شرح العقيدة الواسطية للهراس 41

شرح العقيدة الواسطية للهراس 41

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 41، الدرس الحادي والأربعون : (وقوله تعالى في الآية الأولى واحسنوا ... فلا ينال تلك المحبة إلا من أحسن الإتباع والاستمساك بهدية عليه السلام). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني

مفهوم الإحسان في الإنفاق

يشرح مفهوم الإحسان في الإنفاق ويحذر من التبذير والتقتير، ويؤكد على أهمية التوسط في الإنفاق. يُستشهد بالأحاديث النبوية وهدي السلف الصالح في ذلك.

الإحسان والعدل في القرآن والسنة

يشرح معاني الآيات والأحاديث المتعلقة بالإحسان والعدل، ويبين أهمية التوسط واجتناب ما يضر. كما يشرح معاني بعض الأسماء والصفات الإلهية المتعلقة بذلك.

شروط التوبة النصوح وفضل المتطهرين

يشرح شروط التوبة النصوح وهي الإخلاص والندم والإقلاع والعزم، ويبين فضل المتطهرين من الأحداث والذنوب. كما يوضح أن محبة الله لا تنال إلا باتباع نبيه صلى الله عليه وسلم.

أهمية اتباع النبي في نيل الحب الإلهي

يشرح أهمية اتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم في نيل الحب الإلهي والشفاعة، ويؤكد أن طاعة النبي شرط لدخول الجنة. يُثبت صفة المحبة لله وللعباد ودور الطاعة في نيل الشفاعة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال رحمه الله تعالى: وقوله تعالى في الآية الأولى: ﴿وأحسنوا﴾ أمر بالإحسان العام في كل شيء، لا سيما في النفقة المأمور بها قبل ذلك. والإحسان فيها يكون بالبدل وعدم الإمساك، أو بالتوسط بين التقطير والتبذير، وهو القوام الذي أمر الله به في سورة الفرقان. يعني أن الله أثنى على من أنفق كذلك بين التبذير والتقطير وسط، وهذا هو الإحسان أن تضع الشيء في موضعه. وهنا ﴿وأحسنوا﴾ قال: أمر بالإحسان العام في كل شيء، يعني في النفقة، وفي الخلق الحسن، وفي كذلك حتى كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الذبيحة: إذا ذبحها الإنسان، كما سيأتي إن شاء الله. وقوله: لا سيما في النفقة المأمور بها، يعني لأن هذا جاءت الأحاديث فيه وأكدت، وكثير من الناس يخطئ في هذا الباب بين الشدة على نفسه وعلى أهله. وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده»، ليس على عبده يعني شخصه فقط، بل شخصه ومن ينفق عليه. إذا كنت أنت تنفق على أهلك، إن الله يحب أن يرى أثر هذه النعمة على أهلك، لا تشدد عليهم، بل أحسن إليهم كما أحسن الله إليك. وكذلك لا تبذر ولا تسرف، فإنه لا يحب المسرفين، ونهى عن التبذير: ﴿ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا﴾. والناس طرفان ووسط، وخير هؤلاء الثلاثة الوسط، التوسط. فكما أن التبذير والإسراف مذموم، فأشد منه كذلك التقطير، لماذا؟ لأن التبذير في الحقيقة ظلم في حق المال، وأما التقطير فهو ظلم في حق المال والنعمة، وفي حق من بخس حقه من نفس وأهل وبنون. ويعاب على أناس كثر ربما أبلغوا في التقدير فرارا من التبذير، فظلموا من تحتهم من زوجة أو أولاد، وهذا هو الشح الذي نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام، حتى يعيش في نفسه، وفي كذلك يعيش أهله في فاقة وفي فقر وتعب، بينما هو يستطيع أن يوسع عليهم. وربما كذلك ولو أعطاهم بعض الشيء، لكن من التشديد يظهر ذلك في خلق أهله وأبنائه، وفي نظرات أعينهم وحركات أيديهم وتعلق قلوبهم بما يكون من التشديد عليهم، وهذا ظلم. فينبغي للإنسان إذا أحسن الله إليه أن يحسن، أحسن إلى نفسه، وأحسن إلى زوجته وإلى أولاده. قد يكون إنسان