد لله عز وجل بغير ما شرع، فالعبادات توقيفية، والواجب اتباع ما جاءت به الشريعة في الكتاب والسنة مما صح عن نبينا صلى الله عليه وسلم، وأجمعت عليه الأمة من الصحابة والتابعين وأتباع التابعين. ومما علم أنه من ثوابت الدين أنه لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، فلابد من قراءة فاتحة الكتاب؛ لما جاء في هذا الحديث الصحيح، حديث عبادة بن الصامت في البخاري وغيره، عن النبي صلى الله عليه وسلم. صحيح أنهم اختلفوا هل يقرأوا بها الإمام والمأموم، أو يقرأوا بها في السرية والجهرية، أي المأموم، لكنهم لم يختلفوا في أن المنفرد يقرأها، وأن الإمام يقرأها، وأنه في القراءة السرية كذلك على الصحيح يقرأها، بل وعلى الصحيح في القراءة الجهرية كذلك المأموم يقرأها؛ لما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهاهم أن يقرأوا خلفه إلا بفاتحة الكتاب، وكان ذلك في صلاة الفجر، فقال: «لا تفعلوا إلا بأم الكتاب». وكان في صلاة الفجر، فدل على أن المأموم يقرأ بالفاتحة، ولو كان في الصلاة الجهرية؛ لهذا الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. فبعض هذه المسائل فيها خلاف، ويسع فيها الخلاف لاختلاف فهم العلماء، ولئمة الأدلة. أما أن يقال: لا يقرأ بالفاتحة أبدًا، أو يجوز أن يصلي بغير الفاتحة الإمام والمأموم في السرية والجهرية، أو أعظم من ذلك أن يقال: يجوز قراءة آية، أو أعظم من ذلك أي آية، أو أعظم من ذلك يجوز أن يقرأ بمعنى آية، ولو بغير اللغة العربية، فهذا من أبطل الباطل. فالله أمر بقراءة القرآن في الصلاة في قوله سبحانه: ﴿فاقرءوا ما تيسر من القرآن﴾، وليس معنى القرآن. وهكذا كذلك صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المسيء في صلاته وغيره، أنه أمر بقراءة الفاتحة، ثم يقرأ بعده ما تيسر من القرآن. فمن خالف هذه الأدلة الصحيحة الصريحة، وتجاسر بقول مثل هذه الأقوال الشاذة بالرأي، فهو على غير طريقة أهل الصواب من أهل السنة والكتاب، أهل الحديث والأثر، أتباع السلف الصالح رحمهم الله، ورضي الله عنهم. ولهذا أورد المؤلف رحمه الله هذه المسألة الفقهية في كتابه المتعلق بعقيدة السلف؛ لأن من عقيدة السلف الاحتكام للدليل، والتعبد لله رب العالمين بما شرع، لا بالرأي والأهواء. وأعظم من هذا أن يبلغ الإنسان الدليل، فيصر على قول إمامه، ويتعصب له، ويرد الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهنا تحصل مسألة الخروج عن طريقة السلف في هذا الموضع؛ لأن الإنسان لا يجوز له أن يتعصب لقول أحد كائنا من كان إذا خالف قوله الدليل. وقد كان لئمة يكثرون من أمر أتباعهم بمتابعة الدليل، وترك أقوالهم إذا خالفت أدلة الكتاب والسنة، حتى الإمام أبو حنيفة رحمه الله، فإنه قرر هذا في مواضع كثيرة، وهكذا من بعده الإمام مالك والشافعي وأحمد، كلهم على هذه المنهجية الصحيحة. لكن بعض الأتباع تعصبوا لبعض الآراء والأقوال الخاطئة لبعض أئمتهم، وتجاسروا على مخالفة الدليل، وعدم العمل به. وقوله رحمه الله تعالى: ويأمرون بإتمام الركوع والسجود حتمًا واجبًا، ويعدون إتمام الركوع والسجود بالطمأنينة فيهما والارتفاع من الركوع والانتصاب إلى آخر كلامه، هذه مسألة أخرى خالف فيها كذلك أهل الرأي. فهم يرون أن أقل الواجب هو أن تؤدي هذا الفعل، ولو بغير طمأنينة. وهذا خطأ؛ لأن شرطية وجوب الطمأنينة يعتبر ركن من أركان الصلاة، فلا يجوز لمسلم أن يؤدي ركنًا من الأركان بغير طمأنينة؛ لما جاء في حديث المسيء في صلاته الصحيح، أنه عليه الصلاة والسلام أمره أن يركع حتى يطمئن راكعًا، ويعتدل حتى كذلك يطمئن، ويسجد حتى يطمئن. وهكذا كذلك يفعل في صلاته كلها؛ كما جاء في حديث حميد، وحديث أبي هريرة، وحديث المسيء في صلاته، وحديث البراء، وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم، أرضاهم. بعضها في الصحيحين، وألفاظ هذا الحديث، ومعضها خارج الصحيحين. