التعليق على عقيدة السلف للصابوني 13

التعليق على عقيدة السلف للصابوني 13

الدرس في التعليق على عقيدة السلف للصابوني 13، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

عقيدة أهل السنة في الصحابة والخلفاء الراشدين

يؤكد أهل السنة والجماعة على فضل الصحابة وترتيب الخلفاء الراشدين الأربعة، ويُثنون على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. يُعتبرون وسطًا بين من طعن في الصحابة ومن غلا فيهم.

عقيدة أهل السنة والجماعة في التعامل مع الحكام والفتن

يؤكد أهل السنة على أهمية الصلاة خلف الحكام وعدم الخروج عليهم، ويحذرون من الفتن والخروج على ولاة الأمر. يشددون على ضرورة الدعاء لهم بالصلاح والتوفيق والاجتماع وعدم التفرق.

الإيمان بالغيب: الشياطين والسحر وتأثيرهم

يؤمن أهل السنة بوجود الشياطين ويعتقدون أنهم يوسوسون للآدميين، ويحرمون السحر والمخدرات. يرون أن الأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة بفضل الله ورحمته، ويؤمنون بتأثير السحر على الإنس وتأثير الغفلة عن ذكر الله في تسلط الشياطين.

التفريغ النصي الكامل

يصر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدم لكم التعليق على كتاب «عقيدة السلف أصحاب الحديث» للإمام أبي إسماعيل عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني -رحمه الله تعالى- تعليق فضيلة الشيخ عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، القائم على دار الحديث بالشحر ودار الحديث بالفيوش. والآن مع الدرس الثالث عشر. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد، نواصل في القراءة والتعليق في رسالة الإمام الصابوني -رحمه الله- «عقيدة السلف وأصحاب الحديث». نعم. بسم الله الرحمن الرحيم، قال العلامة الإمام عبد الرحمن بن إسماعيل الصابوني -عليه رحمة الله- في كتابه «عقيدة السلف وأصحاب الحديث»: وقد بشر صلى الله عليه وسلم عشرة من أصحابه بالجنة، وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد، وسعيد، وأبو عبيدة بن الجراح. وكذلك قال لثابت بن قيس بن شماس: «أنه من أهل الجنة». قال أنس بن مالك: فلقد كان يمشي بين أظهرنا ونحن نقول: إنه من أهل الجنة، ويشهدون ويعتقدون أن أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، وأنهم الخلفاء الراشدون الذين ذكر صلى الله عليه وسلم خلافتهم بقوله فيما رواه سعيد بن الجمهان عن سفينة: «الخلافة بعد ثلاثون سنة»، وبعد انقضاء أيامهم عاد الأمر إلى الملك العضوض، على ما أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وسلم. ويثبت أصحاب الحديث خلافة أبي بكر -رضي الله عنه- بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم باختيار الصحابة واتفاقهم عليه، وقولهم قاطبة: «رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لدنيانا فرضيناه لديننا، رضيه صلى الله عليه وسلم لديننا فرضيناه لدنيانا»، يعني أنه استخلفه في إقامة الصلوات المفروضة بالناس أيام مرضه، وهي الدين فرضيناه خليفة للرسول صلى الله عليه وسلم علينا في أمور دنيانا. وقولهم: «قدم، رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن يؤخره»، وأرادوا أنه صلى الله عليه وسلم قدمك في الصلاة بنا أيام مرضه، فصلينا وراءك بأمره، فمن ذا الذي يؤخرك بعد تقديمه إياك. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم بشأن أبي بكر في حال حياته بما يبين للصحابة أنه أحق الناس بالخلافة بعده، فلذلك اتفقوا عليه واجتمعوا، فارتفعوا بمكانه والله وارتفقوا، حتى قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: «والله الذي لا إله إلا هو، لولا أن أبا بكر استخلف لما عبد الله»، ولما قيل له: «مه يا أبا هريرة»، قام بحجة صحت قوله، فصدقوه فيه وأقروا به. ثم خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه وأرضاه- باستخلاف أبي بكر إياه، واتفاق الصحابة عليه بعده، وإنجاز الله -سبحانه- بمكانه في إعلاء الإسلام وإعظام شأنه وعده. ثم خلافة عثمان -رضي الله عنه- بإجماع أهل الشورى، وإجماع الأصحاب كافة، ورضاهم به حتى جعل الأمر إليه. ثم خلافة علي -رضي الله عنه- ببيعة الصحابة إياه، عرفه ورآه كل منهم -رضي الله عنه- أحق الخلق وأولاهم في ذلك الوقت بالخلافة، ولم يستجيزوا عصيانه. وخلافة فكان هؤلاء الأربعة الخلفاء الراشدين الذين نصر الله بهم الدين، وقهر وقسر بمكانهم الملحدين، وقوى بمكانهم الإسلام، ورفع في أيامهم للحق الأعلام، ونور بضيائهم ونورهم وبهائهم للظلام، وحقق بخلافتهم وعده السابق في قوله -عز وجل-: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور:55]، الآية. وفي قوله: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح:29]. فمن أحبهم وتولاهم ودعا لهم ورأى حقهم وعرف فضلهم فاز في الفائزين، ومن أبغضهم وسبهم ولعنهم إلى ما تنسيمهم الروافض والخوارج -لعنهم الله- فقد هلك في الهالكين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي، فمن سبهم فعليه لعنة الله». وقال: «من أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فبغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومن سبهم فعليهم لعنة الله». هذه مجموعة من الآثار أوردها -رحمه الله تعالى- والأحاديث في فضل الصحابة -رضي الله عنهم- عمومًا، وفضل من خصهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفضل خصوصًا، كالخلفاء الأربعة والعشرة، ومن كذلك جاء ذكرهم كالمهاجرين والأنصار، وأهل بدر، والرضوان، ونحو هؤلاء. ومن جاء ذكر فضلهم على صنفين وقسمين: فمنهم من ذكروا بوصفهم من الصحابة، كما تقدم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وأهل بيعة الرضوان، وأهل بدر، ومنهم من ذكر بشخصه كالخلفاء الراشدين والعشر المبشرين، ومنهم من عين باسمه كذلك، كما جاء في ذكر فضل بعض الصحابة. وكذلك ما جاء في تعيينهم بالجنة، كل هذا يثبت أهل السنة والجماعة على ما جاءت به الأدلة من الكتاب أو من السنة. وأهل السنة في هذا الباب وسط بين من طعن فيهم وغل فيهم، من طعن فيهم من الرافضة أو بعضهم، كالرافضة طعنوا بمن دون أهل البيت أو الناصبة، ومن كان مثل هؤلاء كالخوارج وغيرهم ممن طعن في بعض الصحابة أو بجميعهم، ولا كذلك في الطرف الآخر الذين غلوا في بعض الصحابة كما فعل طوائف من الشيعة والرافضة. فأهل السنة ينزلون الصحابة المنزلة الشرعية الصحيحة التي دلت الأدلة الشرعية على عظيم فضلهم، وفضلهم مرتب بحسب ما ورد من الأدلة في ذكرهم، فأفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة أبو بكر، اختصه الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم في هجرته وقبلها وبعدها، فما أكثر ما يقول: «جاء النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وذهب ومع أبو بكر إلى آخره»، وفي فضائل أبي بكر وعمر أحاديث كثيرة. وثانيهم عمر -رضي الله عنه وأرضاه-، من قال فيهم عليه الصلاة والسلام: «أنهما كهول أهل الجنة أو شيوخ أهل الجنة». وجاء كما في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين اهتز أحد: «أثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان»، والمقصود النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وهو الصديق، والشهيدان المذكوران عمر وعثمان. وفي هذا علم من علامات نبوته، ودليل من دلائل صدق رسالته -عليه الصلاة والسلام-، فمات عمر -رضي الله عنه وأرضاه- مقتولًا من يد مجوسي، وهكذا عثمان -رضي الله عنه وأرضاه-، شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادة، وفيه فضل هؤلاء الثلاثة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وهكذا علي -رضي الله عنه- رابع هؤلاء الثلاثة. وأهل السنة والجماعة