شرح العقيدة الواسطية للهراس 9

شرح العقيدة الواسطية للهراس 9

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 9، الدرس التاسع : (الشهادة الإخبار بالشي عن علم به ... فالمراد التوحيد الإرادي الطلبي المبني على توحيد المعرفة والإثبات ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مقدمة في معنى الشهادة وخصالها

يشرح الشيخ معنى الشهادة وأهميتها، موضحًا أنها تتطلب علمًا واعتقادًا وعملًا، مستدلًا على ذلك بأدلة من القرآن والسنة. يُبين أن عدم توفر هذه الخصال يؤدي إلى الكفر أو النفاق أو نقص الإيمان.

دلالة كلمة التوحيد على التوحيد بنفي وإثبات

كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" هي خلاصة دعوات الرسل ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وتدل على التوحيد بنفي وإثبات. تُبين أن هذه الكلمة أبلغ من الإثبات المجرد لأنها تتضمن نفيًا وإثباتًا معًا.

توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وعلاقتهما

يشرح المقطع الفرق بين توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية، ويبين أن توحيد الألوهية هو إفراد الله بالعبادة وهو أول واجب على المكلف. يُوضح أيضًا أن توحيد الربوبية هو إثبات أن الله هو الخالق والرازق وغيرها من صفات الربوبية.