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد المصلي الذي أساء في صلاته إلا لأنه لم يطمئن، قال له: «ارجع فصلي؛ فإنك لم تصلي». فرجع فصلى كما كان صلى، ثم جاء فسلم على النبي عليه الصلاة والسلام، فرد عليه الصلاة والسلام، ثم قال له: «ارجع فصلي؛ إنك لم تصلي». ثلاث مرات، حتى قال في الثالثة: «والذي بعثك بالحق، لا أحسن ما أحسن غيرها». فعلمني. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم أقرأ ما تيسر من القرآن». وفي رواية: أمره بالقراءة بالفاتحة وما تيسر من القرآن. ثم أمره أن يركع حتى يطمئن راكعًا، ثم يرفع حتى يعتدل قائمًا، ثم يسجد حتى يطمئن راكعًا، أساجدا، ثم يرفع حتى يطمئن جالسًا، ويفعل ذلك في صلاته كلها. أمره عليه الصلاة والسلام بذلك، فدل على أن الطمأنينة تعتبر من لوازم الصلاة، وأنه لا يسع مسلم يصلي لا يطمئن. إذا فعل ذلك، فصلاته باطلة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ارجع فصلي؛ فإنك لم تصلي، فإنك لم تصلي». وهذا موضع آخر أخطأ فيه أهل الرأي، فإنهم يجيزون الصلاة بغير طمأنينة، ويرون أن أداء هذه الأعمال على أي وجه، ولو ينقرها نقر الغراب، فإنها تجزئه. وهذا خطأ، بل لابد أن يطمئن. وحد الطمأنينة كما ذكر رحمه الله تعالى هو أن يتحقق الاستقرار، كما جاء في بعض الأحاديث: حتى يرجع كل عظم ومفصل إلى مكانه. وحده بعض أهل العلم: إذا كان موضع يذكر فيه الذكر بثلاث مرات، يذكر الذكر على الأقل؛ حتى لا تكون صلاة كنقر الغراب. فلابد من الطمأنينة. وهكذا الموضع الذي قبله، قراءة الفاتحة. وفي هذا حكمة؛ من هذه الحكمة أن هذه الصلاة صلة بين العبد وربه، فلابد أن يتدبر المصلي الأقوال والأفعال. فحين يقرأ الفاتحة تحصل المناجاة؛ كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «أن الله عز وجل قال: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل». فإذا قال: «الحمد لله رب العالمين»، قال الله: «حمدني عبدي». وإذا قال: «الرحمن الرحيم»، قال الله: «أثنى علي عبدي». وإذا قال: «مالك يوم الدين»، قال الله: «مجدني عبدي». وهكذا حتى قال: «إذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين»، قال: «هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل». وإذا قال: «اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين»، قال: «هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل». فالشاهد: الصلاة أقوال وأفعال، صلة بين العبد وربه وخالقه، لابد أن يتدبر هذه الأقوال، وتدبر هذه الأفعال. ومن ذلك ركوعه وسجوده وقيامه واعتداله وجلوسه بين السجدتين وجلوسه للتشهد، كلها مليئة بالأذكار التي تحتاج إلى تدبر. وكانوا يحرصون كما جاء عن عمر بن عبد العزيز، وروي عن بعض الصحابة، وشبها صلاته بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم: أن مقدار طمأنينة النبي صلى الله عليه وسلم في ركوع وسجوده قدر عشر تسبيحات، يعني قدر عشر مرات: «سبحان الله، سبحان ربي العظيم»، أو «سبحان ربي الأعلى»، قدر عشر مرات. وإذا كان معه أدعية، فإنه سيكون أكثر. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في ركوعه وفي سجوده؛ كما جاء في الأحاديث الكثيرة من أدعيته صلى الله عليه وسلم في الركوع والسجود والاعتدال والجلوس بين السجدتين. فأن لمن يكتفي بالنقر أن يأتي بهذه الأذكار، وأن يطمئن في الصلاة، لا شك أنه لن يحصل له الإطمئنان في هذه الصلاة. فلذلك نص أهل السنة والجماعة، ومنهم الإمام الصابوني رحمه الله، على التأكيد على أهمية أداء هذه الأقوال والأفعال في الصلاة على الوجه الذي شرعت في الشريعة، مما صحت به السنة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فصلاة من ينقر نقر الغراب من بعض المتمذهبة وأهل الرأي خاصة، صلاة باطلة. وما يفعله بعض العوام كذلك؛ لما ستقدم في حديث المسيء في صلاته، فإنه رد النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: «لو ارجع فصلي؛ فإنك لم تصلي». قال رحمه الله تعالى: ويتواصلون بقيام الليل للصلاة بعد المنام، وبصلة الأرحام على اختلاف الحالات، وإفشاء السلام، وإطعام الطعام، والرحمة على الفقراء والمساكين والأيتام، والاهتمام بأمور المسلمين، والتعفف في المأكل والمشرب والملبس والمنكح والمصرف، والسعي في الخيرات، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والبدار إلى فعل الخيرات أجمع، واتقاء شر عاقبة الطمع. وهذه الجمل أوردها رحمه الله تعالى ليشير إلى مكملات ومتممات أخلاق أهل الحديث والأثر، أتباع السلف الصالح، أهل الكتاب والسنة بحق وصدق. فهم العاملون لعموم أدلة الكتاب والسنة. فكما يحرصون على الفرائض، فهم يحرصون كذلك على النوافل. ومن أوكد النوافل وأفضلها وأشرفها صلاة الليل، فيتواصون بقيام الليل للصلاة بعد المنام، يعني أفضل وقتها بعد أن يأخذ الإنسان قصطًا من النوم، ليس أول الليل، وإنما بعد منتصف الليل، في الثلث الأخير من الليل هو أفضل وقتها. لكن من خشي أن تفوته صلاة الليل؛ لأنه ثقيل النوم، أو سهر، أو كان في سفر، فإنه يصلي في أول الليل؛ كما صح في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك؛ إذ كان يسهر للعلم أحيانًا، فيخشى ألا يقوم لصلاة الليل، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤتر قبل أن ينام. وإلا فالأفضل والأكمل أن يصلي في الثلث الأخير من الليل. وقد كانت قيام الليل في القول الصحيح من أقوال أهل العلم واجبًا على النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام، ثم نسخ هذا الوجوب، نسخ هذا الوجوب، وبقي على الاستحباب له عليه الصلاة والسلام لأمته. والصلاة صلاة الليل تزكي المؤمن، وتطهره، وتنقيه، وترقيه في درجات ومراتب هذا الدين. ولهذا أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم على وجه الوجوب في البداية؛ لأجل أن يزداد النبي صلى الله عليه وسلم في درجات إيمانه ونبوته ورسالته وقربه من ربه وخالقه؛ كما قال الله عز وجل: ﴿يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا﴾ الآيات. وكما قال الله عز وجل: ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾. حتى قال بعض أهل العلم: الآية الثانية في سورة الإسراء ناسخة للآية الأولى في سورة المزمل، يعني كان في سورة المزمل أمر على وجه الوجوب، ثم نسخ فصار نافلة بآية سورة الإسراء. ولهذا حرص صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الصلاة، وعلى قيام الليل؛ كما وصف الله عز وجل هؤلاء الأخيار الصحابة الأبرار رضي الله عنهم وأرضاهم بقوله: ﴿كانوا