يريد الإحسان، لكن ما يعرف كيف يضع هذا الإحسان. وأنا أنبه على هذا الأمر لأننا قد نبتل بهذا، خصوصا باب التقدير أشد من التبذير، لأن التبذير ربما يكون مبغوض ومحذور، خصوصا عند طلبة العلم، لكن قد نبتلى بشيء آخر وهو التقدير، وهو التضييق فيما لا يحسن التضييق فيه. فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، فإذا فتح الله عليك تستطيع أن تسهل على امرأتك، تشتري لها غسالة، لا تقول: الزهد طيب، والله لا يحب المسرفين. فيا بنت الناس إن شاء الله نصبر ونحتسب. وقد سألت فاطمة رضي الله عنها خادما، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «ألا أدلك على خير من خادم؟ فإذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبرا...» وذكر الأحاديث. وهل هذا فهم صحيح؟ هذا فهم خاطئ، ما دام تستطيع أن تشتري لأهل غسالة، اشتري لهم غسالة، وسع عليهم، الله وسع عليك وأحسن إليك، فأحسن إلى أهلك. كذلك ربما تحتاج إلى ثياب تلبسها، وتقول: الزهد طيب، يكفينا أن نشتري بالعيد مرة، وربما تتخرق الثياب وتتخرق كذلك الملابس الداخلية والخارجية. وتستدل بأن عمر بن الخطاب كان عليه ثوب مرقع، كان عمر بن الخطاب عليه ثوب مرقع لأنه فعلا لا يجد، لكن أنت تجد، والله يحب أن يرى أثر نعمته عليك، وسع على أهلك، وسع على أولادك. كذلك بعض أولادك أو أهلك يدرسون ويحتاجون إلى كتاب، فلا تقول: كان بعض السلف لا يجد الطعام فكيف نتوسع في الكتب؟ فتستدل بأشياء لا يصح الاستدلال بها، وسع عليهم، أعنهم على ما يعينهم على الدين والدنيا، أحسن كما أحسن الله إليك: ﴿وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾، أحسن إلى نفسك، وأحسن إلى أهلك. وأذكر أن شيخنا محمد مصالع تيمير رحمه الله تعالى كان يذكر رطائف في دروسه وفي مجالسه، ومن ذلك أنه ذكر استخدام الماء الحار لطالب العلم، فقال: هل هذا يعز من التبذير والإسراف لو أنه احتاج أن يوسع على نفسه وعلى أهله بأن يغتني مثل ذلك؟ فقال: إن كان ذلك يعينه على الاجتهاد في طلب العلم فأرى أن هذه قربة ينبغي أن يتقرب بها إلى الله، إذا كان يعينه في الاجتهاد لطلب العلم فهي قربة، احتسب الأجر. فكذلك إذا كان شيء يعين أهلك ويعين أبنائك على طلب العلم فوسع عليهم، أحسن كما أحسن الله إليك، وفضل الله واسع ورزقه غير منقطع، لا تظن أنك بإنفاقك وإحسانك سيضيع عليك الرزق أو يغلب عليك، بل إذا أحسنت أحسن الله إليك، ووسع عليك في الرزق، خصوصا إذا كنت تستعين بالنعم الدنيوية على النعم الدينية. وهكذا ينبغي لطالب العلم أن ينظر ما يعينه على الدين، حتى السيارة والدراجة وما كان بمعنى، إذا كان عندك مال تستطيع تشتري وترى أن هذا يعينك لطلب العلم، وسع على نفسك، وسع على أهلك، لأن هذا يعينك على الدين، تستعين بالنعم الدنيوية على الوصول إلى النعم الدينية، وهذا كان من هدي سلفنا ومن فعلهم. لكن الإنسان واد النفس يعني إذا كنت تعلم أن نفسك تميل إلى الرخاء فلا تعطيها ما تشتهي دائما، فينقلب كما يقولون الحبل على الغارب، تنعكس الأمور، بدل من أن تجتهد تركن إلى الرخاء وإلى كذلك الكسل والخور، لا، لكن انظر ما يعين ولا يضر، وسط لا إفراط ولا تفريط، ما يعين ولا يضر. وأما ما كان يضر فيجتنبه، وما كان لا يعين فكذلك اجتنبه، وما كان يعين مما فيه توسع فوسع، يوسع الله عز وجل عليك، وأحسن يحسن الله عز وجل عليك: ﴿وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾، والأمر وسط بين هذا وهذا. قال رحمه الله تعالى: روى مسلم في صحيحه عن شداد بن أوس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته». والحديث