يرون فضلهم على ترتيبهم في الخلافة، وسائر ما ذكره -رحمه الله- ظاهر في فضل الصحابة وعظيم منزلتهم، وكذلك ما يجب في حبهم، وأن من طعن فيهم فقد طعن في إجماع الصحابة -رضي الله عنهم أرضاهم-، والصحابة -رضي الله عنهم أرضاهم- قد زكاهم الله وأثنى عليهم من فوق سبع سماوات. وترتيبهم في الفضل على حسب ترتيبهم في الفضل في نصوص الكتاب والسنة، والخلفاء الراشدون ترتيبهم على ترتيب الخلافة، وهذا الذي استقر عليه أهل السنة والجماعة، ومن طعن في خلافتهم أو في خلافة أحدهم كما قال الإمام أحمد -رحمه الله-: «فهو أضل من حمار أهله». وذكر -رحمه الله تعالى- أن أصحاب الحديث يرون الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم، كان برًا أو فاجرًا، ويرون جهاد الكفرة معهم، وإن كانوا جورة فجرة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح، ولا يرون الخروج عليهم بالسيف، وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف. ويرون قتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى طاعة الإمام العادل، ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيبًا ونقصًا فيهم، ويرون الترحم على جميعهم والموالاة لكافتهم. وكذلك يرون تعظيم قدر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم -رضي الله عنهن-، والدعاء لهن، ومعرفة فضلهن، والإقرار بأنهن أمهات المؤمنين. ويعتقدون ويشهدون أن أحدًا لا تجب له الجنة، وإن كان عمله حسنًا وعبادته أخلص العبادات، وطاعته أزكى الطاعات، وطريقه مرضيًا، إلا أن يتفضل الله عليه فيوجبها له بمنه وفضله، إذ عمل الخير الذي عمله لم يتيسر له إلا بتيسير الله -عز اسمه-، فلو لم يسره لم يتيسر له، ولو لم يهده لم يهتدي له أبدًا. قال الله -عز وجل-: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور:21]، وفي آيات سواها. ويعتقدون ويشهدون أن الله -عز وجل- أجل لكل مخلوق أجلًا، وأن نفسًا لن تموت إلا بإذن الله كتابًا مؤجلًا، وإذا انقضى أجل المرء فليس إلا الموت، وليس له منه فوت. قال الله -عز وجل-: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:34]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران:145]. ويشهدون أن من مات أو قتلًا فانقضى أجله، قال الله -عز وجل-: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران:154]، وقال: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:78]. هذه مجموعة من المباحث كذلك من عقيدة السلف وأصحاب الحديث، على ما دلت عليه دلالة الكتاب والسنة، ونقل عن سلف الأمة، وتتابع عليه قول العلماء والأئمة. من ذلك الصلاة خلف أئمة المسلمين، برًا كان أو فاجرًا، الجمع والجماعات والعيدين والتراويح وغيرها من صلوات المسلمين، طاعة لله -عز وجل- وقربة، ليس مداهنة ولا تزلفًا، ولكن هداية لله -عز وجل- لما يرون من أهمية الاجتماع وخطر الفرقة والاختلاف. فإن اجتماع المسلمين على إمامهم ولو كان فاجرًا خير من تفرقهم، الذي يستغله شياطين الجن والإنس، فيكون بذلك ضعف أهل الإسلام وتسلط أعدائهم عليهم، والأمر كما قال الله -عز وجل-: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران:103]، وكما قال -سبحانه-: ﴿وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم:31-32]. ولا يتنازعون ولا يختلفون لعلمهم أن النزاع سبب للضعف، كما قال -سبحانه-: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال:46]، أي: قوتكم. ويرون الجهاد، جهاد الكفرة مع أئمة المسلمين، ولو كانوا جوارًا فجرة، يعني: لا يمنع ظلمهم ولا كذلك فجورهم من الجهاد والقيام بواجبات الإسلام معهم؛ لأننا نفعل ذلك لله، ونعلم أن قوة أهل الإسلام بهذا الاجتماع، فلا ينبغي أن ينزغ الشيطان فيأخذ كل إنسان بحظ نفسه على حساب ضعف الإسلام والمسلمين وتسلط أعداء الدين، فضلًا أن يكون هناك من يريد أن يفرق جمع المسلمين ويمزق تجمعهم ويضعف قوتهم. وتكون الفتن بحصول الفتنة وسفك الدماء وانتهاب الأموال وانتهاك العرض، فإن هذه فتنة العامة التي يجب ألا تكون، وما يكون من ظلم السلطان فتنة الخاصة، كما وقع في عهد إمام أحمد -رحمه الله- حين امتحن العلماء، ووقع ما وقع في محنة القرآن، جاء بعض من يريد أن يخرج على أولي الأمر، فزجرهم ونهاهم الإمام أحمد -رحمه الله- وحذرهم من الفتنة. فقالوا له: «ألا ترى ما نحن فيه من فتنة؟»