قليلا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون﴾ الآيات. فكذلك أهل الحديث والأثر، أتباع السلف الصالح، أهل الكتاب والسنة بحق وصدق، يحرصون على مثل هذه الطاعات؛ لأنها سبب لتزكيتهم وطهرتهم، والارتقاء بهم إلى أعلى الدرجات والمقامات. وهكذا صلة الأرحام، وأكدها بقوله: على اختلاف الحالات، يعني أنهم يصلون ولو قطعهم أرحامهم، فالصلة الحقيقية ليس أن ترد من وصلك بصلة، فهذه مكافأة، ولكن الصلة الحقيقية كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن تصل من قطعك». كما وصف الله عز وجل أهل الإيمان بهذا الوصف بقوله سبحانه وتعالى: ﴿الذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل﴾. ولهذا سميت هذه الطاعة بصلة الأرحام، أي أنهم يصلون ما قطع، أو ما يحصل فيه القطع، فإنهم يستمرون بالصلة طاعة لله عز وجل، وعملًا بما أحبه الله عز وجل. وصلة الأرحام مع كونها طاعة وقربة، وفيها الحسنات العظيمة والفوائد الجليلة، ومنها سبب لطول العمر في طاعة الله، والبركة فيه. لذلك كما قال أهل العلم: لا تجد أحدًا صالًا لأرحامه إلا وأطال الله عز وجل في عمره في طاعته. ومن حكمه: أنه سبب لتفقد الأقارب بعضهم لبعض، فبالصلة تكون قريبًا، إن احتاجوك في أمر ديني أو دنيوي، فأنت قريب، تأمر بالخير، وتعين عليه، وتنهى عن الشر والسوء والضير، وتبعد عنه. وهكذا تواسي في وقت المواساة، وتعود المريض في وقت مرضه، وتعين المحتاج، وتقف مع ذي الحاجة، وغير ذلك من المواقف التي تظهر من خلال هذه الصلة. ولهذا قال رحمه الله: على اختلاف الحالات، على اختلاف الحالات. فأهل السنة والجماعة يحرصون على هذه الطاعات: قيام الليل؛ لما فيه من الصلة العظيمة بالله، وخصوصًا أن الله ينزل في الثلث الأخير من الليل؛ كما جاء في الحديث الصحيح، فيقول: «هل من سائل فأعطيه؟ هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟» حتى انفجر الفجر أو الصبح. وهكذا كذلك صلة الأرحام؛ لما فيها من الفوائد العظيمة، ومن كذلك المنافع الكثيرة. وقطع الرحم سبب للوقوع في الإثم العظيم، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن التوعد لقاطع الرحم، وأنه لا يدخل الجنة قاطع رحم. والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. وهكذا إفشاء السلام، وإطعام الطعام، أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن سلام، وغيره من الأحاديث الكثيرة. بل أمر الله عز وجل بذلك في كتابه، وحث عليه، ووصف به خلص أهل الإيمان؛ كما قال جل وعلا: ﴿ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿فك رقبة أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة أو مسكينا ذا متربة﴾ الآيات. وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك الحث على إطعام الطعام؛ كما في حديث عبد الله بن سلام الصحيح المتقدم. وهكذا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه، في قوله: «والذي نفسي بيده، لا تدخل الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على أمر إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم». ففي إفشاء السلام، وكذلك في الحديث الآخر، حث النبي صلى الله عليه وسلم على التحاب والتواد والتهادي، وغير ذلك. ويتأكد مع مواضع ذلك التأكيد الذي دلت عليها سنة النبي صلى الله عليه وسلم مع اليتيم والمسكين؛ كما جاء في الآيات. ومع الفقير والبائس والمحتاج، ومع الضيف ونحوه، مما دل الإسلام على تأكيد إطعام الطعام