مشهور، والشاهد منه: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء» إلى آخره. ومراده رحمه الله أن يبين أن قوله: ﴿أحسنوا﴾ أمر بالإحسان في كل شيء، حتى فيما يستوجب شدة، فأنت مأمور بالإحسان فيه. القتل إذا كنت تقتل القاتل ومن يستحق القتل، فأنت مأمور بالإحسان إليه في قتله، بشيء يريحه في هذا القتل. وانظر إلى حكمة الله بذلك، القصاص جعل بالسيف في العنق لأنه أسرع في قتله، أسرع حتى من الرصاص، الضرب بالسيف في العنق أريح للمقتول من الرصاص، بعض الذي يقتل بالرصاص لا يموت بطلقة واحدة، مع أنه يضرب في القلب، ويحدد الطبيب المختص، ومع ذلك ليس كل من يضرب يموت من وهلته، بعضهم يموت وبعضهم يحتاج إلى أكثر من طلقة حتى يموت، بينما بالسيف في العنق وبالكيفية والصفة التي وصفها العلماء، وما عهد عن النبي عليه الصلاة والسلام في القصاص هي الأريح والأرفق. وهكذا كذلك حتى ما تذبح مما تأكل، كذلك تريح هذه الذبيحة، وحتى الرجم، الرجم الذي يظن بعض الناس ويثيره بعض العلمانيين بأنه فيه تعذيب، الرجم الذي شرع ليس بالحجارة الصغيرة، ولكن بالحجارة الكبيرة التي تملأ الكف، والواحد منها كفيل بقتل المرجوم إذا أصابه في رأسه أو موضع قاتل. ولهذا أمر العلماء أن يضرب في الموضع القاتل، وهذا لأن المقصود في القصاص ليس فقط هو الإراحة، بقدر ما المقصود به العبرة والتأديب، لأن هذا زاجرا لغيره ممن قد يصنع مثل صنعه. قال: وأما قوله: ﴿إن الله يحب المحسنين﴾ فهو تعديل للأمر بالإحسان، فإنهم إذا علموا أن الإحسان موجب لمحبته، ثارعوا إلى امتثال الأمر به، وهذا كذلك ظاهر. وقوله: ﴿يحب﴾ هذا هو الشاهد: ﴿وأحسنوا إن الله يحب المحسنين﴾، ﴿إن الله يحب المحسنين﴾ هذا فيه إثبات صفة الحب لله سبحانه وتعالى على ما يليق بجلال الله وعظمته، فهو حب يليق بجلال الله وعظمته، نمرره كما جاء، ونثبته كما أثبته لنفسه سبحانه وتعالى، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. ومرنا عن الجواب عن شبهتي المعتزلة والأشاعرة في تعطيل هذه الصفة، وهكذا كذلك قول الممثلة باطل من باب أولى، فيثبت لله ما أثبت لنفسه: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾. إن الله يحب المحسنين﴾ فهو تعليل للأمر، أي تعليل للأمر بالإحسان، لأن الله يحب المحسنين، فإذا سارعوا وامتثلوا الإحسان. قال: وأما قوله في الآية الثانية: ﴿وأقسطوه﴾ فهو أمر بالإقساط، وهو العدل في الحكم بين الطائفتين المتنازعتين من المؤمنين، وهو من قصط إذا جار، فالهمزة فيه للسلب، وهذا كثير في اللغة العربية، يتغير المعنى ويتغير المعنى بإضافة الهمز. وهذا له باب في باب التصريف، والمزيد بالهمز، فمن معانيه سلب المعنى، أي نزع المعنى في غير المزيد، فإنه يتغير المعنى. قالوا: من أسمائه تعالى: المقسط، من أسمائه تعالى: المقسط، هذا الاسم جاء بحديث أبي هريرة الذي رواه الترمذي وغيره في تعيين تسع وتسعين اسما لله، وهذه الزيادة في ذكر الأسماء ضعيفة عند أهل العلم. أصل الحديث في الصحيحين ليس فيه ذكر هذه الزيادة التي فيها تسمية هذه الأسماء، وجاء عند المنذري والترمذي بذكر هذه الأسماء، وفيها اسم المقسط، وهي زيادة ضعيفة عند أهل العلم بالحديث، وقد ألمح الترمذي رحمه الله تعالى إلى معنى هذا، فهي من رواية عبد الملك بن محمد الصنعاني، وهو ضعيف. قال رحمه الله تعالى: ﴿الحكم﴾ على العدل وفضله، وأنه سبب لمحبة الله عز وجل، لأن الله عز وجل أمر به. قال: وأما قوله تعالى: ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ فمعناه: إذا