، فقال: «إنما هذه فتنة الخاصة، وإذا رفع السيف كانت فتنة العامة: الدماء، الدماء». حذر -رحمه الله- من أن تكون الفتنة العامة التي تسفك فيها الدماء، وهذا هو مذهب عقيدة أهل السنة والجماعة. مع ما لا يخفى مما دلت عليه أدلة الكتاب والسنة من النصيحة بالرفق والسكينة والحكمة والموعظة الحسنة للراعي وللرعية، والراعي إذا نصح يصلح بالأخذ بيده بالسر، وليس بالعنف بالتشهير، فإن التشهير بالنصيحة في المنابر وفي وسائل الإعلام المقروءة والمكتوبة والمسموعة وغيرها، ليست طريقة صحيحة، وإنما هي طريقة منحرفة حذر منها الإسلام، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن من كان له نصيحة لذي سلطان فلا يبده علانية، ولكن ليأخذ بيده». وكما صح في أثر أسامة في الصحيح، حين ذكر له بعض من كان معه أن يذكر عثمان -رضي الله عنه وأرضاه- ما ينقمون ويأخذون، وأن يناصح في ذلك، أخذه أنه قد فعل، وأنه قد فعله على وجه خاص، حتى لا تكون الفتنة، وإنما يكون بينه وبينه. وهكذا ينبغي أن يكون ما يرجى من إصلاح التقصير الذي يقع من ولاة الأمر أو بطانتهم يكون بالحكمة والموعظة الحسنة، وكذلك الرفق الذي به يكون، وإذن الله تعالى مدعاه لقبول هذه النصيحة. وذكر -رحمه الله تعالى- ها هنا ما يجب من الدعاء لولي الأمر بالصلاح والتوفيق؛ لأن الدعاء له سبب لحفظ الخير لأهل الإسلام، فصلاحه صلاح للمجتمع، وفساده فساد للمجتمع. وحذر من الخروج بالسيف، ومثله الخروج بالكلمة، والخارجون بالكلمة قعدية فرقة من فرق الخوارج، والخارجون بالسيف كذلك من الخوارج الذين خرجوا عن الدين القويم والصراط المستقيم الذي كان عليه الصحابة -رضي الله عنهم- ومن اتبعهم بإحسان من التابعين واتباع التابعين، وإمام الدين. وهكذا يرون قتال الفئة الباغية كما أخبر الله -عز وجل- بذلك، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، أي: ترجع إلى ما أمر الله -عز وجل- به، ومن ذلك طاعة الإمام العادل، والطاعة إنما بالمعروف، كما أمر ربنا -سبحانه وتعالى- ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته. قال الله -عز وجل-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:59]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني». وقال عليه الصلاة والسلام: «إنما الطاعة بالمعروف». وهكذا كذلك ما ذكر من الجمل في فضل ذوي الفضل، وبقاء ما لهم من منزلة، وما لهم من مكانة، ومن ذلك أن يكفوا عما وقع وشجر بين الصحابة؛ لأن لهم من السابق والفضل ما يغمر ما قد يقع منهم، إن وقع شيء في بحور حسناتهم. والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث، والبحر طهور لا ينجسه شيء، وهكذا كذلك عظيم فضل الصحابة وسابقتهم تغمر فيه ما قد يكون من نقائصهم، إن وجد، وإن كان الأكثر الذي نقل عنهم كذبًا، والقليل منه أكثره هم فيه بين الأجر والأجرين. ولهذا كان من عقيدة أهل السنة والجماعة أن الصحابة لا يذكرون إلا بالجميل، ولا يذكر شيء مما وقع بينهم، بل ذلك مما يطوى ولا يروى، وكذلك يغمر في بحور حسناتهم -رضي الله عنهم أرضاهم-. وقد ذكر للعلماء أكثر من عشرة أو ثمانية أسباب موجبة لمغفرة ما قد يصدر منهم، إن صدر، لما كان من فضلهم وسابقتهم وأحقيتهم بكل معاني المغفرة والتجاوز من الله -سبحانه وتعالى-، أو بسبب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، أو غير ذلك من الأسباب التي ذكرت. وهكذا