فيه. بل بعضها من الواجبات، بعضها من الواجبات. وقال رحمه الله تعالى كذلك: والرحمة على الفقراء والمساكين والأيتام، كذلك من صفة أهل الحق أنهم أهل الكتاب والسنة، أهل الحديث والأثر، أتباع السلف، أنهم يعملون بنصوص الكتاب والسنة جملة وتفصيلًا. ومن ذلك رحمة الفقراء والمساكين والأيتام، والاهتمام بأمور المسلمين. وأدلة ذلك كثيرة في الكتاب والسنة، فقد أمر الله عز وجل بالأيتام والمساكين في آيات كثيرة؛ كما قال الله عز وجل: ﴿كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما﴾. وكما قال الله عز وجل: ﴿أرأيت الذي يكذب بالدين فذلك الذي يدع اليتيم ولا يحض على طعام المسكين﴾ الآيات. وفي أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم الأدلة الكثيرة، حتى قال عليه الصلاة والسلام: «أنا وكافل اليتيم كهاتين»، وأشار بالسبابة والتي تليها. كل هذا حث منه عليه الصلاة والسلام للمسابقة والمسارعة والحرص على هذه الأعمال الصالحة. وهكذا ينبغي أن يكون المسلم الصادق في إسلامه، المتبع للنبي صلى الله عليه وسلم بحق وصدق، عاملًا بمثل هذه الطاعات والقربات والمبرات. وقوله: والتعفف في المأكل والمشرب والملبس والمنكح، كذلك هذه من صفات الصالحين من عباد الله، وأتباع الكتاب والسنة، وأهل الحديث والأثر بحق وصدق، أنهم يتعففون في مأكلهم ومشربهم وملبسهم ومنكحهم، فلا يقعون في الحرام، ولا يقتربون من الشبهات، ولا كذلك يتلاعبون بدينهم في هذا الباب. بل يحرصون على الحلال الخالص الصافي؛ لعلمهم أن كل جسد ذي بالحرام فالنار أولى به؛ كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. وكما جاء في الحديث الآخر الصحيح، حديث أبي هريرة: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيب، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين» الحديث. وفي الحديث: من أسباب عدم قبول الدعاء، ولو كان عنده أسباب إجابة الدعاء، كالرجل يطيل السفر أشعت أغبر، يمد يديه للسماء، يقول: «يا رب، يا رب»، ولكنه لا يستجاب له؛ لماذا؟ لأن مطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، وملبه حرام، وغذي بالحرام. فأن يستجاب لمثل ذلك؛ كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. فالواجب على المسلم أن يحرص على الحلال الطيب الذي يكون سببًا أولًا لمرضاة ربه، ونجاته من عقابه وغضبه، وكذلك للبركة في نفسه وأهله وولده، وقبول دعائه، وغير ذلك من المنافع الدينية والدنيوية. وقوله رحمه الله تعالى كذلك: والمنكح والمصرف، يعني يحرصون على كذلك الحلال في النكاح وما يوصل إليه، فيبتعدون عن الشبهات من الأنكحة المحرمة، وكذلك التي فيها شيء من الشبهة، مثل نكاح المتعة، وغيرها من الأنكحة المعاصرة التي تلاعب الكثير من الناس بدينهم فيها. فإن المؤمن الصادق يحرص على الحلال، ويبتعد عن الحرام. ومن ذلك أنه يحفظ فرجه بالحلال، ويحفظ بصره، ويحفظ جوارحه؛ كما قال الله عز وجل: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم﴾. وكذلك في حق المرأة: ﴿قل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن﴾. فالأمر عام، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم: التحذير من الوقوع في الزنا، وأن صاحبه لا يكون مؤمنًا في وقت الزنا؛ كما جاء في الصحيح في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة حين انتهب وهو مؤمن». جاء في بعض الروايات: «أن الإيمان يرتفع فوقه كالظلة»، أي في وقت المعصية. أي يرتفع الإيمان فوقه، ويخرج؛ لأنه لا يجتمع إيمان ومعصية في وقت واحد. وهل معناه أنه يكفر؟ الجواب: لا. وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم، وأهل السنة والجماعة: أن فاعل المعصية ينقص إيمانه بهذه المعصية. وكونه يرتفع فوقه كالظلة، معناه: لا يصاحبه بكثرة طغيان شهوة المعصية، يغطي ذلك على إيمانه. مثل شدة الغضب يزيل العقل، يزيل العقل. وشرب الخمر يزيل العقل، والنوم لا يكون معه في وقت النوم العقل. فكذلك شهوة المعصية تطغى على الإيمان حتى يذهب. هل نسمي النائم مجنونًا؟ لا. هل نسمي السكران مجنونًا؟ لا. هل نسمي الغضبان الذي اشتد غضبه مجنونًا؟ الجواب: لا. ولكنه في حال الفعل، تصرف تصرف ماذا؟ المجانين، تصرف تصرف المجانين. فكذلك هذا الزاني في وقت الزنا، تصرف تصرف الكافرين، وليس تصرف المؤمنين. لو كان مؤمنًا ما وقع في هذه الفاحشة العظيمة، وهذا الذنب الكبير. وقد توعد النبي صلى الله عليه وسلم بما أوحى الله إليه: الزناة أن يرموا في تنور من نار؛ لما كان منهم ما كان من الدنيا من الخروج من العفة والحياء، فإنهم يرمون عراة في تنور خاص بالزناة، يجردوا عن الحياء في الدنيا، فجردوا عن الثياب في الآخرة، والجزاء من جنس العمل. وقوله رحمه الله تعالى كذلك: والمصرف، يعني ما يكون سببًا للمأكل والمشرب والملبس والمنكح، أن لا يدخل على نفسه إلا مالًا حلالًا. فإن من الناس من عنده شهوة الأكل والشرب واللبس والنكاح، ولو كان ذلك بالحرام، يعني يحب التوسع، وهو لا يستطيع. إذا كنت لا تستطيع فلا تتوسع؛ حتى لا يدفعك الشيطان للتعامل بالحرام. ولكن خذ من الدنيا بقدر ما رزقك الله، وعطاك الله، وقنع بما أتاك الله. وإذا فتح الله عز وجل عليك، أو تسببت ففتح الله عز وجل عليك، فتوسع بما أذن الله في المباح الحلال من المآكل والمشارب والملابس والمناكح. أما أن تتوسع على حساب التلاعب بدينك، وأكل أموال الناس بالباطل، فهذا ليس من طريقة أهل الإسلام الصحيح، ولا من طريقة أهل السنة، أهل الحديث والأثر. فمن الكذب بالانتساب للإسلام الصحيح، والكتاب والسنة، والحديث والأثر، أن تكون كاذبًا في معاملاتك، غاشًا للناس، وآخذًا لأموالهم بالباطل؛ لأجل التوسعة في هذه الدنيا. والسعي في الخيرات إلى آخره، كذلك من صفات أهل الحق والصدق، أنهم يجتهدون في فعل الخيرات الدينية والدنيوية، وإيصالها إلى أنفسهم وأهليهم وقاربهم وجيرانهم والناس أجمعين. حتى الشجر والحجر والحيوان والجماد يجد الخير من المؤمن الصادق؛ فإنه يزيل الحجر عن طريق الناس، ولو كانت شجرة أو شوكة. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الله أدخل رجلًا الجنة؛ بما أماط من أذى عن طريق المسلمين». ففعل الخيرات كبيرها وصغيرها من صفات أهل الإيمان. ولهذا جاء في صفة أهل الإيمان، وشعبه الإيمان: بضع وستون شعبة، وفي رواية: بضع وسبعون شعبة، أعلىها قول: «لا إله إلا الله»، وأذناها ماذا؟ إماطة الأذى عن الطريق. فمن لم يمط الأذى عن الطريق، فليعلم أن في إيمانه نقص، وأن في كذلك اتباعه لسنة النبي صلى الله عليه وسلم نقص. فإن الإيمان الصحيح يدفعك أن تعمل بشعب الإيمان. ولهذا ذكرت إماطة الأذى في شعب الإيمان: إماطة الأذى عن الطريق. فإذا أمط الأذى الحسي، فمن باب أولى أن لا تؤذيهم معنويًا، لا بالسب، ولا بالشتم، ولا باللعن، ولا بأي نوع من أنواع الأذية، لا على أنفسهم، ولا على أجسادهم، ولا على أموالهم، ولا على أعراضهم، ولا على شيء من حقوقهم. كما جاء في حديث ابن مسعود وغيره: «ليس المسلم