كان بينكم وبين أحد عهد كهؤلاء الذين عاهدتموهم عند المسجد الحرام، فاستقيموا لهم على عهدهم مدة استقامتهم لكم. ﴿فما﴾ هنا مصدرية، ومعنى مصدرية أي أنها تؤول مع ما بعدها بمصدر. قال: ظرفية، يعني تفيد الظرف. قال: ثم علل لذلك الأمر بقوله: ﴿إن الله يحب المتقين﴾، فمن التقوى الوفاء بالعهود، كما أنك وفيت في عهدك. قال: أي حب الذين يتقون الله بكل شيء، ومنه عدم نقض العهود كذلك. قال: وأما قوله: ﴿إن الله يحب التوابين﴾ إلى آخره، يعني في الآية التي ذكرها شيخ الإسلام رحمه الله، قال: فهو إخبار من الله سبحانه وتعالى عن محبته لهذين الصنفين من عباده. وكما قلنا: إن الله يحب ويحب ويحب أشخاص وأوصاف، ومن هذه الأوصاف التي يحبها هاتين الصفتين، وفيه إشارة إلى أن من مراتب العبودية التوبة، فالله جل وعلا قدر الذنوب لحكمة، فكل شيء في كونه بقدره، هو لا يحبه، ولكنه لا يكون في كونه إلا بإذنه وقدره ومشيئته. وهي مرتبة من مراتب العباد أن يكون العبد توابا، فهو يحب التوابين، ولن يصل إلى هذه المرتبة إلا بذنب يبتل به فيتوب منه، وهو بهذا المعنى ممدوح، وبمعنى الوقوع في الذنب مدموم، فإذا تاب منه فهو ممدوح على هذا، وهي مرتبة من مراتب العبودية. قال: أما الأول فهم التوابون، أي الذين يخفرون التوبة والرجوع إلى الله عز وجل، وهذا مأخوذ من التضعيف الموجود في هذه الصيغة، وتكرار المبنى عند أهل العربية يدل على تكرار المعنى، تقول: قتل وقتل، وطاف وطوف، وهكذا تائب وتواب، تائب مرة واحدة، تواب كثير التوبة. قال: أي الذين يخفرون التوبة والرجوع إلى الله عز وجل، بالاستغفار مما ألم به، على ما تقتضيه صيغة المبالغة، أي من التضعيف، فهم بكثرة التوبة قد تطهروا من الأقذار والنجاسات المعنوية التي هي الذنوب والمعاصي. وفيه إشارة أن المسلم الكامل في إسلامه لا يتوب من ذنبه مرة واحدة، بل يكثر من التوبة والاستغفار، يكثر من التوبة والاستغفار، وهذا يعينه في السير إلى الله سبحانه وتعالى، وأن لا يغتر بعمل صالح، كما قال ابن القيم رحمه الله في بعض كتبه، قال: «لا يزال العبد ينظر إلى نفسه بنظر النقص والتقصير، وينظر إلى ربه بنظر الشكر والامتنان على نعمته، فهو بهذا يجمع بين تعظيم الرب واحتقار النفس، بما يدعوه أن لا يعجب بعمل، ولا يغتر بخير، فلا يزال في اجتهاد حتى يلقى ربه وهو محسن». هذا معنى كلامه رحمه الله تعالى، وإلا إذا وقع الركون لأحد هذين الوصفين، ربما ابتلي بقنوط أو ابتلي بغرور، وكل الأمرين مدموم ونقص، لكن أن يجمع بينهما في سيره إلى الله سبحانه وتعالى، يوفق الله عز وجل بهذا العبد إلى ما فيه الخير له في الدنيا والآخرة. وقوله: «قد تطهروا من الأقذار والنجاسات المعنوية التي هي الذنوب والمعاصي» لهذه شروط، وهي شروط التوبة، أولها الإخلاص، فمن ترك شيئا لغير الله لا يسمى تائبا، كمن تركه خوفا من السلطان، أو مجاملة للإخوان، أو غير ذلك من الاعتبارات، فهو ليس بتائب. ولهذا سرعان ما ينتكس صاحب هذا النوع من التوبة، ربما إنسان كان مسرفا على نفسه بذنوب ومعاصي أو قمار وفواحش، فبأن يصيبه بعض الإخوان يترك، لكن ليس مخلصا بتركه، فإذا تخلوا عنه أو تغير عن مكانه سرعان ما رجع إلى ما كان عليه، لماذا؟ لأنه لم يخلص توبته لله سبحانه وتعالى وحده. فينبغي للإنسان أن يصحح نيته، وليس معنا تصحيح النية ليس معنا تصحيح النية أن يترك الحياء ويرجع إلى المعصية، وهذان داءان يفتكان بمعظم الجهلاء، بعض الناس يقول: لماذا الرياء والسمعة؟ أنا ما سأترك المعاصي إلى أجل فلان، إذن إيش الحل؟ الحل أن أكون قليل الحياء في فهمه أن يكون قليل الحياء ويرجع إلى معاصيه وذنوبه، وهذا خطأ، بل الصواب أن يوافق ما دام اقتنع بأن ما نصح به هو الصواب، ولو كان هو من أجل حيائه منهم، لكن يصحح نيته فيما بينه وبين الله، يصحح نيته فيما بينه وبين الله، ويتواضع، ومن تواضع لله رفعه الله. وشرط الثاني الندم، وعلامة الندم تمني عدم الوقوع، وكما قال ابن القيم: الندم الصحيح يوجب انكسارا من غير علة، يوجب انكسارا من غير علة، يعني من غير مرض يكون في صاحبه انكسار، ومن هذا الانكسار أنه يجد في قلبه حسرة على وقوع ذلك الشيء، فهو يتمنى بصدق أن ذلك لم يكن. بخلاف غير النادم، فهو لا يزال يتمنى الأمان أن تتيسر له فرصة أن يعود لما كان عليه. وبه ننتقل إلى شرط الثالث، وهو الإقلاع عن الذنب، ومن الإقلاع أن لا يعزم الرجوع عليه، وهو الشرط الرابع: العزم على عدم العودة إلى ذلك الذنب. فأما من تاب اليوم ويعزم أن يرجع في الأسبوع القادم أو في الإجازة الآتية أو في العيد الآتي، فهذا بالحقيقة لم يصدق في توبته، وتوبته شروطها ناقصة. وزاد بعضهم شرطا خامسا: أن تكون في وقت التوبة، أن تكون في وقت التوبة، هذا على وجه التفصيل، وإلا بعضها يدخل في بعض. ووقت التوبة قبل الغرغرة، وقبل أن تطلع الشمس من مغربها، كما صحت بذلك الأحاديث، وإن كان به حق من الحقوق أن يرد الحق إلى أهله. قالوا: أما الثاني فهم المتطهرون، الذين يبالغون في التطهر، وهو التنظيف بالوضوء أو بالغسل من الأحداث والنجاسات الحسية. وقيل: المراد المتطهرين هنا الذين تنزهون من اتيان النساء في زمن الحيض أو في أدبارهم، والحمل على العموم، أو لا، يعني المتطهرين الطهارة الحسية والمعنوية، الحسية من الأحداث والنجاسات، والمعنوية من جميع الذنوب والمعاصي، والله يحب المتطهرين. قال: وأما قوله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ فقد روي عن الحسن بسبب نزولها: النقوما ادعوا أنهم يحبون الله؟ فأنزل الله هذه الآية محنة لهم، وهذا الأثر وإن كان به ضعف، لكن له شواهد، وله كذلك طرق يصحح بها هذا الأثر، ومعنى صحيح. فإن الآية تدل على أن الخطاب فيه معنى الامتحان، فتحقيق الحب بهذا المطلب: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾، وعندكم في التعليق في طبعة السقاف، تراجع السقاف عن تضعيف هذا الأثر في الطبعة الجديدة، تراجعوا عن تضعيف هذا الأثر في الطبعة الجديدة. وأما ما نقل عن ابن جرير، أو كذلك ما جاء في بعض أسانيد هذا الأثر، أو أنه مرسل من مراسيل الحسن، ومراسيل الحسن من أضعف المراسيل، فهذا لا يعني أنه لا يصح هذا المعنى، فالآية كما قلنا في سياقها تدل على هذا المعنى، وهذا كافي. وأما نسبته أنه كان له سبب نزول، فهذا شيء آخر. قال: وفي هذه الآية قد شرط الله لمحبته اتباع نبيه صلى الله عليه وسلم، فلا ينال تلك المحبة إلا من أحسن الاتباع والاستمساك بهذه عليه السلام، وبه يعلم أن المحبة لا تنال بنسب، ولا تنال كذلك باعتبارات أخرى، بقدر ما تكون على تمال الاتباع. فمن كان بعيدا عن اتباعه فهو أبعد عن معنى الحب، هو أبعد عن معنى الحب، ومن باب أولى أن يكون أبعد عن معنى الوصف الذي يستدعي أن يكون من أهله عليه الصلاة والسلام، ومن أتباعه عليه الصلاة والسلام، ومن من ينالهم شفاعته عليه الصلاة والسلام، فإنما شفاعته تكون لمن أطاعه: «من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني دخل النار». والشاهد منه قوله: ﴿يحببكم الله﴾، ففيه إثبات صفة المحبة لله عز وجل، وفيه إثبات صفة المحبة من الخلق لله، فالله يحب ويحب، كما مر معنا مما سبق. والله تعالى أعلم.