كذلك ما جاء في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فلهن فضلهن ولهم منزلتهن، ومنهن عائشة -رضي الله عنها وأرضاها-، من برأها الله من فوق سبع سماوات، فهي ومن معها من أمهات المؤمنين لهن المنزلة العظيمة والدرجة الرفيعة في هذا الدين. أثنى الله -عز وجل- عليهن في كتابه، والنبي صلى الله عليه وسلم في سنته، والصحابة -رضي الله عنهم أرضاهم- أجمعوا على عظيم فضلهن وعلو منزلتهن، أمهات المؤمنين اللاتي هن حرم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وخواص أهل بيته -رضي الله عنهم أرضاهم- جميعًا. قال المؤلف -عليه رحمة الله-: ويعتقدون أن الله -سبحانه- خلق الشياطين يوسوسون للآدميين ويقصدون إغوائهم ويترصدون لهم. قال الله -عز وجل-: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام:121]. وأن الله يسلطهم على من يشاء، ويعصم من كيدهم ومكرهم من يشاء. قال الله -عز وجل-: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا﴾ [الإسراء:64-65]. وقال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل:99-100]. ويشهدون أن في الدنيا سحرًا وسحرة، إلا أنهم لا يضرون أحدًا إلا بإذن الله -عز وجل-، وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله، ومن سحر منهم واستعمل السحرة واعتقد أنه يضر أو ينفع بغير إذن الله تعالى، فقد كفر. وإذا وصف ما يكفر به الساحر، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وإن وصف ما ليس بكفر أو تكلم بما لا يفهم، نهي عنه، فإن عاد عزر، وإن قال السحر ليس بحرام، أنا أعتقد إباحته، وجب قتله؛ لأنه سماح ما أجمع المسلمون على تحريمه. ويحرم أصحاب الحديث المسكر من الأشربة المتخذة من العنب أو الزبيب أو التمر أو العسل أو الذرة أو غير ذلك ممن يسكر، يحرمون قليله وكثيره، وينجسونه، ويوجبون به الحد. ويرون المسارعة إلى أداء الصلوات وإقامتها في أوائل الأوقات أفضل من تأخيرها إلى آخر الأوقات. هذه مجموعة من الجمل كذلك من اعتقاد السلف أصحاب الحديث، فإنهم يرون دخول الجنة والنار بأعمال العاملين، ودرجاتهم بحسب فضلهم وما يكون من إحسانهم. ومع ذلك فلا أحد يدخل الجنة بعمله، ولكن بفضل الله ورحمته، كما صحت لذلك الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالأعمال سبب، وإلا فالدخول بفضل الله، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل أحدًا عمله الجنة»، قيل: «ولا أنت يا رسول الله؟»، قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل». وهكذا كذلك يرون أنه لكل مخلوق أجل، وأجله بحسب ما قدره الله له، وهذا الأجل قد كتبه الله -سبحانه وتعالى- قبل أن يخلقه، ولا ينافي ذلك ما يكون من اختصام حياة الإنسان بقتل أو غيره، فذاك هو أجله. ليس على عقيدة المعتزلة والرافضة من يعتقدون أنه نقص من أجله أو غير ذلك مما هو مذهب القدرية، بل مذهب أهل السنة والجماعة أن كل شيء كان مؤجلًا مقدرًا، حتى ما يكون من أمر اختصام حياة الإنسان، فإنه بأجل الله، وكله بأجل، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام». وكما قال -سبحانه-: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران:145]، وكما قال -سبحانه-: ﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف:34]، وغير ذلك من الأدلة الكثيرة. وهكذا كذلك لا فرار من الموت، فكل أحد سيدركه الموت بحسب أجله، كما قال -سبحانه-: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء:78]، فلا أحد يستطيع أن يفر من قدره ولا أجله؛ لأن الله -عز وجل- بكل شيء محيط، وقد سبق علمه بكل شيء، وأمر بكتابة كل شيء، وهو على كل شيء قدير. وكذلك أمر الجن والإيمان بوجودهم، وأن منهم من المؤمنين ومنهم من الكافرين، وأهل السنة والجماعة أتباع السلف يؤمنون بذلك، كما أخبر الله به بكتابه، ونبينا صلى الله عليه وسلم في سنته، وأدلة