بالسباب، ولا الشتام، ولا الفاحش البذي». بل المؤمن يتبع قول الله عز وجل: ﴿وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾. فالمؤمن ينتقي من كل بستان زهرة، ومن كل جميل كذلك ثمرة؛ لأجل أن يكون دائمًا من المحسنين. فإذا كان من المحسنين أحبه الله، وأعانه، وقربه، واصطفاه، ووفقه؛ كما قال الله عز وجل: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون﴾. وهكذا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنه من ثوابت هذا الدين، وهو كما قال بعض أهل العلم: الركن السادس من أركان هذا الدين. لأن الله عز وجل قرنه بالصلاة، بل قدم على بعض أركان الدين في بعض المواضع؛ كما قال سبحانه: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة﴾. فجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقدمًا على إقامة الصلاة؛ لأن من ليس عنده ذلك لا يقيم الصلاة. ومن لم يأمر بذلك لم يقم الناس الصلاة. فبالأمر بالمعروف لنفسك ولأهلك ولولدك تقيم الصلاة، وغيرها من واجبات الدين وأركان الإسلام. وبغير الأمر بالمعروف إذا لم تأمر نفسك وأهلك وولدك وأقاربك والناس أجمعين، فإن هذه الأركان لا تقم في الناس. وهذه الحكمة في تقديم هذا الأمر؛ لأن علاقة المؤمنين بعضهم ببعض لا بد أن يكون فيها التواصل بالحق. ولهذا ذكر هذا عند ذكر حقوق أهل الإيمان بعضهم لبعض. والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، من برهان هذه الولاية: يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة. وهو سبب خيرية هذه الأمة؛ كما قال الله عز وجل: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾. وهو سبب غضب الله، فإن من أسباب غضب الله على اليهود والنصارى، ومن ضل من أهل الكتاب: عدم قيامهم بهذا الواجب؛ كما قال الله سبحانه: ﴿لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾. وهكذا كذلك المبادرة إلى فعل الخيرات، وكلها فأدخل في هذا الدين كافة؛ كما قال الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة﴾، أي من كل أبوابه، ليس تدخل من باب وتترك باب. بعض الناس ما شاء الله في الصلاة، لكنه في أموال الناس يده خفيفة، أو في أعراض الناس لسانه طويلة، أو كذلك في بصره، أو في يده، أو في رجله، أو في غير ذلك. فالواجب أن يدخل الإنسان في هذا الدين من جميع أبوابه، وأن يبادر بفعل الخيرات، والمسارعة إليها من كل أبوابها؛ كما قال الله سبحانه: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين﴾. وهكذا كذلك اتقاء شر عاقبة الطمع. الواجب على المسلم أن يتق كل الشرور، وأعظمها وأشدها، وكذلك أضرها: الشح. فإن النبي صلى الله عليه وسلم حذر منه على وجه الخصوص بأشد التحذير، فقال عليه الصلاة والسلام؛ كما في الحديث الصحيح المشهور فيما جاء عند أحمد وغيره بإسناد صحيح: «إياكم والشح؛ فإنه أهلك من كان قبلكم، أو قال: إنما أهلك من كان قبلكم بالشح، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا». فأوله الشح، ثم بعد ذلك جاءت بعده مفاتيح الشر. فالشح والطمع والهلع يأتي بالشرور العظيمة الكثيرة. فلقال الله عز وجل: ﴿ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾. إذا صار الإنسان معطاء، وكذلك يعني محبًا لفعل الخيرات، والبذل والصدقة وغير ذلك، فإنه بإذن الله تتفتح له أبواب الخيرات والرحمات. والموفق من وفقه الله. نكتفي بهذا القدر، إلى هنا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم. جزاكم