علاقة التوحيد الإرادي بالتوحيد المعرفي وتوحيد الألوهية

عبادة العبد لله تكون له وحده بعد العلم بربوبيته وأسمائه وصفاته. يُبين أن التوحيد الإرادي الطلبي يتضمن التوحيد المعرفي، وتوحيد المعرفة والإثبات يستلزم توحيد الألوهية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ محمد الهراس رحمه الله تعالى في شرحه للعقيدة الواسطية: قال: «وقوله: وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقرارا به وتوحيدا». قال: الشهادة الإخبار بالشيء عن علم به واعتقاد لصحته وثبوته، ولا تعتبر الشهادة إلا إذا كانت مصحوبة بالإقرار والإذعان، وواطأ القلب عليها اللسان. فإن الله قد كذب المنافقين في قولهم: «نشهد إنك لرسول الله»، مع أنهم قالوا بألسنتهم. وهذا بيان لمعنى الشهادة، وأن الشهادة لا بد لها من علم واعتقاد، وهكذا يضاف إلى ذلك عمل. هذا لفظ الشهادة، يعني قولك: أشهد أو شهد، لا تكون شهادة إلا إذا تضمنت هذه المعاني الثلاثة. فإن لم تتضمن هذه المعاني الثلاثة، فهو دون الشهادة. فمثلًا إذا أقر بشيء إقرارًا فقط، من دون علم جازم ولا معرفة ثابتة ولا اعتقاد مع يقين، ولا عمل بمقتضى هذه المعرفة والعلم والاعتقاد واليقين، فإنها لا تكون شهادة، قد تكون إقرارًا أو معرفة أو علمًا، ولا يكون ذلك من الشهادة حتى تتوفر فيها هذه الأمور الثلاثة. وقد دلت أدلة على ذلك، فمن أدلة العلم قول الله جل وعلا: ﴿إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، فالشهادة لا بد لها من علم. ومن أدلة الاعتقاد واليقين قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث عتبان: «أن الله عز وجل حرم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله»، عقيدة. وهكذا بحديث أبي هريرة: «مستيقنًا بها قلبه»، وفي رواية: «غير شاك بها». فلا بد من يقين واعتقاد. وهكذا العمل، لا بد من العمل، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام بحديث عبادة: «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل». فخرج بالأول -أي عدم العلم- الكفار، فالكفار غير مقرين بالمعرفة والعلم التي تقتضي قبول وحدانية الرب سبحانه وتعالى، أو رسالة النبي عليه الصلاة والسلام، أو التصديق بالدين الذي بعث به عليه الصلاة والسلام، فكانوا بهذا كفارًا. وخرج بالثاني -الاعتقاد- المنافقون، فالمنافقون قد يقرون بألسنتهم، ويدعنون بأعمالهم، لكن ليس في قلوبهم عقيدة، وليس في قلوبهم يقين، فهم منافقون لا يستحقون معنى هذه الكلمة. وخرج بالثالث -أي الذي لا يؤدي العمل الذي يقتضيه معنى هذه الكلمة- إما أهل الردة ممن دخل في الإسلام وخرج، أو أهل الإيمان الناقص الذي قد يزول مرة أو ينقص نقصًا عظيمًا. والحاصل أن لفظ الشهادة لا بد له من هذه الخصال الثلاث: علم، واعتقاد مع يقين، وعمل. وليست هذه الأمور أو الشروط الثلاثة هي شروط الشهادة -أي شهادة لا إله إلا الله-، فإن لها شروطًا أخرى قد تكون بعضها هذه المذكورة هنا، فتلك شروطها المجموع في البيت: «علم يقين وإخلاص وصدق كمع محبة وانقياد والقبول لها»، هذه سبعة شروط هي شروط لا إله إلا الله. ثم نلاحظ أن المؤلف رحمه الله ابتدأ هذه الشهادة بالإفراد: «وأشهد أن لا إله إلا الله»، أولًا اقتداء بسنة النبي عليه الصلاة والسلام في خطبة الحاجة، وثانيًا من جهة المعنى؛ لأن المقام مقام توحيد لله عز وجل، فناسب كذلك الموافقة بتوحيد الفعل بأن يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله». ولهذا لم يرد في شيء من روايات حديث خطبة الحاجة ذكر الجمع أبدًا. قال رحمه الله تعالى: «ولا إله إلا الله هي كلمة التوحيد التي اتفقت عليها كلمة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، بل هي خلاصة دعواتهم وزبدة رسالاتهم». فالرسل من أولهم إلى آخرهم دعوا إلى هذه الكلمة، ﴿وَلَقَد بَعَثنا في كُلِّ أُمَّةٍ رَسولًا أَنِ اعبُدُوا اللَّهَ وَاجتَنِبُوا الطّاغوتَ﴾، ﴿وَما أَرسَلنا مِن قَبلِكَ مِن رَسولٍ إِلّا نوحي إِلَيهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلّا أَنا فَاعبُدونِ﴾. قال رحمه الله تعالى: «وما من رسول منهم إلا جعل مفتتح أمره كما سبق وأخبر الله عز وجل عن أحد الرسل بهذا المعنى: ﴿فَاعبُدوا ما لَكُم مِن إِلَهٍ غَيرُهُ﴾». قال: «وقد روى -كما قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم- «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإن قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله عز وجل». والحديث في الصحيحين من حديث ابن عمر مشهور. وهكذا لما أرسل معاذًا لمن قال: «ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله». وفي الصحيحين من حديث معاذ وحديث ابن عباس، وجاء في بعض ألفاظ البخاري: «ليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله». قال رحمه الله: «ودلالة هذه الكلمة على التوحيد باعتبار اجتماعها على النفي والإثبات المقتضي للحصر، وهو أبلغ من الإثبات المجرد، كقولنا: الله واحد». وهذا إن دل على شيء، دل على إتقان أمر هذا الدين، وعلى الفصاحة والبيان في لغة القرآن والسنة، وعلى الجمع الذي حصل به وضع الشيء في موضعه لفظًا ومعنى. فانظر إلى هذه البلاغة التي أشار إليها، وعلى هذا البيان الذي ألفت الانتباه إليه، يقول: إن وضع كلمة التوحيد بالنفي والإثبات أبلغ من الإثبات المجرد. فأنت إذا قلت: «الله واحد»، ليس كقولك: «لا إله إلا الله». فـ«لا إله إلا الله» نفي وإثبات، فيها تخلية وتحلية، تخلية بنفي الإلهية عما سوى الله، وإثباتها لله عز وجل وحده. وهل هذا النفي يتضمن النفي عن الله أولًا ثم الإثبات له ثانيًا؟ الجواب: لا، بل النفي عما سوى الله، وإثباتها لله عز وجل وحده، هذا هو مقتضى أدلة الشرع، وكذلك الاعتبار الصحيح، وهو الذي تقتضيه اللغة الفصيحة. والنفي والإثبات هما ركنا هذه الكلمة -كلمة التوحيد- وهذه الشهادة. وأما شروطها، كما سبق ذكر العلماء البيت الذي يشمل على هذه الشروط السبعة: «علم يقين وإخلاص وصدق كمع محبة وانقياد والقبول لها». علم منافي للجهل، ويقين منافي للشك، وإخلاص منافي للشرك، وصدق منافي للكذب، ومحبة منافي للكراهة، وانقياد منافي للتردد وعدم الانقياد، وقبول منافي للرد. ولكل شرط من هذه الشروط السبعة أدلة تبسط في غير هذا الموضع. قال رحمه الله تعالى: «كقولنا: الله واحد، مثلًا، فهي تدل بصدرها على نفي الإلهية عما سوى الله تعالى، وتدل بعجزها على إثبات الإلهية له وحده». «لا إله إلا الله» أبلغ؛ لأن «لا إله إلا الله» نفي بأبلغ أنواع النفي، وإثبات بأبلغ أنواع الإثبات، وذلك أنه نفي بـ«لا» النافية التي هي أبلغ أدوات النفي وأقواها، وأثبت بأقوى أنواع الإثبات، وهو الحصر الذي يفيد بذلك تأكيد الوحدانية لله عز وجل وحده. قال رحمه الله تعالى: «ولا بد فيها من إضمار خبر، تقديره: لا معبود بحق موجود إلا الله». وقوله: «موجود»، كما قال المعلق: «تقدير لخبر مستتر». وإلا فأهل السنة يجعلون الخبر محذوفًا، تقديره: حق. فإعراب «لا إله إلا الله»: «لا» نافية للجنس، و«إله» اسم «لا» مبني في محل نصب، وخبرها محذوف، تقديره عند أهل السنة: حق. «لا إله حق إلا الله». «إلا» حرف استثناء ملغي، و«الله» بدل من «حق»، لفظ الجلالة «الله» بدل من «حق» الذي هو الخبر المحذوف. وأما الأشاعرة وأهل وحدة الوجود -وننبه بهذا؛ لأننا ربما نقف أو يقف بعض إخواننا على مثل هذه الإعرابات في كتب النحو واللغة ونحوها- فيجعلون الخبر محذوفًا، إما تقديره: خالق، أو تقديره: رب، أو تقديره: مخترع، أو صانع، أو موجود. وهذه أشهر التعابير التي يعبرون بها، وكلها تعابير قاصرة ناقصة؛ لأن المقام مقام إثبات الألوهية لله عز وجل، ليس المقام مقام إثبات ربوبية. وفرق بين الربوبية والألوهية. هذا أولًا، وثانيًا: أن هذه الطوائف تظن أن أول واجب على المكلف هو معرفة وجود الله، أو معرفة الصانع، أو معرفة الرب، أو معرفة المخترع، أو معرفة الخالق. وخلاصتها: يظنون أن أول ما يجب أن يعرفه العبد هو معرفة الربوبية، ويجعلون التوحيد هو إثبات الربوبية لله سبحانه وتعالى، وهذا خطأ. فإثبات الربوبية لله هذا بعض التوحيد، وليس هو الذي أنكره أو أنكرته الأمم، وبُعث لأجله الرسل. إنما الذي بعث لأجله الرسل هو توحيد الألوهية، وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة. وأما توحيد الربوبية، فقد أقرت به الأمم، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَئِن سَأَلتَهُم مَن خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرضِ لَيَقولُنَّ اللَّهُ﴾، وهم يؤمنون أن الله الخالق، أن الله الرازق. ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى استدل عليهم بوحدانيته في عبادته على إقرارهم بوحدانيته في خلقه وتدبيره، قال سبحانه: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اعبُدوا رَبَّكُمُ الَّذي خَلَقَكُم وَالَّذينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقونَ﴾. يعني: إذا كنتم تقرون أن الله هو الخالق وحده، والذي خلق من كان قبلكم وحده، فإذن هو الذي يستحق العبادة وحده. وهذا من الاستدلال بتوحيد الربوبية على توحيد الألوهية. وتوحيد الربوبية يستلزم توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية، لكن توحيد الربوبية لا يتضمن توحيد الألوهية. ولهذا فمن أثبت لله جل وعلا الربوبية لم يأت بالتوحيد الذي أراده الله منه، بل وناقص في توحيده. فلهذا كان ما عبروا به خطأ، وهو كذلك مبني على عقيدة خاطئة. ولهذا نجد أدلة الكتاب والسنة تدل على أن أول واجب على المكلف هو توحيد الله سبحانه في ألوهيته، كما سبق: ﴿وَما أَرسَلنا مِن قَبلِكَ مِن رَسولٍ إِلّا نوحي إِلَيهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلّا أَنا فَاعبُدونِ﴾، «لا إله إلا أنا فاعبدون»، هذا أول واجب. «ليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله». قال رحمه الله تعالى: «وقوله: إقرارًا به، مصدر مؤكد لمعنى الفعل أشهد، يعني: أشهد حال كوني مقرًا». قاله: المراد إقرار القلب واللسان، وهكذا كذلك الجوارح، كما مر معنا أن الشهادة لا تتم إلا بعلم ويقين وعمل. قال رحمه الله تعالى: «وقوله: توحيدًا، أي إخلاصًا لله عز وجل في العبادة؛ لأن هذا هو معنى التوحيد». قال: «فالمراد به التوحيد الإرادي الطلبي، وهو توحيد الألوهية، التوحيد الإرادي الطلبي، أي التوحيد الذي فيه طلب من العباد، وهو إفراد الله في العبادة، وهو المسمى بتوحيد الألوهية». قال: «المبني على توحيد المعرفة والإثبات». وتوحيد المعرفة والإثبات هو الذي يسمى بتوحيد الخبري؛ لأنه خبر عن ربوبية الله وأسماءه وصفاته، فهو توحيد الربوبية والأسماء والصفات. فالربوبية: إفراد الله في أفعاله، والأسماء والصفات: إفراد الله سبحانه وتعالى في أسماءه وصفاته كما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقوله: «المبني على توحيد المعرفة والإثبات»، فتوحيد المعرفة والإثبات يستلزم التوحيد الإرادي الطلبي، وهو توحيد الألوهية. فإفراد الله سبحانه وتعالى في أفعاله يستلزم أن يفرد سبحانه وتعالى في عبادته. فعبادة العبد لله عز وجل تكون له وحده بعد العلم أنه هو الذي انفرد بالربوبية والأسماء والصفات الكامل الحسنى وحده. فبين التوحيد الإرادي والطلبي ماذا تعلق؟ فالتوحيد الإرادي الطلبي يتضمن التوحيد المعرفي أو الخبري -توحيد المعرفة والإثبات-، وتوحيد المعرفة والإثبات يستلزم توحيد الألوهية أو التوحيد الإرادي الطلبي.