ذلك كثيرة في الكتاب والسنة. كما قال -سبحانه-: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام:112]، الآية. وهكذا كذلك يؤمنون بأن من الجن شياطين يوسوسون للآدميين، كما أخبر الله -عز وجل- بذلك بقوله: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:1-6]. وهكذا ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم في سنته من الأحاديث الكثيرة التي تخبر أن الشياطين توسوس للإنس، ولكن يدفعهم الذكر والأذان وغير ذلك، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن أحدهم يفر وله ضراط من شدة ما يخاف من أذية الذكر والأذان الذي يحرقه». ويؤمنون أن الجن قد يتلبس بالإنس، كما قال الله -عز وجل- في حق آكل الربا: ﴿مَثَلُهُ كَمَثَلِ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة:275]، فيؤمنون بذلك خلافًا للفلاسفة والعقلانيين الذين ينكرون مثل هذه الأمور المعنوية، زعمًا أن العقل يحيلها. أما أهل السنة فيؤمنون بذلك، وقد أخبر الله -عز وجل- بمعنى ذلك في كتابه، وهكذا نبينا صلى الله عليه وسلم بسنته، ومن ذلك قول الله -عز وجل-: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ﴾ [الإسراء:64]، وهذه المشاركة تكون بعدم ذكر الله، فيدخلون من حيث الغفلة، إما يدخلون فيشاركون في المال، أو يدخلون فيشاركون في الولد، بما يكون من عدم ذكر الله. ولهذا شرع النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتى الرجل أهله أن يقول: «باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا»، فإنه إذا قدر بينهم ولد لم يقربه ولم يمسه شيطان. وهكذا كذلك إذا أكل الطعام فقال: «باسم الله»، لم يأكل الشيطان معه، وإذا دخل البيت وقال: «باسم الله»، لم يكن للشيطان مبيت حتى يخرج ويقول: «ليس لكم عشاء ولا مبيت». بذكر الله -سبحانه وتعالى- وبالغفلة يشارك هذا الشيطان هذا الإنس في الطعام والشراب والأكل والأزواج، بل وربما إذا زادت الغفلة دخل في جسده فأمرضه وأتعبه وأهلكه وربما قتله. وشواهد الحق وبراهين الصدق تدل على ذلك مؤيدة لأدلة الكتاب والسنة، والذي يطردهم ويخرجهم ذكر الله يحرقهم ويخرجهم، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن سورة البقرة لا تستطيعها البطلة»، أي: السحرة. «وأن البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة لا تقربها الشياطين»، لعظيم أثر سورة البقرة على الجن والشياطين، وغير ذلك مما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم. فالغفلة سبب تسلط الشياطين، وذكر الله والتزام بالأذكار، أذكار الصباح والمساء، أذكار الصلوات وأدبارها، أذكار النوم، أذكار الخروج والدخول، أذكار الأكل والشرب، أذكار المضاجعة والاتجاع والنوم، وغير ذلك، كل هذا عبارة عن حصون حصينة تحصن هذا الإنسان من هذا الشيطان. فإذا غفل عن ذكر الله تسلطت عليه هؤلاء الشياطين، كما قال -سبحانه-: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا تَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد:28]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت». وهكذا يؤمنون بالسحر وأنه حقيقة، ليس كما زعم الفلاسفة والعقلانيون من أنه تخيل، بل منه ما هو تخيل ومنه ما هو حقيقة، ولا يصل إليه الساحر إلا بالكفر بالله -عز وجل-، كما أخبر الله -عز وجل- بذلك في سورة البقرة، وكما أخبر الله -عز وجل- في قصة قوم فرعون، وغير ذلك من الآيات. بل صح أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر، سحره لبيد بن الأعصم اليهودي في مشط ومشاطة، رمبه في بئر، فأثر ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم حتى رقاه جبريل -عليه الصلاة والسلام- فشفاه الله -سبحانه وتعالى-. فإذا كان هذا النبي صلى الله عليه وسلم فمن دونه من باب أولى، والساحر حكمه في الإسلام أنه يقتل إذا ثبت السحر، كما صحت ب